التغيير : الخرطوم في مكاتب الصحيفة الواقعة في بناية وسط العاصمة السودانية الخرطوم يقضي صحافيو صحيفة  الصيحة  يوم عملهم في ملل شديد ودون الذهاب الي دوائرهم المخصصة  و كتابة تقاريرهم الاخبارية وتحقيقاتهم، 

او في نيابات الخرطوم القضائية للتحقيق معهم في عدد من القضايا التي تم نشرها في الصحيفة بعد ان علقت السلطات الامنية صدورها منذ اكثر من اسبوعين.

 

 

ويفكر الكثير من الصحافيين العاملين في الصحيفة الموقوفة في كيفية الحصول علي رزق حلال واطعام اسرته واهله , ومقابلة احتياجات الحياة اليومية بعد اغلاق الصحيفة والذي لا يوجد بوادر امل من اجل السماح لها بالصدور مرة اخري ,

 

ولكن إغلاق صحيفة في السودان او مصادرتها من المطبعة، أو منع كاتب من الكتابة ليس هو الخبر، فقد اعتادت الصحافة السودانية هذه الممارسات، ولكن الخبر هو ان صحيفة(الصيحة) هي صحيفة مملوكة لرئيس “منبر السلام العادل” الطيب مصطفى، الذي تربطه صلة قرابة بالرئيس البشير، وكان من أشرس المدافعين عنه ابان صدور مذكرة التوقيف ضده من محكمة الجنايات الدولية، و(الصيحة) أسسها الطيب مصطفى بعد ان تم إقصاؤه عن صحيفة منبره “الانتباهة” في إطار الصراعات الداخلية بين الاسلاميين بمختلف أجنحتهم،

 

ويرأس تحريرها ياسر محجوب، وهو من كوادر المؤتمر الوطني وقد سبق ان ترأس تحرير صحيفة”الرائد” لسان حال المؤتمر الوطني، الذي كان ياسر محجوب من أشرس المدافعين عن سياساته، ولكنه اليوم  يصف  ما حدث ل”الصيحة” وما يحدث للصحافيين في السودان عموما  “بالردة ” عن وعود اطلقها الحزب الحاكم وقرارات اتخذها الرئيس عمر البشير من اجل اتاحة الفرصة للحريات الصحافية. ويضيف  ان اغلاق الصحيفة بواسطة الاجهزة الامنية وعبر الهاتف فقط هو امر “غير دستوري وغير قانوني ويتنافي مع احاديث قيادات الحزب الحاكم التي تقول ان بالبلاد متسع من الحريات الصحافية. ، ولكن الأهم في تصريحات ياسر محجوب هو قوله:”كل ما في الامر ان هنالك متنفذون بالدولة لم يعجبهم نشر الصحيفة لقضايا الفساد واستغلال النفوذ فعمدوا الي ايقافها”

 

وهنا بيت القصيد! فالهجمة الشرسة على الصحف ولا سيما الصحف ذات العلاقة بالدوائر المتنفذة في النظام الحاكم سببها المباشر حسب مراقبين هو “حرب ملفات الفساد” التي بدأت بصورة غير مسبوقة كانعكاس للصراعات الداخلية في الحزب الحاكم، ونظرا لأن الوصول الى المعلومة في السودان معضلة كبيرة، إذ ان قانون الصحافة والمطبوعات نفسه لا يلزم المسؤولين في الدولة بتقديم المعلومات للصحفيين بل يترك ذلك لتقديراتهم، فإن الصحف الوحيدة التي تمتلك معلومات ووثائق عن الفساد هي الصحف المملوكة لإسلاميين، تربطهم صلات مباشرة بالدوائر الأمنية والدوائر المتنفذة في مؤسسات الدولة.

 

حرب ملفات الفساد ما زالت في مرحلة المناورات، ويبدو ان الهجمة على الصحف ومحاصرتها سببها الاساسي ايقاف هذه المناورات التي لو تطورت الى حرب حقيقية فإن نتيجتها ستكون الخسران الجماعي لكل أطراف الصراع.

 

 

عادت الاجهزة الامنية الي عادة مصادرة الصحف من المطبعة بعد طباعتها بعد توقف قصير , حيث افادت ادارة صحيفة ” الجريدة ” ان الاجهزة الامنية قامت بمصادرة نسخ عدد يوم الاحد الماضي بعد طباعتها. كما اكدت ادارة الصحيفة انها تلقت اوامر من الاجهزة الامنية يطلب منها عدم السماح للكاتب الصحافي زهير السراج بالكتابة في الصحيفة. هذا فضلا عن شكاوي متكررة من الصحافيين من اوامر حكومية بحظر النشر في عدد من القضايا. وتلقت ادارات الصحف نحو 7 من اوامر حظر النشر ي عدد من القضايا في غضون اسبوعين فقط منها اعتقال رئيس حزب الامة القومي الصادق المهدي وايقاف صحيفة الصيحة وغيرها.

الاكثر من ذلك فان الاجهزة الامنية اعتقلت واستدعت عددا من الصحافيين للتحقيق معهم خلال الفترة الماضية بالرغم من قرار رئيس الجمهورية القاضي بعدم التعرض للصحافيين وتركهم يعملون في اطار القانون. 

وفي خضم هذه الاجواء المشحونة لدي الصحافيين لدرجة انهم نظموا وقفة احتجاجية ضد هذه الاجراءات التي وصفهوها بالانتهاكات , انطلقت بالخرطوم اعمال مؤتمر الاعلام الثاني والذي تنظمه الحكومة السودانية.

وقال وزير الدولة بالاعلام ياسر يوسف  ان المؤتمر سيناقش قضايا الاعلام بما فيها قضايا الصحافة المكتوبة خلال ورش    عمل متخصصة في كل مجالات الصحافة والاعلام مشيرا الي ان  الجلسة الختامية في السادس والعشرين من الشهر الجاري وتقديم التوصيات الي القيادة السياسية. 

 

واشار الي ان نحو الف شخص سيشاركون في المؤتمر من بينهم صحافيون واعلاميون واكاديميون وان المشاركة مفتوحة للجميع. مضيفا ان المؤتمر ياتي في اطار تنفيذ توجيهات الرئيس البشير بالاصلاح والتغيير في كافة المجالات

 

 وحول  تعليقه علي شكاوي الصحافيين من التضييق علي الحريات قال يوسف ان ايقاف  صحيفة الصيحة  قد تم وفقا لقانون الامن الوطني ، نافيا ان يكون الامر ارتداد عن الحريات التي بشر بها الرئيس عمر البشير ” ايقاف صحيفة واحدة مع وجود ٢١ صحيفة سياسية لا يعتبر ردة وهو امر استثنايي اقتضته الظروف.. بل ان هنالك صحفا مثل التيار وصوت الشعب قد عاودت الصدور من جديد”.

 

واعتبر اوامر النشر التي صدرت من النيابة والتي تحظر النشر في عدد من القضايا امر قانوني وبطلب من القضاء حتي لا تؤثر علي سير هذه القضايا في المحاكم. 

 

ومع ذلك يري الخبير الاعلامي فيصل محمد صالح ان مؤتمر قضايا الاعلام لن يحل مشكلة الصحافة السودانية في حال استمرار نفس السياسات الحكومية المتبعة  مع الصحف في الوقت الحالي. وقال ان ما يحدث للصحافة السودانية هو “ردة كبيرة جدا” عن وعود تم اطلاقها باتاحة الفرصة للصحافة بالعمل في جو معافي ” علي السلطات ان تترك الصحف تعمل بحرية والا تدخل في عملها باجراءات استثنائية.. اذا برز خلاف بين السلطة والصحافة فيجب ان يكون الفيصل هو القانون .. ويجب ان يكون هذا القانون متفق عليه .. وليس الاجراءات الاستثنائية”.

وتصنف منظمة مراسلون بلا حدود المعنية بالحريات الصحافية السودان من بين أكثر عشر دول في العالم  انتهاكا لحرية الصحافة.