عبد الله الشيخ هناك  ضيف عزيز حل فى أهل الشمال هو الكهرباء.. فقد وصل التيار الكهربائي إلى بيوتهم قبل اربع سنوات تقريباً،

وبفضل من الله شربوا الماء البارد وهو أعز عزيز هناك ، لكنهم  اليوم يتنادون للإستفادة من الكهرباء برفع المياه من مجرى النيل لري الجنائن.. و في هذه الأيام على وجه التحديد ينحسر نهر النيل حتى يصبح شريطاً  ضيِّقاً و كسيحاً جداً فى شهر “بئوونة ــ يونيو ” ، ينشغل الأهالى فى نفير جماعي هو حفر “الكوديق” إذ يقومون يتوصيل مضخات المياه بحفرة فى الرمل توصل مضارب الماكينات بتيار النيل الرئيسي، وهذا العمل قد يستمر بشكل يومي، لأن النيل  فى هذه الايام يبدي شروده وعزوفه عن الضفاف، كأنه يضيق ذرعاً بساكنيه..! ومن أهم الصروح التى تم انجازها فى حلتنا وفى حلاَّل اخري كذلك، أن بعض المحسنين من بلاد الخليج اكتشفوا فجأة ذلك المكان القابع فى طي النسيان، فتبرعوا بتشييد بعض المساجد فى القرى.

فى باحة مسجد “عمر بن الخطاب ” يلتقى أهل القرية  فى اوقات الصلاة وفى المسائيات ، ويقيمون مناسباتهم فيه ، وقد أصبح المسجد قبلة لعابرى السبيل و لجماعة الهجرة و الخروج فى سبيل الله. فى باحة المسجد ترى أن عدد الشباب خفيف جداً مقارنة بذوي المشيب،، فالشباب أما فى الخليج أو غادروا الى المحس بحثاً عن ” الدهب” ، ومن تبقى منهم “قاعد مجبور”..!  وما أحلى الانس مع هؤلاء العواجيز ، الذين أرهقتهم الأيام صعوداً وهبوطاً..!  لديهم رصيد من السخرية يتدفق فى وجه الحكومة ، ويكاد يطرح ارضاً ، برنامجها ” البنيوي الحضاري”..!

القادم من بعيد، يُلاحظ أنهم يسمعون ــ فقط ــ ما يعجبهم من قول الذي يقول..! فى الباحة، كان من أفراد من جماعة الهجرة “يباصرون ” أهلي لإقناعهم بالهجرة..! وقفت أتَسَمَّع تعليقاتهم على الاُطروحة ، وأنا عليمٌ بردودهم الجاهزة القابعة في طرف اللسان، تلك الردود التى لا يبذلون في رميها كثير عناء..! قالوا ……… :ــ ” كلام الله سمح ، لكن الزول أكان ضهرو أعوج، لا بيقدر يدخُل، ولا يقدر يمرُق”..!

الارض عزيزة عند ضفة النيل، والمساحة المزروعة صغيرة وملكيتها تشققت بالتوريث ، فلم يعد الفرد هناك يمتلك غير كسور قليلة، لكن الهوس الذي ضرب الناس هناك لحيازة الأراضي فى الصحراء، حفزته فيهم “وحدة السدود”  عندما وضعت يدها على الأراضي الصحراوية  الصلعاء “فوق الظلط” ، فاستشرى هوس استصلاح الصحراء  بين الناس ــ شفقة ساكت ــ  دون  توفر مقومات الاستصلاح.. انهم يبحثون عن رخاءٍ مُتَوَهَّم ، لم يجدوه  فى جروفهم الضيِّقة على ضفاف النيل، ولديهم الآن قناعة راسخة بأن الأراضى فى  ذلك الخلاء – صحراء العتمور –  أفضل من السواقي النايحة طول الليل..! يقولون أن أياديهم مغلولة عن استثمار الصحراء بسبب إجراءات الحكومة ، التى لا تمنح التصديقات لزراعة أي ارض ” فوق الظلط “،بحجة أن تلك الأرض ليست لهم.

الغلاء فاحش ، و ما تشتريه بجنيه واحد فى الخرطوم ، ثمنه جنيهان فى الولاية الشمالية، التى يشكو أهلها من تفشي الداء القاتل ــ السرطان ــ..لا يوجد مسح أو دراسة علمية تتحدث عن الاسباب، أو عن معدلات الإصابة  بذلك الداء، الذي تسبب فى هلاك الكثيرين ، لكن خبر الموت به لم يعُد يستدعي دهشة المندهشين.