د. عمر القراي (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) .. صدق الله العظيم

حين قامت حكومة الأخوان المسلمين، بضرب طلاب المدارس بالرصاص، وقتلتهم بلا رحمة، وسفكت دماءهم الزكيّة في شوارع الخرطوم، في سبتمبر الماضي، حتى بلغ عدد الشهداء حوالي ثلاثمائة شهيد، إستنكر ذلك الفعل الجبان، كل صاحب ضمير حي، واحتج عليه كل مواطن كريم، حتى أن بعض الذين كانوا أعضاء في تنظيم الأخوان المسلمين، وفي حكومته، وشاركوها ما دون ذلك من جرائمها في حق الدين، وفي حق الشعب، لم يحتملوا تلك الجريمة البشعة، فخرجوا على تنظيمهم، وكونت مجموعة منهم حزب الإصلاح، وكونت مجموعة أخرى حركة التغيير، وأعلنت حركة ” سائحون” خرجوها السافر، ونقدها اللاذع للحكومة، وسخريتها من دعاوى التضليل باسم الدين.

وقبل ان يغتصب الأخوان المسلمون السلطة، كان لهم حضور مؤثر في الجامعات والمعاهد العليا، وكان الإتجاه الإسلامي، كثيراً ما يكسب الإنتخابات، ويشكل الإتحادات. ولكن بعد أن اصبحوا حكومة، وفقدوا بريق المعارضة، بدأت حركتهم تضعف. وكانوا في البداية يقيمون النقاش، ويتحدثون عن ما بنت حكومتهم من كباري، وسدود، كإنجازات، ولكن هذه الحجج، لم تقو أمام نقد التنظيمات الأخرى، التي تطرح ما حل بالبلد من غلاء، تحسه كل أسرة، وما حدث لقادة تنظيم الأخوان المسلمين، من ثراء فاحش وسريع. ثم بدأت حكومة الأخوان المسلمين، تصفي الجامعات من الأساتذة ذوي الكفاءة، وتضع في مواقعهم، من كانوا تلاميذهم من الأخوان المسلمين من باب “التمكين” !! وتميز الطلاب من الأخوان المسلمين الذين تخلفوا أكاديمياً، بحجة أنهم جاهدوا في الجنوب، فتنقلهم من مرحلة الى مرحلة دون إمتحان !! ثم ألغت الداخليات، ورفعت تكلفة التعليم الجامعي، وعزلت أبناء الفقراء، وأبناء الريف عن التعليم الجامعي، وقبلت كوادر الأخوان المسلمين، لتزيد من أعدادهم في الجامعات، وإن لم تؤهلهم درجاتهم للقبول !!

وهكذا وضعت السياسات، لإضعاف التعليم العالي، وتمكين الأخوان المسلمين من السيطرة على الجامعات.. ولكن كل هذه السياسات فشلت، وفقد الأخوان المسلمون الإتحادات، وتزامن ذلك مع تصعيدهم للحرب بواسطة الجنجويد في دارفور، وحرقهم القرى الآمنة، وتشريدهم للمواطنين البسطاء. فقام أبناء دارفور بتصعيد المعارضة في  الجامعات، دفاعاًً عن أهلهم، ثم تبعهم أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق .. في هذه الأثناء، تصاعد الصراع بين الأخوان المسلمين على غنائم السلطة التي نهبوها، فأنقسموا الى المؤتمر الوطني والشعبي، وكادوا لبعضهم البعض، وأنقسم طلابهم أيضاً.. وضعف صوتهم في الحوار، خاصة عندما صار ممثلي المؤتمر الوطني، يسبون المرشد نفسه !! وانحاز الطلاب من الشعبي الى المعارضة، ولم يعد طلاب المؤتمر الوطني قادرين، على وصف كل المعارضين للحكومة، بالكفر والشيوعية !!

وكلما زادت أخطاء حكومة الاخوان المسلمين السياسية، وزاد إشعالها للحروب، وتشريدها للمواطنين، كلما تكشف فساد قادتها، ونهبهم للمال العام، فظهرت تقارير المراجع العام، تؤكد الفساد. وكان في ذلك قاصمة ظهر للطلاب من المؤتمر الوطني، الذين اضطروا لأن يوقفوا نقاشاتهم في الجامعات، لعجزهم عن الدفاع عن تهم الفساد. وبدأ الطلاب الصادقون يخرجون من المؤتمر الوطني، حين تأكد لهم أن الحكومة في قمتها تحمي الفساد، خاصة، بعد أن اجتمعوا بالسيد رئيس الجمهورية، ووعدهم بمحاربة الفساد، ثم ما حدث هو زيادة إنتشار الفساد. وحين وضح لحزب المؤتمر الوطني، أن أمانة الطلاب بالحزب، عاجزة تماماً عن إيقاف معارضة الطلاب، وأن الجامعات بدأت تقود المظاهرات للشارع، أبعدوها تماماً، وحولوا أمر الجامعات لجهاز الأمن، وأعطوه أوامر بالتدخل في الجامعات، والبطش بأي مجموعة، تقوم بأي نقاش، مهما كان نوعه، ما دامت لا تنتمي للمؤتمر الوطني!! ثم الزعم بأن الذين قاموا بضرب هؤلاء الطلاب بالسيخ، والسواطير، والسكاكين، هم طلاب المؤتمر الوطني. ولم يتردد رجال الأمن، والمشاركين معهم من طلاب المؤتمر الوطني، بضرب كل الطلاب، بما فيهم من كانوا بالأمس إخوانهم في الدين والحزب !! ولا أعني طلاب المؤتمر الشعبي، بل الطلاب المنتمين لحركة الإصلاح، التي يقودها د. غازي صلاح الدين فقد جاء (بسم الله الرحمن الرحيم. بيان هام : ظللنا ننافح الاخرين من مبدأ السلم والحوار ولكن ايادي الخبث التي تحركها العقول الصغيره والمتحجره تعمل على وقف هذه الروح وهذا ماحدث من اعتداء طلاب المؤتمر الوطني وجهاز الامن على منبر حركه الإصلاح الآن بجامعة الخرطوم قبيل سويعات ، حيث استخدم طلاب المؤتمر الوطني وافراد الامن الملتوف والسيخ . لكن عزيمة وصمود طلاب حركه الإصلاح الآن ارجعتهم خائبين يجرجرون اذيال الهزيمه والخيبه عليه نؤكد ان هذا السلوك الصبياني لطلاب الحزب الحاكم ينافي تماماً دعوة الحوار والوفاق ويكرس لعدم الحريه وفقدان العدل لكن لن يضيع حق وراءه مطالب .

نؤكد صمودنا واستمرار منابرنا التي ستزيل الباطل ليحق الحق . طلاب حركة الإصلاح الآن)(حريات 24/2م2014م). ولقد أدت إعتداءات جهاز الأمن على الجامعات، الى مقتل عدد من الطلاب، إبتداء بطالب كلية التربية، ثم طالب الحصاحيصا، ثم طالب جامعة القرآن الكريم، ثم أخيراً طالب جامعة الخرطوم، الذي ثار الطلاب من أجله، وتبع ذلك إعتداء كبير على الطلاب، مارس فيه جهاز الأمن أبشع صور العنف، والبطش بالطلاب العزل، حتى استنكر ذلك أساتذة جامعة الخرطوم، وأصدروا بياناً يدين تلك البربرية، وقدم مدير الجامعة إستقالته، حتى لا يتحمل مسؤولية إزهاق أرواح الطلاب، وإن كانت الحكومة تحسبه من ضمن بطانتها، وإلا لما أولته هذا المنصب الهام بالنسبة لها. ولعل السبب وراء إرتفاع معدلات العنف الأخيرة خوف جهاز الأمن من انطلاق ثورة يقودها الطلاب بعد ظهور صور الفساد الأخيرة وقضية مكتب الوالي وقضية شركة الأقطان وما نشر في المواقع من أراضي كبار النافذين ثم القائمة الطويلة لأراضي السيد الرئيس وأسرته وأخوانه التي نشرت بمختلف المواقع وقد استنكر ذلك الأمر معظم المواطنين خاصة الذين يعرفون أن اسرة الرئيس كانت جميعها تقطن قبل إنقلاب ” الإنقاذ” في بيت متواضع بحي كوبر الشعبي!!

وكما نزعت حكومة الأخوان المسلمين، أمر الجامعات والمعاهد العليا، من أمانة الطلاب بالمؤتمر الوطني، وأوكلته لجهاز الأمن، نزعت السلطة العسكرية من الجيش السوداني، الذي عرف بالإنضباط، والمهنية، والشجاعة، منذ أن كان قوة دفاع السودان زمن الإستعمار، وحولت الجيش لتابع لقوات عشوائية، ومليشيات من الجنجويد الجدد، لا معرفة لها بالعسكرية، ولا بشرف المهنة، ولا رعاية لها للوطن، يقودها ” بلطجية”، لا يحسن قائدهم القراءة ولا الكتابة !! وبعد أن كان الجيش السوداني يعبر عن النشيد الوطني :

نحن جند الله جند الوطن

إن دعا داعي الحمى لم نخن

نتحدى الموت عند المحن

ونشتري المجد بأغلى ثمن

هذه الأرض لنا

فليعش سوداننا

علماً بين الأمم

أصبح هؤلاء ” الأوباش”، هم الذين يوجهون الجيش، ويأمرونه بإرتكاب جرائم، لا تليق برجل يحترم نفسه، ومن تلك الفظائع نقرأ (قام الطيران الحكومي بقصف عشوائي لمنطقة تقلي في جنوب كردفان أدى الى مقتل المواطنة أمل عبد الرحمن وتبلغ من العمر 14 سنة وهناء عمر الرشيد وتبلغ من العمر 16 سنة وعوضية حسين وتبلغ من العمر 12 سنة. ولقد ذاع ذلك الخبر يوم 10 يونيو 2014م ووضعت صورة ليشاهدها كل الناس في مواقع مختلفة على الرابط   http:www.3ayin.com/detail.php?id=43

كما أظهر نفس الرابط مصرع طفلين في النيل الأزرق بسبب قصف جوي حكومي بعد ان اخترقت قذيفة منزلهما خلال القصف الجوي الذي كثفته الحكومة في الأيام الماضية حين كانت تتحدث في الخرطوم عن الحوار الوطني)(موقع عاين 10/6/2014م). إن هؤلاء الأطفال، الذين قتلوا بلا جريرة، في جبال النوبة، والنيل الأزرق، لم يشاركوا حتى في مظاهرة، كما فعل إخوانهم، من قبل، في الخرطوم، وفي الجامعات المختلفة.. وكانوا يلوذون ببيوت من القش، على سفوح جبال، في مناطق بعيدة عن الحكومة، وعن سلطتها. ولكنها تبعتهم، وقتلتهم، وهم في بيوتهم!! هل تظن حكومة الأخوان المسلمين، أنها بهذه الفظائع، ستكسب الحرب، وتفرض أجندتها على الحركة الثورية، والحركة الشعبية-شمال ؟! لقد قامت الحكومة من قبل بالحرب مع الجنوب، واستعملت الطيران ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان، قبل أن تحطم الجيش، وتوكل أمره للجنجويد، ومع ذلك، وبعد كل الخسائر، إضطرت للجلوس الى طاولة المفاوضات، وقبلت بإتفاقية السلام، بما فيها حق تقرير المصير، ورضيت نتيجة سياساتها  الخاطئة، بفقدان الجنوب.   

إن ما تقوم به حكومة الأخوان المسلمين، من قصف للمدنيين في جبال النوبة، وفي النيل الأزرق، تعويضاً عن هزائمها العسكرية، أمام المعارضة المسلحة، في الميدان الحقيقي، تعد من أبشع جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية. وإن واجب الأحزاب السياسية، وواجب المثقفين، أن يقلعوا عن مهزلة محاورة هذا النظام، وأن يصروا على نشر جرائمه، وتقتيله للأطفال، وأن يحثوا الضمير الإنساني العالمي، للتدخل لحماية المواطنين السودانيين المدنيين، الذين يقذوا بالطائرات دون أن يشاركوا في الحرب. إن هذه جرائم ضد الإنسانية، ويجب أن تعلم بها الإنسانية، وتتدخل لإيقافها بقوة القانون الدولي. أما الأخوان المسلمون، فإنهم جماعة إرهابية، خائنة، نهبت أموال الشعب، ومزقت وطنه، وهاهي تقتل أطفاله بلا رحمة، فإذا عجز السودانيون عن مقاومتها وإزالتها بالقوة، فلا أقل من مقاطعة الأخوان المسلمين إجتماعياً، وعدم التعامل معهم، وعزلهم عن هذا الشعب الكريم.

د.عمر القراي