رشا عوض مدخل: هذه الورقة سوف تتناول أثر تجربة الإنقاذ على قضية المرأة من زاويتين:

الزاوية الأولى: أثر التجربة على الوعي الاجتماعي والتعاطي الفكري والثقافي مع القضية والموقف من المفاهيم التقليدية السائدة بشأنها في المجتمع سلبا أو ايجابا  فتجربة الانقاذ ليست مجرد تجربة سياسية في حكم البلاد، بل هى مشروع آيدولوجي ذو أهداف معلنة في إعادة صياغة الإنسان والمجتمع وفق نمط حضاري بديل لما هو قائم باعتبار أن النمط البديل يمثل قيم ومقاصد وفلسفة الإسلام بينما النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم منبت عن الإسلام مستلب لمفاهيم الحضارة الغربية المجافية له، وفي هذه الزاوية ستقوم الورقة باستعراض الموقف الفكري للحركة الإسلامية في السودان من قضية المرأة ثم تلقي الضوء على مدى التزام الخطاب الإعلامي والسياسي بالطرح الفكري.

الزاوية الثانية: تقييم وضعية المرأة في عهد الانقاذ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بالمعايير السائدة عالميا وعلى رأسها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بحكم أن الانقاذ تتبنى ما أسمته بالمشروع الحضاري البديل وبالتالي فإن تقييم تجربتها لابد أن يتضمن المقارنة بين مشروعها والمشروع الذي طرحت نفسها بديلا له، أي مشروع الحضارة الغربية. وفي هذه الزاوية سوف تركز الورقة بالتفصيل على الخطاب الإعلامي وعلى قانون الأحوال الشخصية باعتباره المرآة التي تعكس طبيعة النظرة للمرأة في المجتمع.

 وبعد دراسة أثر تجربة الإنقاذ على قضية المرأة من هاتين الزاويتين سوف تفرد الورقة محورا لتقديم رؤية نقدية لدور الحركة الإسلامية في قضية المرأة.

مقدمة:

مازال الجدل في المجتمعات المسلمة محتدما حول دور الإسلام في الحياة العامة، والمكانة التى ينبغي أن يحتلها في أي مشروع نهضوي يستهدف تحديث هذه المجتمعات تمهيدا لإعادتها إلى مسرح المبادرة والفعل والتفاعل  الحضاري، ذلك المسرح الذي غادرته منذ قرون طويلة وتمثل العودة إليه أشواق وتطلعات قطاعات معتبرة من هذه المجتمعات، تمثلها نخب فكرية وسياسية واجتماعية، وبالتالي فإن هناك جملة من الأسباب الموضوعية التي تحتم تضمين مخاطبة البعد الإسلامي في أي مشروع نهضوي جاد في أي مجتمع مسلم أو أكثريته من المسلمين وأهم هذه الأسباب:

برز الآن في مختلف المجتمعات وعلى اختلاف انتماءاتها الدينية اتجاه نحو التدين والتماس الطمأنينة في الروحانيات وتصاعد الاهتمام بالدراسات الدينية مما يؤكد أهمية الدين في حياة المجتمعات بحكم أنه أحد الاحتياجات الإنسانية الأساسية وبالتالي لا بد من استيعاب العامل الديني في أية حركة فكرية أوسياسية جادة في مخاطبة مشاكل المجتمع.

الإسلام له الأثر الأكبر والأعمق في تشكيل الوجدان والوعي الاجتماعي للمجتمعات المسلمة.

الإسلام له تأثير مباشر ودور محوري في تشكيل التوجهات الفكرية والسياسية والاجتماعية للمجتمعات المسلمة.

حركات رفض التحديث في المجتمعات المسلمة في الغالب تنطلق من مبررات إسلامية.

الإسلام أهم منبع من منابع الذاتية للمجتمعات المسلمة فلا يمكن إغفاله أو تجاوزه في أي تناول جاد ومسئول لقضية نهضة تلك المجتمعات.

 إن عالم اليوم بالرغم من الفتوحات العلمية المذهلة والإنجازات العظيمة في التكنولوجيا والاقتصاد والتنظيم السياسي والإداري والاتصالات يعاني من اختلال بين في ميزان العدالة الاجتماعية فبرغم التطورات المذهلة التي مكنت الإنسان من تسخير الطبيعة وما نتج عن ذلك من وفرة إنتاجية غير مسبوقة يعاني مئات الملايين من البشر من الفقر المدقع والمجاعات ومستويات معيشة متدنية لا تليق بكرامة الإنسان، والسياسيات الاقتصادية التي تباركها الدول الكبرى تدفع بهؤلاء نحو مزيد من البؤس والشقاء لأنها سياسات منحازة لمصلحة الأقلية المترفة المهيمنة على العالم بحكم نفوذها الاستراتيجي، كما يعاني العالم من الفساد والاستبداد السياسي وتفشي الجريمة والمخدرات والانحلال الخلقي والتفكك الأسري. كل هذه القضايا يجب أن تواجه بمعالجات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة تستند إلى التفكير العلمي، ولكن في تقديري هذه المعالجات لن تجد ما لم تكن مصحوبة بيقظة روحية وخلقية تجعل الضمير الإنساني منحازا للخير والفضيلة والاستقامة والعدل ورحمة الفقراء والضعفاء وتحرير المستضعفين من الاستغلال والظلم، وهذا يحتم على الضمير الإنساني التخلص من الميكافلية في السياسة والنفعية في الأخلاق والربحية المتوحشة في الاقتصاد وإفساح المجال لقيم جديدة تشمل التضحية والإيثار والقناعة والتعاون، والإسلام في اعتقادي هو الأقدر على تعميق وتجذير هذه القيم في النفوس، وبالتالي فإن النهوض الحضاري المرتبط بالإسلام يمكن أن يقدم نموذجا للمدنية المفعمة بالروحانيات والمتعلقة بالمثل العليا المترفعة على غلواء الطمع والجشع المادي والقادرة على تهذيب الغرائز والشهوات، وهذا حلم انساني نبيل عابر للثقافات والاديان والحضارات عبر العالم، ومن حق المسلمين ان يساهموا في هذا الحلم  مستلهمين لدينهم، وان يحلموا بان يكون لهم مشروعهم الخاص للنهضة وان يطرحوه كمشروع  يمتلك إضافات نوعية للحضارة الإنسانية عبر الوصال الإيجابي معها والموقف الموضوعي منها، وليس مشروعا لمجرد الانقياد  أو الانخراط فيها دونما وعي بالذاتية والخصوصية والتميز.

وبما أن قضية المرأة من أهم قضايا التحديث الإجتماعي وتمثل تحديا كبيرا أمام مختلف الثقافات وأنماط الفكر الديني والإنساني فلابد أن يفرد لها المشروع الإسلامي مساحة كبيرة من البحث والتداول الحر الذي يأخذ في اعتباره المكتسبات التي نالتها المرأة في العصر الحديث كما يأخذ في اعتباره الحقائق الموضوعية عن أوضاع النساء في المجتمعات المسلمة ويقارن هذه الأوضاع بالمثال الديني ثم بالمثال العصري مستهدفا بذلك تحديد الفجوة بين الواقع والمثال المنشود، ومن ثم تحديد المنهج الفكري الإسلامي لتحرير المرأة في سياق رؤية حضارية شاملة مستمدة من قيم ومقاصد الإسلام، رؤية تثري مشروع التحرر النسوي العالمي بمعاني جديدة وتضيف إليه أبعادا جديدة كما تكتسب منه معاني جديدة وتستفيد من تجاربه وأفكاره في وصال حضاري يوفق بين خصوصية الذات وتفردها وبين الانفتاح الواعي على التجربة الإنسانية.

   المرأة في الخطاب الفكري للحركة الإسلامية:

برز اهتمام الحركة الإسلامية الحديثة في السودان بقضية المرأة في سياق منافستها للتيار اليساري الذي ابتدر تسييس قضية المرأة وفرضها على الساحة السياسية والفكرية في إطار مشروع التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة حيث كانت الحركة السودانية للتحرر الوطني والتي تطورت فيما بعد إلى الحزب الشيوعي السوداني أول تنظيم سياسي يفتح باب عضويته للنساء ويحرص على جذبهن للعمل العام، وبما أن كلا من الحركة الإسلامية والحركة اليسارية يتنافسان على جماهير القطاع الحديث كان لابد أن تلتفت الحركة الإسلامية إلى قضية المرأة ومشاركتها في العمل العام، إن لم يكن من باب القناعة الفكرية الذاتية فمن باب الحرص على المصلحة السياسية وهذا ما حدث بالفعل كما شهد بذلك الدكتور الترابي حيث قال:

” تطورت للحركة الإسلامية بالسودان ثلاثة مواقف متتالية في شأن المرأة. فالموقف الأول كان يصدر عن مسايرة للمعهود التقليدي في رؤية مكانة المرأة في الدين عامة ودورها في إحيائه خاصة. فعندما بدأت الحركة لم تكن تتجاوز ذلك العرف في نظرتها للنساء فكانت بوعي أو بلا وعي تعتبر أن الدين خطاب للرجال في المقام الأول وأن شأن الدعوة والجهاد في سبيله مسئولية قاصرة عليهم، ولا ينبغي ولن يجدي أن تقحم النساء في شيء من ذلك. كذلك كانت تقدر أن إصلاح المجتمع بأي وجه إنما هو شأن الذكور. إذا صلح الرجال صلح المجتمع وإذا فسدوا فسد، والمرأة تبع في ذلك ليس لها  من مكان أو دور أصيل إلا البيت، وكانت الجماعة غالبها من شباب، وكان من أشد الحرج في عرف المجتمع اتصال الشباب من الذكور والإناث الأجانب. فالحركة مثل مجتمعها كانت غافلة عن أي مغزى لتدين النساء زاهدة في دور إصلاحي يقمن به حذرة من أي صلة بهن. لكن الحركة برغم انفعالها بتلك المعاني التقليدية لم تفقد كل الحرص على بسط بعض دعوتها في أوساط النساء أيضا- مراعاة لما تعلم بفطرتها من أصل الشمول في خطاب الدين ومنافسة لحركات أخرى كانت تفتن الإناث بدعوات احترام المرأة وتحريرها، أما الموقف الثاني للحركة من المرأة فموقف مراجعة بدأ مع عهد الحرية من أكتوبر 1964م ولعل دواعي المراجعة كانت في استفزاز التحدي الخارجي بأكثر منها في التذكر والتفقه الذاتي ذلك أن الحركة النسوية في أوساط الطلاب وقعت في حكر الشيوعية إلا قليلا، وكان يعز على الإسلاميين أن يتركوا البنات كذلك تأثما من الاتصال بهن ويقلقهم أن يقارنوا كسبهم الانتخابي  ويجدوا ما يأخرهم هو صوت النساء”. [1]

أما الموقف الثالث للحركة الإسلامية من قضية المرأة فهو الاتجاه إلى التأصيل الديني لحقوق المرأة وتجاوز الفقه التقليدي بموقف أصولي ناقد ينطلق من أن الدعوة الإسلامية جاءت خطابا إنسانيا عادلا وتكليفا متساويا وبشارة شاملة للرجال والنساء، والنتائج العملية لهذا النهج الجديد تمثلت في الآتي:

اتجاه الحركة الإسلامية للإصلاح التنظيمي والمؤسسي في الحركة بما يتناسب مع النهج الجديد ونتج عن ذلك كفالة حقوق العضوية الكاملة للنساء في التنظيم، وكان النظام القديم قائما على الفصل والموازاة.

الاهتمام بتأصيل حقوق المرأة في الإسلام والتنظير لترقية أوضاعها وقد تراكمت في ذلك كثير من الأدبيات أهمها بقلم الدكتور حسن عبد الله الترابي وفيما يلى تلخيص لأهم مقولاته:-

المرأة في أصول الإسلام(المرأة في أصول الدين كائن إنساني قائم بذاته، فهي موضع للتكليف موجه إليها الخطاب الديني مباشرة لا يتوسط إليها بولي من الرجال، وتجب عليها المسئولية متى استوت عندها أهلية الرشد وبلغتها كلمة التذكير، ولا تصدق من المرأة استجابة لدعوة الله وعقد العقيدة الإيمانية إلا إذا كان أصيله مستقلة فالدخول في دين الله عمل عيني لا تصح فيه الوكالة ولا يؤخذ بالإضافة إلى أب أو زوج أو قريب، هكذا كانت بيعة الإسلام بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم تأخذها المرأة لنفسها كما يأخذها الرجل. قال تعالى: “يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه من بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم”)

النساء شقائق الرجال في الشريعة، فلا تتميز النساء بشريعة خاصة إلا أحكاما فرعية محدودة ميزت بين الرجل والمرأة ليتمكن كل منهما من التعبير الأصيل عن تدينه انطلاقا من طبيعته البشرية لكن الأصل هو اتحاد الشريعة وعموم الخطاب ولا يثبت تمييز أو تخصيص إلا بدليل، وعلى المرأة في الإسلام نصيبها من التكليف الكفائي الذي يحرس الكيان العام للدين ولها أن تتصدى للوفاء بواجباته وعليها الوزر إن عطله سائر المسلمين، وقد خفف الله عنها أمر الوجوب الأولى في بعض الشئون العامة كالنفقة على الأسرة وإقامة صلاة الجماعة والنفير إلى القتال فما عليها أن تفعل من ذلك شيئا إذا كفاها الرجل ولكن لها ان تشارك في كل ذلك ولو توافر الرجال وعليها ذلك وجوبا إذا لم يف الرجال، وليس لأحد أن يسد في وجهها أبواب العمل الصالح في الحياة العامة، وفي سيرة النساء في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم شواهد على ذلك، حيث خرجت النساء للجهاد وشهدن المغازي وشهدن صلاة الجماعة، وللمرأة حرية التعبير عن رأيها كما أن لها أهلية الامتلاك والتصرف كما هو معروف  وللمرأة أن تشارك في تنصيب القائمين بأمر المجتمع انتخابا ونصحا كما ورد  في قصة الشورى بعد عمر وإشراك النساء فيها، ولها أن تشهد مجتمعات المسلمين العامة ومهرجاناتها، (ولا اختصاص للرجال بشيء من دون المرأة سوى أمور تجب عليهم وتجوز لها جوازا في تكاليف الحياة العامة، ولا سلطان للرجال على النساء إلى في إطار الزوجية وهي علاقة تنشأ وتنحل برضا المرأة وتقوم في الأصل على الشورى والإحسان وليس للرجل فيها إلا قوامة الإنفاق والأمر والتأديب بالمعروف) ولا عزل بين الرجال والنساء في مجال جامع، فالصلاة مشتركة والحج مشترك ومجالس العمل مشتركة (أما الحجاب المشهور فهو من الأوضاع التي اشتهرت بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم) [2]

 ولاية المرأة: (الذكورة ليست شرطا شرعيا في ولاية الإمارة العامة وإنما هي عامل تقدير لشورى العامة قد يرجح الذكور في غالب جولات تعاقب الولاية إذا تساوت موازين أهلياتهم الأخرى مع النساء لأنهم أفرغ للهم العام وأوقع حزما بين الناس. لكن ربما تنصلح وتنعدل ثقافة المجتمع ويأتي حين يقدم الجمهور إمرة للولاية، لأنها تتزكى بعلم أبلغ وأمانة اتقى في السياسة والحكم بين الذكور المعروضين معها، أو لأنها تتزكى خاصة مندوبة أنسب للظروف وأدعى لمعادلة السياسات وموازناتها رحمة ورأفة بالرعية  وبما فضل الله به النساء على الرجال، كما فضلهم ليتناسبوا ظروفا أخرى) [3]

المرأة في مجتمعات المسلمين: أدى ضعف الالتزام الديني إلى الاعتداء على المرأة لأنها مخلوقة على شئ من الضعف والرقة والرحمة وقد انتشر  الإسلام في بلاد استبدت فيها أهواء الذكور كالمجتمع العربي والفارسي والهندي وفي أول عهد الإسلام لم تكن حركة التوعية بتعاليم الإسلام والتربية بحدوده وتقواه مواكبه لحركات التوسع التبشيري فبقيت الأوضاع الجاهلية عبر سيادة المظاهر الإسلامية، فقبل المجتمع الجديد الإسلام من حيث المبدأ معيارا لتوجيه حياته ولكنه أخذ ينسب كثيرا من الأوهام والتقاليد القديمة إلى الدين ليضفي عليها حجة شرعية وليستبقى نفوذها على نفوس الناس وقد أخذت كثير من الحيل الفقهية لتكيف الشريعة بما يناسب الأعراف القديمة، من ذلك ادعاء نسخ النصوص التي توسع على المرأة وإطلاق النصوص المقيدة، ومن أوسع تلك الحجج الفقهية للتضييق على النساء باب سد الذرائع بفرض قيود مفرطة بحجة خشية الفتنة، (ولعل أقسى ما جرى على المرأة هو عزلها من المجتمع، فجعل ظهورها كله كشف عورة حتى الصوت وسمي وجودها حيث يوجد الرجال اختلاطا حراما وأمسكت في البيت بذات الوجه الذي لم يشرعه الدين إلا عقابا لإتيان الفاحشة، بدعوى تجريدها لخدمة الزوج وتربية الأولاد، سوى أنها لم تتهيأ لرعاية البيت بعلم ولا تجربة وكيف يصلح مربيا مؤدبا من عزل عن المجتمع ما دامت التربية الأسرية ليست إلا إعدادا للحياة الاجتماعية بمادة خلقية تربوية تؤخذ كفاحا من قيم المجتمع وعلاقاته) [4].

نهضة المرأة في الفكر الغربي: (الفكر الحضاري الغربي فكر مرتد على أوضاع دينية مريضة شبيهة بأوضاعنا الدينية التقليدية،، فكانت المرأة في أوربا الماضية منقوصة الإنسانية والدين مهدرة الحقوق والواجبات عديمة الأهلية والاعتبار. كانت ردة المجتمع الجديد عن أوضاعه الدينية الوضعية شاملة فقد تحرر في شئون السياسة والاقتصاد والعلم والفن من المعاني التوحيدية المطلقة التي كان يبسطها السلطان الكنسي وصار اشتراكيا علمانيا ماديا عفويا لا يعرف للحياة وجهة واحدة ولا معبودا إلا القوى السياسية والعلمية والمتاع والمعاش والفن وعلى ذلك النحو تحرر من عبادة الله بالصورة التقليدية في أوضاع المرأة حتى وقع في عبادة الشهوة الجنسية بصورة إباحية حديثة وحتى تطور الأمر بالمرأة إلى أن تفقد إنسانيتها من جديد وتغدو موضوعا للمتعة بغير مسئولية وللاستغلال الدعائي التجاري، واصبح أكبر همها تحقيق أنوثتها لا إنسانيتها وتزييف جسدها بالموصلات والملصقات وبالجراحة والتلوين وتهدر قيمتها وطاقتها ووقتها ومالها في اكتساب دواعي الفتنة وإذا تزينت أو خرجت عملت لإثارة الرجال بالعورة المكشوفة والمظهر الجذاب والتطرية والتطيب والتظرف والتكسر لينظر إليها الرجال استرسالا ليفوزوا بها حراما فتفشوا الفاحشة وتختل خصوصيات العلاقات الزوجية وينفرط عقد الأسرة النظامية) [5]

المرأة في المجتمع الإسلامي المعاصر: المجتمع الإسلامي لظروف اقتصادية ضاغطة وبحكم الانتقال من الريف إلى المدينة وجد نفسه مضطرا للسماح للنساء بالتعليم ثم العمل لكسب القوت، فكان التحرر رد فعل مطلق وافتتان بالنماذج الأجنبية، (إن الثورة على الأوضاع النسوية التقليدية آتية لا محالة، ولئن كان للإسلاميين داع من دينهم لإصلاح القديم ولطي البعد القائم بين مقتضى الدين الأمثل في شأن المرأة وواقع المسلمين الحاضر فإن اتجاهات التحول  الحضاري تدعو بوجه ملح إلى المبادرة والتعجل في الإصلاح الإسلامي قبل أن ينقلب الأمر وتتفاقم الاتجاهات الجاهلية الحديثة وليحذر الإسلاميون من أن يوقعهم الفزع من الغزو الحضاري الغربي والتفسح الجنسي المقتحم  في خطأ المحاولة لحفظ القديم وترميمه بحسبانه أخف شرا وضررا، لان المحافظة كما قدمنا جهد يائس لا يجدي والأوفق بالإسلاميين أن يقودوا هم النهضة بالمرأة من وحل الأوضاع التقليدية لئلا يتركوا المجتمع مهيأ لكل داعية غربي النزعة يضل به عن سواء السبيل مستظهرا بتبرم النساء من جنوح أوضاع المرأة وباتجاهات الحياة الحديثة فضلا عن أن الدين يقتضيهم ابتداء أن يكونوا أئمة هدى ينقذون الناس من كل ضلال قديم لقوا عليه آباءهم الأولين ويعدلون بهم عن كل بدعة محدثة) [6]


[1]حسن الترابي، الحركة الاسلامية في السودان، التاريخ، الكسب والمنهج

[2] المرأة بين الأصول والتقاليد، د. الترابي، عالم العلانية الخرطوم عام 2000م ص 6، 7، 9، 11، 14

[3] السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع د. الترابي، دار السافي ببيروت 2003م ص 287، 288.

[4]  د. حسن الترابي، المرأة بين الأصول والتقاليد عالم العلانية الخرطوم 2000م ص 19،20 ،21، 22

[5]  نفسه ص 22، 23

[6]  نفسه 23، 24