خالد فضل   كنت في القاهرة في رحلة علاجية في يونيو من العام 2012م , وهذه سانحة أخرى لأذكر فيها بالامتنان كله تلك الثلة النبيلة من المواطنين والمواطنات السودانيين

وغير السودانيين الذين تكفلوا بكامل نفقات تلك الرحلة بمبادرة كريمة من الزميلة الأخت الصديقة صباح محمد آدم رئيسة تحرير صحيفة سيتيزن التي تصدر باللغة الانجليزية في الخرطوم , وأخص بالاسم المغفور له الصديق أحمد عبدالمكرم وأرملته السيدة ريان (الهولندية التي تسودنت) , فدين أولئك الأفاضل والفضليات لن أقضيه ما حييت ونسأل الله أن يبارك لهم فيما يكسبون وليرحم اخانا أحمدا . خلال تلك الفترة جرت الانتخابات الرئاسية المصرية التي توجت الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر . وغض الطرف عن موقفي الفكري والسياسي المعارض لحركات استغلال الدين في السياسة , الا أن ايماني بالديمقراطية كأفضل خيار سياسي موجود الآن على الساحة الانسانية جعلني أشعر بكثير من الاعجاب لكون الشعب المصري يمارس حقه الطبيعي في الاختيار لمن وما يحكمه وفق شروط الممارسة الديمقراطية ومطلوباتها , وهي الأشراط التي فشل تنظيم السيد مرسي في الوفاء بها لاحقا عندما ابتدر تنفيذ برنامجه التمكيني الآيدولوجي المنافي للديمقراطية وجوهرها فكانت انتفاضة قوى هائلة من الشعب المصري لتصحيح المسار الديمقراطي الذي بدأ الرئيس مرسي وحزبه حزب الأخوان المسلمين في الانحراف عن جادته , يومها كتبت على ما أذكر أن ما حدث في مصر يقع بين الانقلاب والانتفاضة أو هجينا بينهما .

  كان الصديق فائز السليك ومجموعة من الزملاء السودانيين تصادف وجودنا في تلك الأيام بالقاهرة تدور بيننا الأحاديث حول المستقبل السياسي لمصر في حالة فوز الأخوان , وأذكر أن معظمنا كان يقف في نقطة التزامه بالديمقراطية وما تقرره والتخوف من أن جماعة الأخوان المسلمين ليست مبدئية في مسألة الديمقراطية فهي أحد الوسائل التي يستغلونها لتحقيق مشروعهم التمكيني الخاص بهم كتنظيم وأفراد دون مراعاة لمصالح البلاد أو تطلعات الشعوب , وأذكر أن فائزا عندما زارني مودعا قال لي : يبدو لي أن اقامتي في مصر ستقصر في حالة فاز مرسي  , ولكن لابد من دفع ثمن الوفاء لمبدأ الديمقراطية! كما أن الشعب المصري محتاج لتجربته الخاصة مع حكم الأخوان حتى يقنع من خيرا فيهم كما انقطع العشم فيهم عندنا في السودان . الآن ربما كان الصديق فائز في صف السعداء لإنجلاء غمة الاسلاميين عن سماء مصر , فقد صدقت قراءته للأحداث وأدرك الشعب المصري أن مسيرته الحضارية المتصلة ستنهار تماما إذا استسلم لحكم جماعات الاسلام السياسي التي تزعم ضمن مزاعمها أن التاريخ يبدأ بها والمستقبل رهين بما تقرره أما الحاضر فيجب أن تتسيده بأي وسيلة فالغاية عندهم تبرر الوسائل ولو كانت تلك الوسائل مما حذر منه الله والنبي محمدا كالكذب , ففي دينهم الكذب والخداع مباحان طالما كان الزعم بأنهما في سبيل الله , وقد اعترف زعيم الجماعة السودانية للاسلاميين د. الترابي بأنه أمر البشير بالذهاب للقصر رئيسا بينما يمضي هو للسجن حبيسا على سبيل الخداع لأمة المسلمين في السودان فتأمل !!

   قلت إن تجربة الممارسة الديمقراطية المثيرة مما يولد الاعجاب , خاصة وقد طال بنا العهد لمثل تلك الممارسات الديمقراطية كحرية التعبير والصحافة والتظاهر والتنظيم والحشد والتعبئة والحملات الانتخابية الساخنة ولياليها ونهاراتها المفعمة بالحيوية , لهذا كنت مسرورا غض الطرف عما ستسفر عنه النتيجة .فعبر الحريات العامة المتاحة يتعلم الناس والشعوب كالطفل يخطئ ويصيب ولكنه ينمو ويتعلم ويرشد فاذا كانت الاسرة تصبر على أخطاء أطفالها ولا تقتلهم بسببها ولا تقيدهم ريثما يكبرون ويتعلمون فإن تجربة الشعوب مع الديمقراطية كذلك فما لم يتم الصبر عليها فإن بديلها هو الاستبداد والقهر . ولا تطور أو رقي لشعب مع القهر والاستبداد , ذلك أن حاجات البشر ليست مادية فحسب , والا لما أحتاج الشعب الليبي مثلا للثورة على نظام المرحوم القذافي , فقد توفرت في عهده كل مقومات الحياة المادية الرغدة وعاش الشعب والوافدون الي الجماهيرية في نعيم الحياة من مأكل ومشرب ومسكن وتعليم مجاني وعلاج وصحة ومع ذلك ثارت بنغازي وبرقة وطرابلس وملأت الجماهير الشوارع الفسيحة واستظلت بالمباني الشاهقة , مما يؤكد أن القصة ما قصة رغيف ! وليس الانجاز شارعين وسد على ما جاء في حداء الجميل الراحل محجوب شريف . القصة قصة بشر يتوقون للسمو وكمال حقوقهم المعنوية صنو المادية , فانظر كيف انتهى الأمر بالكتلة الاشتراكية العالمية رغم انجازاتها المادية المبهرة , وفي تاريخ السودان ثار الناس في اكتوبر طلبا للحرية وليس الرغيف وفي أبريل كان نداء الحرية أعلى صوتا , وهو ذات المشروع الثوري الذي نحتاجه الآن بشدة لقطع الطريق على مضمضمة الشفاه المستبدة عن الانجازات الوهمية التي غلفها الفساد من مآذن المساجد الى السدود .

  لماذا إذا لم أشعر بتمام الفرحة للانتخابات المصرية الأخيرة ؟ بصراحة لأنها عملية شابهت في كثير من تفاصيلها استفتاءات الأنظمة الشمولية وانتخاباتها حيث النتيجة المعروفة سلفا , كما جاءت نسبة المشاركة الضعيفة في التصويت كدليل على أن الناس لم يعودوا بذات الحماس الطاغي عشية الانتخابات الأولى , كما أن المنافسة تكاد تكون منعدمة بين المرشحين ودولاب الدولة واجهزتها منحازة بصورة جلية للسيد السيسي , أضف لذلك أن شخصية السيسي العسكرية تقدم ايحاء بأن العسكريين وليس المدنيين هم الأقدر على القيادة وهذه مسألة لا تصب في صالح ترسيخ الديمقراطية كثقافة , فالصحيح في تقديري أن تضبط المؤسسة العسكرية بالمنهج الديمقراطي وينصرف العسكريون لأداء دورهم المقدر والمهم جدا في بناء الأوطان وتأمينها وليس بالضرورة حكمها . وتأتي مسألة حظر تنظيم الأخوان وتصنيفهم كجماعة ارهابية في سياق غير ديمقراطي كذلك فمهما بلغت درجة الاختلاف مع هذه الجماعة الا أن جوهر الديمقراطية يكمن في كفالة حق الآخر في أن يكون آخرا , وعلى كل فالوفاء للقيم الديمقراطية لا يتسق اطلاقا مع تشجيع حظر أي جماعة , فليس من المنطق مثلا اعتبار كل أخ مسلم ارهابي أو فاسد (كما عندنا هنا في السودان) اطلاق الاحكام التعميمية ذات الطبيعة الاطلاقية من سمات الفكر الاستبدادي وليست من جوهر الديمقراطية على كل حال ومثلنا الدارج يقول كل شاة معلقة من عصبتها وفي القرآن الكريم (لا تزر وازرة وزر أخرى ), وأكثر تآذي الناس من المستبدين يأتي من تعميماتهم وسرقتهم للسان الناس وتجيير المواقف كلها لصالحهم , فعندنا مثلا ( 40 مليون فداء البشير ) في ورطته الجنائية أمام قضاة المحكمة الدولية وهذا مستحيل فمن ضمن ال40 مليون هولاء ذوو الضحايا وأطفالهم وأزواجهم فهل يفدي  ذوو الضحايا المتهم بقتل ذويهم ؟

 عموما لا يحق لنا التدخل في شأن يخص الشعب المصري أو أي شعب آخر ولكن وجودنا في محيط سياسي واجتماعي وثقافي متشابه يجعل المشترك بيننا كبيرا كذلك , ولننتظر لنرى وعسى أن تكتمل فرحتنا يوما في سودان يسع الجميع بمن فيهم من ضيقوه الآن حتى يعلموا ويتعلموا أن ما يطرحه غيرهم أفضل مما إقترفت أياديهم في حق وطن وشعب وصفه شاديه الراحل محجوب شريف ( انت الأول وكل العالم بعدك تاني ).