محمّد جلال أحمد هاشم* الاعتراف بانتهاكات الإنقاذ الصارخة لحقوق الإنسان يتكلّم التّرابي في كتابه بطريقته الملتوية عن الجرائم المنتهكة لحقوق الإنسان التي اتركبتها الإنقاذ عبر منسوبي حركة الإخوان المسلمين ضدّ باقي القوى السّياسيّة،

إلاّ أنّ التّرابي مع هذا عجز عن أن يرى بموضوعيّة أنّ تلك القوى لم تفعل شيئاً لحركته أو لأبنائها غير مناوءتهم فكريّاً وسياسيّاً. هذا لأنّ مصدر الغبن الحقيقي إنّما يعود إلى انصراف الشّعب عن حركته. ويكشف عن خطل الفهم الإسلامي وضحالته عندما يعترف بأنّ حركته قد اختلط عليها أمر الجهاد بأمر تصفية الضّغائن والغبائن (ص 16): «فما عجب لما استوى لهم الأمر منقلباً وتمكنوا من القوة بثورة الإنقاذ أن يأخذوها حاملين رواسب الثارات المستفزة فيقابلوا الآخرين جميعاً بروح المقاصة والمجازاة بالمثل، لا سيما أن الدفاع عن الأرض والولاية التي استخلفوا عليها دعتهم إلى الجهاد والاستشهاد …». فالإخوان المسلمين جاؤوا للحكم مشحونين بغبائن وأحقاد لا مبرّر لها غير طبيعتهم الطّهرانيّة التي تجعلهم يكرهون المجتمع الذي صدروا منه لعلل نفسيّة اجتماعيّة لا علاقة للدّين بها، لكنّهم يُسقطونها على الدّين.

في تبريره لتدبيره انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو من عام 1989م، يقدّم حسن التّرابي عذراً يمكن وصفه بأنّه أقبح من الذّنب. فهو يقول (ص 10) إنّه قام بتدبير الانقلاب كردّة فعل إزاء التجنّي على منسوبي الحركة من قبل سائر الأنظمة السّياسيّة السّابقة: «ورأينا أن قد حقّ لنا أن نتقي تلك القوة ونردّها بالقوة نثور على السلطان الجاثم علينا انقلاباً ونقاتلهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين حراً لله.» ترى ما هي تلك القوّة التي جوبه بها الإخوان المسلمين دونما عداهم من قوى سياسيّة أخرى؟ هل يقصد بذلك مجابهة نظام مايو (1969م ــــ 1985م) للإخوان؟ إذا فاترضنا هذا، فماذا يمكن أن نقول عن حقّ حزب الأمّة الذي قصفه نظام مايو بالطّائرات عام 1970م وقتل إمام الأنصار؟ ثمّ ماذا يمكن أن نقول عمّا فعله نظام مايو بالحزب الشّيوعي السّوداني وسحله لجميع قادته إمّا في الدّروة أو على منصّة المشنقة؟ ثمّ ماذا يمكن أن عمّا فعله نظام مايو بالاتّحاديّين الذين مات زعيمهم حسين الهندي بالمنفى؟ فإذا قمنا بجرد حساب لما فعله نظام مايو بجميع القوى السّياسيّة مقارنةً بما فعله بالإخوان المسلمين سوف نجد أنّهم كانوا ذوي الحظّ الأوفر من حيث حسن المعاملة. وطبعاً لا يمكن أن نذهب لنظام عبّود العسكري (1958م ــــ 1964م)، إذ قبلها لم يكن تنظيم الإخوان المسلمين قد برز بوصفه لاعباً أساسيّاً في السّاحة السّياسيّة.

ولكن لماذا نذهب إلى ذلك الماضي البعيد بينما قام التّرابي بتدبير انقلابه على نظام ديموقراطي كان فيه حزبه يمثّل ثالث الأحزاب الجماهيريّة وكان على رأس المعارضة؟ ماذا فعلت الدّيموقراطيّة لحزب التّرابي حتّى يقول عنها «ورأينا أن قد حقّ لنا أن نتقي تلك القوة ونردّها بالقوة نثور على السلطان الجاثم علينا انقلاباً ونقاتلهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين حراً لله.»؟ أو ليقول بعد ذلك (ص 10): «فانتصبنا على السودان بثورة الإنقاذ هجمة مبهمة لمقدمها، حتى استغلظ عودها صدعت بالحق جهاراً ورفعت رايته حاكماً.» إنّ هذا يكشف قدرة التّرابي في التّكذّب ليس على التّاريخ البعيد، بل على الحاضر ولا تزال شخوصه وحوادثه مشهودة تجري بين النّاس. ولن تجد أصدق من مقولته أدناه في وصف واقع الحال منذ الأسبوع الأوّل لانقلاب الإنقاذ إلى ما بعد رحيل التّرابي (ص 6):

«ثم سقط النظام من ذلك الدرج الصاعد نحو الرشد والتقوى والحكمة إلى مدارك هوى الطغيان والظلم ليستبد الأكابر، يعربد بهم طائشاً شيطان الفرعنة ويؤمنهم جنود يحرسون مقاماتهم ويجوسون ويدوسون الرعية، ويعلنون مقولات ويرفعون صوراً باسم الحريات والانتخابات والشرعية واللامركزية، وما هي إلا أعراض زور ونفاق.»

فهو هنا كمن يصف ما كان يجري في زمن الإنقاذ عندما كان على سدّة القيادة. ولكنّه ما إن غدر به تلامذتُه حتّى صبّ عليهم جام غضبه، ملصقاً بهم كلّ موبقات نظام الإنقاذ ظنّاً منه أنّ ذلك سوف يبرّئه. ومن استهزاء التّرابي cynicism بما حدث في زمن الإنقاذ محاولته تصوير مآسي الإنقاذ على أنّها محاسن (ص 26):

«إن المجتمع السوداني غالبه أخذ في مواقفه النفسية يعي وينهض بمعاشه نحو النمو بعد الرضا السائد قديماً بالحال الواقع على المرء قدراً. وبدأ الناس يضربون في الأرض انطلاقاً من أوضاع البيئة الراهنة يهاجرون أو يستغلون ما حولهم تطوراً. وقد انكشفت لأهل السودان مواد وقوى مما هو مسخر للإنسان في الطبيعة وكانوا عنها في عمى وغفلة، واقتحمتهم قوى عالمية تبتغي أرباحاً ومن ورائها مقاصد استكبار، وذلك مسلك وتحد جديد يثير تقليداً وتصدياً.»

فهجرة السّودانيّين وهربهم من وطنهم جرّاء المظالم الفادحة التي باشرهم بها نظام الإنقاذ عندما كان التّرابي يمسك بمقاليد الأمور هي في حدّ ذاتها من محاسن ما فعلته دولة الإنقاذ.

ويستمرّ التّرابي في التّكذّب على الواقع المعاش، غير مكترثٍ لنقد النّقّاد لغروره المغروز في جبلّته الأيديولوجيّة أوّلاً ثمّ لاستخفافه بذاكرة الشّعب ثانياً، فيقول عن نظام الإنقاذ عندما كانت أزمّة الأمور لا تزال في يده (ص 6): «أما الحياة الاجتماعية للسودان عهد الإنقاذ فالوظائف الحرة التي تولاها المجتمع طوعاً من ‏تلقائه أثمرت تطوراً مبشراً. التدين امتد في أوساط الناس وتعمق في نفوسهم بشعائر عبادتهم وقرآنياتهم وصوفياتهم، والنساء فضن في الحياة تحرراً وهدى ونشاطاً».

وتبلغ به الجرأة في أن يُشيد باستقبال السّودان لشذّاذ الآفاق من إسلاميي العالم المتّهمين بالإرهاب مثل أسماة بن لادن وغيره، هذا في الوقت الذي كان فيه السّودانيّون يحزمون أمتعتهم متّجهين لدول الشّتات بالملايين ولا يزالون بها لم يعودوا بعد (ص 9): «وكذلك بدأ عهد الإنقاذ لأول عهده يُفرح الأمة الإسلامية بتوبة الإسلام السياسية والمتكاملة فيه نموذجاً ينفتح لمن يهاجر إليه لاجئاً وناصراً ومن يزوره تحية وائتماراً جامعاً، ويعلن همه بقضايا الأمة المضيّعة.»

التّرابي وأحلام السّلطة

يكشف التّرابي عن الجانب المرضي في شخصيّته كونه رجلاً شهواني السّلطة، جلّ همّه أن يدخل في زمرة الرّجال الذين حكموا السّودان. فهو هنا يقوم باختزال السّودان كلّه في شخصه، وبالتّالي تصوير انقلاب تلامذته عليه على أنّه خيانة للسّودان أجمع (ص 11):

«ما كان لعصابة سلطة أن تخون مواثيق شعبها الدستورية وتنتهك حرياتهم وتستبد دونهم، ما كان لهؤلاء أن يمضوا على الناس هذه الردة البالغة لولا الاستخفاف بمجتمع ما زالت واهية قواه بالية حباله أن تجتمع إرادته وتصلب وتنفذ فوراً، قاصرة مداركه أن يتجاوز بالهمّ ‏حاجات المعاش البائس المباشر إلى عموم القضايا وبالنظر واقع الهموم الشاغلة والأحوال المشهودة إلى مصائر حركة الحياة المتطورة، منسية أصوله لا يرتفع بالضوابط والعلاقات والأعراف الجامدة المتقادمة إلى أصول القيم ومعالي المثل. وهان المجتمع سياسة لأن ثقافته ما انفكت ساذجة قد تغشاها عدوى التقليد لفرعيات السلوك الجميل الظاهرة من الثقافات الغربية لكنها لا تُشرب بمعاني الحرية العامة وأصول نظمها وسننها التي تتقي الطاعة للاستبداد.»

فالتّرابي هنا يتباكى على المجتمع الذي استخفّت به مجموعة تلامذته المنقلبة عليه، في الوقت الذي يبدي فيه هو نفسُه استخفافاً أكبر بنفس هذا المجتمع. فهو يصفه بأنّه «ما زالت واهية قواه بالية حباله أن تجتمع إرادته … وهان المجتمع سياسة لأن ثقافته ما انفكت ساذجة قد تغشاها عدوى التقليد لفرعيات السلوك الجميل الظاهرة من الثقافات الغربية»، ويقصد من وراء ذلك أنّ المجتمع قد عجز عن أن ينصره ضدّ تلامذته على وجه التّحقيق. وقد دأب التّرابي في كتابات سابقة على الاستخفاف بالمجتمع السّوداني، متّهماً إيّاه بضعف الدّين والإيمان. إلاّ أنّ مرارة التّرابي إزاء خذلان تلامذته له يطغى على محاولته الاتّصاف بصورة الحادب على الشّعب.

بعد هذا يغرق التّرابي في تناقضاته التي أوقعته في دوافعه الخفيّة كونه يتوجّه بخطابٍ خاصّ إلى مجموعة صغير، محدودة العدد من تلامذته بينما يفعل ذلك عبر خطابٍ عامّ. فهو يتكلّم عن صورة احتماليّة، سيّئة المنقلب يمكن أن يهوي إليها الشّعب السّوداني إذا ما تُرك لحاله، بينما تصدق هذه الصّورة أكثر على ما فعلته دولة الإنقاذ بالشّعب السّوداني منذ أيّامها الإولى إلى ما بعد مفارقة التّرابي لها. فهو يقول (ص 26):

«ولئن ترك السودان سدى لربما تطغى فيه الروح المادية الفاسقة من الدين بمتاع الدنيا ويفشوا بها الترف لدى الأغنياء أو الظلم على الفقراء ويتعرض للهيمنة العادية. فلا بد من ثورة تتوب بالاقتصاد إلى الدين لتزداد دوافع الكسب للدثور طلباً للأجور في الآخرة فتتسارع النهضة، ولتقوم علاقات عون بين مجتمع ما عرف الشركة بل الفردية، ولتكون المنافسة سمحة عدلاً لا صراعاً مخرباً كالوحوش على الفرائس، وليقتسم الناس ويتعاطوا الأرزاق تهادياً وتصدقاً وتكافلاً طوعاً يؤمّن حاجاتهم لا شحاً وتفاخراً بالمال، وليتعاملوا تعاوضاً وصدقاً لا مراباة ولا مقامرة ولا غشاً، وليزهدوا في الدنيا لا يسرفون استهلاكاً ولا يتفاضلون ولا يتحاسدون بدرجات الغنى. وليعيش السودان عزيزاً غير مرهون ‏وغير معتزل للعالم تعاوناً على البر والنماء.»

وبالطّبع يبدو التّرابي هنا كما لو كان يتكلّم عمّا صنعته دولة الإنقاذ تحت قيادته بالشّعب السّوداني. وهذا التّناقض يمكن أن يزول إذا ما وضعنا خطابه في سياقه الحقيقي كونه خطاباً عامّاً في ظاهره بينما هو موجّه لمجموعة طُهرانيّة خاصّة لا تفهم الأمور إلاّ كما وصفها لها التّرابي.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي