خط الاستواء رهز من الدفوف الضاربة ، وتنقّل مفتوناً وراء بنات الصعيد و السافل ، و ما خلّا حاجه ، أقامَ ما شاء له القيام القيام هناك..

أترع من جميع أنواع  المشاريب : بااع فى سوق الريد، واشترى، وتمبّكَ ما شاء له الهوى، و أشعلها دخاخين ” لامِنْ ربنا غفر ليهو”..!

عاد إلى الحِلة ،بعد أن تبَّستْ ركبتيه من فِعل الغرام.. عاد ، و العرجا لى مُراحا .. عاد، و يا مستوراً بستر الله مين يكشف سِرّك..؟! كان يقول لأهله ، أنه كان تاجراً فى الصعيد،، و الموضوع إنتهى عند هذا الحد..!

كان كل شيئ يمضى على  وتيرته القديمة ، لو لا أن أحد المحسنين من بلاد الخليج ، إكتشف سحر هذا المكان، فبنى فوق زاوية الحِلة هذا الجامع . .

كان صاحبنا بِتاع دخاخين.. خرج مع الخارجين، لكن لم يزل فى قلبه شيئ من حتى حين إستوعبه النداء.. خرج ببقايا أشواقه فى درب الله، فكان كلما مرّ بالديار ، ديارِ سلمى وقف على  كعبيه، ورفع حاجبيه،  و “جرَّ النمْ على الحدب البعيد”..!

فى جامع الحِلة داهمته جماعة الخروج ..أقنعوه بالهجرة معهم فى سبيل الغفران و الطواف فى البلدان..أعجبته الفكرة إن كانت حقاً تخفف الذنوب ، وما أكثرها..علّموه عادة الوقوف بعد كل صلاة جامعة، ليرمي دمعتى ندم، و يقول كلمات نمطية ، فهي تكفى ليُكتب إسمه فى زُمرة المُبَلِغين.. كان غائر العينين، يقول بعد الحمدلله والبسملة : إعلموا يا إخوان، أن أمر الله نافذ..فأصبروا على ماتكرهون ، بخير الدنيا تفوزون، و بالجنّةِ تسعدون.. وفقنى الله و إياكم إلى ما فيه الصواب، و السلام ختام.. ثم يجلس..!

كان هذا شأنه كل يوم و هو يسوح فى الجوامع حتى الحدود الإدارية لجمهورية مصر العربية.. فى ليلة استساغ البوح، واكتشفوا يده الطاعمة جداً فى شواء السمك اللذيذ ..فسألوه بعد حميد الثناء :

ــ يا شيخنا ، شُغُل الأكل الطاعم دا إتعلمتو وين..؟!

– كيف يا أخي،  أنا قضيت عمرى كلو فى الصعيد ، ورا الصّاجات..! ثم حكى لهم كيف أنه، سوّا السبْعة وضمّتا..! فقالوا له ، بلغة المهاجرين: بخٍ بخٍ .. أنت منذ الغد ستبدأ فى تبليغ الناس بأمر توبتك النصوح..! وهكذا بدأ موعظته في اليوم التالى، بعد قولته فى المختصر المُفيد : يا أُخوان.. أسأل الله لكم الهداية..! كانوا علما دخلوا جامعاً قدّموه للوعظ ، ليحكي للناس كيف أنه عاد إلى الطريق المستقيم،  بعد أن كان يفعل كذا وكذا، وكذا وكذا..! وكان صاحبنا يحكي و يحكي،  ويحكي،  كيف كان،و كيف هو الآن.. هكذا كان الحال ، حتى دخلوا فُرُشاً فى قلب الديار، ديار سلمى..! كان اليوم جمعة..تهّيب صاحبنا الجمع الكثيف، لكن ما عساه يفعل..؟! ليس له إلا أن يقف، ويفْضح نفسه..!  كانوا ــ يإصرارــ يُحفِّزونه على الإقدام ليحكى قِصته مع الدُّخان و الحِسان ، وكيف أنه رفعَ توبته بعدَ هِجرته..!

وقف صاحبنا متبرِّماً، وقد هاجت أشجانه إلى تلك الديار ، ديار سلمى..! وقف يحكى و فى جوفة شيئ من حتى، وشيئٌ من حنين، إلى تلك الدخاخين..!

 وقفَ، فقال : ياجماعة.. أقول  ليكم المختصر المفيد.. أنا كنت بِتاع كذا وكذا.. وكذا وكذا .. سَوّيتْ وماخليت.. ما خلّيتْ حاجة .. بسْ الله كان ساترنى، لحدى ما وقعت فى الناس ديل.. الناس ديل شالوا حِسَّى لي الله وخلقو..!!