د. النور حمد مرت ثلاثة أشهر، منذ أطلق الرئيس السوداني عمر البشير دعوته للحوار الوطني، والتي وجهها لقوى المعارضة السودانية بمختلف توجهاتها، غير أنها لم تجد، على الرغم من صدورها من رأس الدولة، تجسيدًا يذكر في الواقع، منذ تم إطلاقها.

وظل سودانيون كثيرون ممن خبروا مسلك حزب المؤتمر الوطني الحاكم، عبر سني حكمه التي تبلغ، نهاية الشهر الجاري، خمسة وعشرين عامًا، متشككين في أن المؤتمر الوطني وحكومته يعنون حقيقةً ما يقولون. ولم يخيب الحزب ظنهم، إذ ازداد ايقاف الصحفيين، وتقييد الصحف ومصادرة أعدادها.
وتعرضت دعوة الحوار لأكبر نكساتها في اعتقال الصادق المهدي، قبل نحو شهر، وبقي رهن الحبس في انتظار تقديمه للمحاكمة، لانتقاده تجاوزاتٍ قال إن الميليشيا الحكومية التي سُميت بـ “قوات الدعم السريع” ارتكبتها في إقليم دارفور. على الرغم من أن انتقاد هذه القوات سبق أن قام به أحمد هارون، والي ولاية شمال كردفان، وهو من أكبر قيادات “المؤتمر الوطني”. ظهر هارون غاضبًا في أجهزة الإعلام، مطالبًا تلك القوات بالخروج من ولايته، عقب تجاوزاتٍ كبيرة ارتكبتها في مدينة الأبيض عاصمة ولايته، وأغضبت الأهالي، وحملتهم على الاحتجاج.

 

أدهش اعتقال الصادق المهدي جميع السودانيين، وكذلك عامة المراقبين ومتابعي الشأن السوداني، لأن الرجل ظل معارضًا ناعمًا للحكم القائم، وظل من أعلى دعاة الحوار والمخرج السلمي صوتًا، وجعله ذلك النهج مغضوبًا عليه من قوى المعارضة، لكونه ظل متمسكًا بالنضال السلمي في كل الأحوال. وهو الذي وقف إلى جانب حسن الترابي في تأييد دعوة الحوار، خين تحفظت عليها القوى الأخرى. وغرابة اعتقال المهدي، في هذا الظرف، جعلت بعضهم يجنحون إلى الارتماء الكلي في أحضان نظرية المؤامرة، زاعمين أنه اعتقال متفقٌ عليه بين المهدي والحكومة، لسببٍ لا يبدو واضحًا. أيضًا، بعد ثلاثة أسابيع من اعتقال الصادق المهدي، تم اعتقال إبراهيم الشيخ، رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض، للأسباب نفسها التي بناءً عليها جرى اعتقال الصادق المهدي.  
مساء الاثنين 16 حزيران/يونيو الجاري، أُطلق سراح الصادق المهدي، على الرغم من إعلان أنه سوف يتم تقديمه إلى محاكمة. وقد جرى الإفراج عنه نتيجة قرارٍ سياسيًّ عالٍ، في ما يبدو. فالقضاء، بطبيعة الحال، لا يعفو إلا بعد المحاكمة، وذلك في حالة أن تجد المحكمة المتهم بريئًا مما نُسب إليه من تهم، وليس قبل ذلك على كل حال. إذن، كان الاعتقال سياسيًا، كما الإفراج. وقد أوردت الصحف السودانية أن وساطة جرت من شخصيات سودانية مرموقة بين الحكومة والمهدي أسفرت عن إطلاق سراحه.
على الرغم من أن الحوار لم ينطلق منذ إعلانه في مارس /آذار الماضي، يمكن القول إن اعتقال المهدي سمم أجواءه، وأثار شكوكاً حول جدية الحكومة بشأنه. أيضًا، زاد من تسميم الجو حكمٌ أصدرته محكمة سودانية على طبيبة شابة، اتُّهمت بالردة عن الإسلام، واعتناق المسيحية. أمر قاضي المحكمة التي نظرت القضية بجلد المتهمة مائة جلدة عقوبةً للزنا، على اعتبار أن علاقتها بزوجها المسيحي ليست شرعية، ثم إعدامها، عقب ذلك، تنفيذًا لما رأته المحكمة ردةً عن الإسلام. وما أن صدر ذلك الحكم، حتى احتلت قضية تلك الطبيبة واجهات الصحف والفضائيات العالمية، ما قاد إلى حراك غربيٍّ كبير وسط كبار المسؤولين، وإلى مطالباتٍ بإسقاط ذلك الحكم المناقض لحقوق الانسان الأساسية. وأحدث الحكم الذي لا يمكن أن تفهمه الغالبية العظمى من الناس في عالم اليوم تشويهًا إضافيًا لصورة السودان، المشوهة أصلاً، ولصورة الإسلام، وأدخل الحكومة في مأزق.

 

بسبب تناقضات متكررة في الأداء الحكومي السوداني، أخذ سودانيون كثيرون يتكهنون، منذ فترة، أن الحكومة السودانية لم تعد جهة واحدة، وأن هناك جهات متنفذة، لا تنفك تقوم بخطواتٍ معاكسة لما تقوم به جهات حكومية أخرى. مثالاً؛ يتم الإعلان عن بسط الحريات العامة وحرية الصحافة، فتزداد مصادرة الصحف، وتتسارع وتيرة توقيف الصحافيين. كما تجرى دعوة للحوار الوطني، كما حدث قبل ثلاثة أشهر، فيتم اعتقال أكبر المعارضين المتمسكين بالحوار، وتتم، في تزامنٍ غريبٍ مع ذلك، محاكمةٌ بالردة، ويكون الحكم فيها القتل! ولست ممن يرون أن جهات متنفذة تعمل على إجهاض التوجهات الصحيحة، لأن نهج المؤتمر الوطني الحاكم كان على هذه الصورة عبر ربع القرن المنصرم. ولذلك، أرى أن الأمر مجرد تقسيم للأدوار بغرض الإرباك، وإبقاء الأمور على ما هي عليه، بعد إطلاق بالونات ملونة براقة للإلهاء الوقتي.
يبدو أن عين “المؤتمر الوطني” مصوبة على شيء واحد فقط، هو الانتخابات. وأن الدعوة إلى الحوار ليست إلا تخديرًا مؤقتًا للمعارضة، وصرفها من محاولة تحريك الشارع. يعرف “المؤتمر الوطني” أن الأوضاع التي أحدثها في الواقع السوداني عبر ربع قرن، وإدارة الانتخابات وفق خطط اقصائية أتقن رسمها، لن تأتي إلى سدة الحكم بحزبٍ غيره. وحين تنتهي الانتخابات، يمد المؤتمر الوطني لسانه للمعارضين، قائلاً: شعبيتنا هي التي أتت بنا، فأين شعبيتكم أنتم؟ لكن، هل ستقف الحرائق المشتعلة في الأطراف؟ وهل ستحدث معجزة لتوقف تدحرج الاقتصاد السوداني المندفع نحو الهاوية؟ وهل سيتوقف الانجرار السريع نحو التفتيت؟ لا أظن.
على “المؤتمر الوطني” حين يتحدث عن الحوار أن يعني ما يقول. فمناورات الإبقاء على السلطة، مهما منحت من الوقت، لها مدى تستنفد فيه طاقتها. فليس في كل مرة تسلم الجرة. فالحوار الحقيقي الذي لا يستثني جهةً، ويتجه إلى فك الارتباط بين حزب حكم خمسة وعشرين عامًا والدولة، وتشكيل حكومة قومية تمهد لانتخاباتٍ حرة مراقبة هو المخرج السليم. وإذا جاء المؤتمر الوطني عبر تلك الانتخابات الحرة إلى الحكم من جديد، سيقول له معارضوه: ألف مبروك.