عبد العزيز بركة ساكن بالتأكيد السرطان ليس مرضا قاتلاً، او انه لم يعد مرضا قاتلاً. وذلك منذ زمن بعيد. بل منذ مئات السنين.

لقد قرأتُ ذات مرة في احدي مجلات الجغرافية الوطنية ان بعثة استكشافية في الاسيكمو اكتشفت ان امرأة كانت مصابة بالسرطان في الرحم وهي في طور التداوي منه. اي انها اخذت تشفي منه ذاتيا عندما اكتشفتها البعثة الطبية. وطبعا لم يفعلوا لها شيئا. لأنها لا تحتاج لشيء منهم.

في النيل الأزرق في العام 2010. وبينما كانت تعاني أم المستنير عليها الرحمة من مرض سرطان الثدي. ولو انها قد عبرت السنوات الخمس الخطيرة. إلا انه قد انتشر مجددا في جميع انحاء الجسد المُرهق من التداوي الكيميائي في سنوات طوال دون انقطاع. وبينما كنت في مدينة الكُرمك اخبرني المهندس سيماوي وهو من ابناء مدينة الكُرمك. ان هنالك من يعالج السرطان في  ابيقو، وابيقو هي قرية صغيرة في محلية الكرمك تابعة لوحدة ادارة الكيلي. تبعد عن مدينة الكرمك حوالي 30 كيلو مترا.ما يقارب الساعة من الزمن  بالسيارة. وابدي استعدادا علي ان يذهب معي والمرحومة الي ذلك الرجل. في الغالب انني اخشي الدجالين. ولدي حكايات طويلة وكثيرة معهم. اولهم رجل في الكلاكلة الوحدة لديه مركزٌ يدعي فيه التداوي بالقرآن الكريم. وهذا كان اللص الأول. لأن المرحومة كانت تصر علي التداوي بالقرآن الكريم ورفضت العلاج الحديث في السنة الاولي، فكنا نبحث عن “الرايحة في خشم البقرة”. وكفرت بهذا الرجل منذ اللحظة التي  كتب لنا روشتة العلاج باللغة الانجليزية. بخط مثل بول البعير علي الارض. وبالروشتة مواد محلية لا تُشتري من بلاد الفرنجة. ارطال من العسل وكمون اسود وبعض البخور وغيرها من اشياء لا يقرا من يبيعونها اللغة الانجليزية. ثم بعد ذلك كانت مطالباته المالية الكبيرة. كما ان حالتها تدهورت جدا في تلك الفترة وهي في ظل رحمة كذباته الكبيرات. وهو لا يفعل شيئا في العادة  سوى الادعاء بأنه من بيت النُبوة. وانه يعالج كل الامراض وان كل الامراض من لدن الشيطان الرجيم. ثم لصين اخرين دينيين ثم لص اخر.

قلت للمهندس سيماوي ذلك صراحة وأخبرته بأنني غير مستعد لأية مغامرة أخرى. فحكي لي حكاية غريبة. وهي حكاية امرأةٍ كانت تعاني من سرطان الثدي. في قرية بالكيلي وهي القرية التي ينتمي اليها سيماوي. وكانت في مرحلة متأخرة جدا. واخذ ثديها في التساقط مزقاً. فأخذها زوجها الي مدني حيث مستشفي الذرة، هنالك قاموا بالفحص عليها واخذ العينة وإجراء اللازم. واخبره الطيب بصراحة. ان زوجته مصابة بسرطان الثدي وهي في ايامها الاخيرة. وأنهم لا يستطيعون عمل شيء لها. ولا يمكنها التداوي حتى في الخرطوم علي حسب علمه. قد يكون هنالك امل خارج السودان وهذا ليس مؤكدا. ولكي لا يخسر اكثر من مال هو لا يملكه اصلا. فقد كان الرجل فقيرا. شرح له الطبيب كيف ينظف الجُرح حيث لا توجد وحدة صحية في قريته. وأعطاه بعض الشاش والمُطهرات. وطلب منه ان يعود لقريته لتبقى في سلام مع اطفالها في البيت. فاقتنع الرجل. حمل زوجته وركب الحافلة وعاد للدمازين. ومن الدمازين باللوري الي الكيلي. ومن الكيلي لا توجد مواصلات للقرية. فاستلف حمارا من أحدهم، حَمَل عليه زوجته ومضي عبر الغابات الي ابيقو. وابيقو تعني النسر بلغة البرتي. في الطريق قابله رجلٌ، سأله عن حاله وأحواله كما يفعل القرويون عادة. وعرفه بان زوجته مريضة وطلب منه ان يشرح له مرضها. فما كان منه إلا وان اراه الجُرح الشاسع الذي بصدرها. فقال له الرجلُ: هذه الجمرة “او ذكر اسما قريبا من ذلك لا استحضره” مسكينة زوجتك. ولكن دعني أذهب للمدينة اقضي بعض الاغراض ومن ثم آتي اليكم في القرية هذا المساء. لا تنوم انتظرني.

وذهب الرجل في حاله. وعاد المساء. ومن الاعشاب التي في فناء الدار اخرج الرجل بعض الجذور. خلطها بثمار شجرة تسمي “ام شُطور” وهي شجرة استوائية ضخمة لها بذور اشبة بأثداء النساء. تُوجد في منطقة الكرمك بكثرة. وضع الخليط علي الجرح. وقال له: “اذا نامت زوجتك الليل كله بهدوء ودون ألم. فأنها ستشفى. أما إذا لم تنم. فأتمني من الله ان يرشدك لعلاج اخر غير الذي أعرفه”.

ونامت المرأة  نوما هادئاً. ولم تستيقظ إلا في منتصف اليوم التالي. وهي التي كانت لا تنام من الالم المبرح. وبعد يومين كرر ذات الخليط. وأخيرا، بدأ الجرح يبرأ. ثم شفيت المرأة تماما في اقل من شهر واحد. قال لي سيماوي دعنا نذهب للمرأة اولاً لترها علي الطبيعة وتقابل زوجها الذي مازال يحتفظ بأوراق المستشفى. فذهبنا للكيلي وشاهدتُ المرأة بنفسي. كانت تبيع الشاي بسوق الكيلي. وآثار الجراح في ثديها. وأظنها فقط تحتاج لعملية تجميل. لا أكثر وهي الآن موجودة في النيل الأزرق اذا لم يكن قد قتلها الجنجويد في الكيلي عندما هاجموا المدينة في 2011. ولم يتركوا بها ايا من الاحياء. اذا كانت حية فهي في احدي معسكرات اللاجئين في اثيوبيا او في الدمازين.

للأسف، عندما اخذنا ام المستنير الي ذلك الطبيب الغابوي، لم نجده. قيل لنا انه ذهب يبحث عن الادوية بعيدا في الأحراش وعادة لا يأتي إلا بعد شهور. يظل متجولاً معظم حياته. انتظرناه في بيته اسبوعين كاملين، وقفلنا راجعين للكرمك.

لماذا لا تذهب قوافل الباحثين الأكاديميين الي النيل الازرق وأطراف السودان الاخرى وتبحث في العُشب والصخر والأشجار والطين، عن علاج الامراض المستعصية؟ وتحاور هؤلاء الاطباء الغابويين الاذكياء؟ ويتعلمون المفيد منهم في كلية الطب المفتوحة: جامعة الرب.