د.ناهد محمد الحسن يعتبر الإتجار بالبشر،مصطلح حديث لقصة قديمة في التاريخ الإنساني تدور مجرياتها حول بيع وإستغلال البشر في الخدمة واستجلاب الثروة وللمتعة الشخصية فيما عرف في التاريخ الإنساني بالرق.

بغض النظر عن الطرق التي يستجلب بها هؤلاء الضحايا ،ان كان عبر الحروب ،الغزوات ، الخطف ، الدين أو الشراء من الأسواق او غيره من موارد الإذلال البشري التي كانت تباركها وتعترف بها السياقات الثقافية و الإجتماعية في ذلك الوقت. ومن يومها ظلت هذه المؤسسة المقبورة بفعل الكفاح الإنساني وتطور الضمير الحي، تعاود الظهور في أشكال ثقافية جديدة تمارس ذات الإستغلال والإنتهاك للكرامة البشرية تحت مسميات حديثة، عابرة للدول والقارات،وإن كان نصيب البعض فيها من الألم أكثر من غيرها.

يذكر اسم السودان الى جانب موريتانيا ودول أفريقية أخرى في أضابير التقارير التي ترفعها بعض المنظمات الحقوقية العالمية في ممارسة الرق ومن ذلك ماجاء في إحدى الدراسات ،إن منظمة حقوقية مقرها في سويسرا قامت بتحرير 5.066 من الرقيق السوداني منذ العام 1995 معظمهم من الأطفال وأنه بمقدورك ان تحصل على فرد من الرقيق بخمسين دولارا للفرد. هذا الحديث وغيره شكل مادة لحوار كثيف ظهرت ملامحه في الثمانينات ولازالت مستمرة ،حول ما إذا كان بإمكاننا تسمية مايحدث في السودن بالإسترقاق او هو ممارسات اقتضتها السياقات الثقافية الإجتماعية لبعض القبائل السودانية والتي لا تشبه الرق وانما هي شكل من أشكال الرهن او الإختطاف او غيره.ومن أبرز الذين يقودون أقطاب هذا الحوار الدكتور عشاري خليل صاحب كتاب (مذبحة الضعين)الشهير مع رفيقه الدكتور سليمان بلدو والدكتور منصور خالد والدكتور عبدالله علي ابراهيم الذي يتحدث عن انثربولوجيا السودان التي يجب ان تؤخذ بعين الإعتبار قبل القفز لمسلمات مخيفة تبلورت مصطلحاتها وضبطت خارج ثقافتنا دون مراعاة للواقع السوداني ومقتضيات البقاء.

السودان قطر متعدد الأعراق والثقافات،اعتورت تاريخه الطويل منذ الإستقلال حروبا كثيرة لازالت أسئلتها مشرعة بإتجاه هوية السودان العروبية او الأفريقانية. حيث لم تلبث أطول حرب أهلية في أفريقيا(من 1955-2005 ) أن تضع أوزارها لتنتهي بإنفصال جنوب السودان وظهور مايعرف بالجنوب الجديد في جنوب كردفان والنيل الأزرق.هذا بالإضافة لحرب دارفور وحرب شرق السودان. ويقدر عدد القتلى في حرب الجنوب بمليونين من البشر ،والمشردين عن ديارهم بخمسة ملايين بين نازح ولاجيء.وقد قتل منذ أن استولت الجبهة القومية الإسلامية على الحكم في 1989 بسبب الحرب والمجاعة الناتجة عنها ،عدد أكبر مما قتل في الحروب البوسنية والرواندية والصومالية مجتمعة.

هذه المقالات هي محاولة لمتاخمة التقاطعات الكثيرة التي تضع الأطفال السودانيين في أوضاع الإتجار وتعرض أمنهم وسلامهم للمخاطر العديدة الناتجة من تجاربة شبيهة.

وفقا لبروتوكول باليرمو(بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية*): يقصد بتعبير “الاتجار بالأشخاص” تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء. كما لا تكون موافقة ضحية الاتجار بالأشخاص على الاستغلال المقصود محل اعتبار في الحالات التي يكون قد استُخدم فيها أي من الوسائل السابق ذكرها. كما يعتبر تجنيد طفل أو نقله أو تنقيله أو إيواؤه أو استقباله لغرض الاستغلال “اتجارا بالأشخاص”، حتى إذا لم ينطو على استعمال أي من الوسائل المذكورة أعلاه. والمقصود بالطفل في هذا البرتكول هو أي شخص دون الثامنة عشرة من العمر.

يعتبر مصطلح الأطفال في وضع الإتجار؛ مصطلحا مستخدما لدى بعض العاملين في مجال حماية الطفل بدلا عن الإتجار بالأطفال لشموليته .وقد سبق وابتدعوا مصطلحات شبيهة كالأطفال في وضع التشرد بدلا عن الأطفال المشردين لإتساع المفهوم وتضمينه لأطفال في سبيلهم للتشرد او في وضع معرض لإنتهاك الإتجار. يقول الدكتور عشاري في تعريف الأطفال في وضعيات الاتجار (تقتضي الأعراف الدولية والممارسات الفضلى في مجال حماية الأطفال أن تتم صياغة تعريف إجرائي جامع لمجموع الأطفال المندرجين في سياق أية وضعية تنطوي على الإيذاء، بما في ذلك وضعيات الاتجار بالأطفال. وذلك حتى لا يقتصر التحديد البرنامجي على فئة معينة من الأطفال دون غيرهم ممن يكونون أيضا ضحايا لذات نوع الإيذاء، أو في مسارب خطر التعرض لإساءات مماثلة بحكم وجودهم في الوضعية ذاتها).

لقد اهتمت القوانين الدولية بعمالة الطفال وحمايتهم من الإستغلال وبيعهم ومن ذلك (اتفاقية حقوق الطفل ، والميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته ،لا سيما بنودهما المتعلقة بحماية الأطفال.البروتوكول الإضافي لإتفاقية حقوق الطفل في شأن بيع الأطفال وتسخيرهم لأغراض الدعارة.معاهدة منظمة العمل رقم 29 ،المتعلقة بالعمل الجبري او الإلزامي.والتي نصت صراحة في المادة (11 ) انه لا يجوز ارغام من هم أقل من 18 سنة على اي عمل اجباري او الزامي.اتفاقية منظمة العمل رقم (182 ) وهي الإتفاقية الخاصة بحظر اسوأ أشكال عمل الأطفال والاجراءات الفورية للقضاء عليها.والتي شرحت المادة 3 فيها بالتفصيل المعني بأسوأ اشكال عمالة الأطفال وتعرضت للممارسات الشبيهة بالرق والإتجار والإستغلال في العمل الغير مشروع كتجارة المخدرات وأعمال الدعارة وغيرها.اتفاقية منظمة العمل رقم (128 ) .بروتوكول باليرمو الخاص بمنع ومعاقبة الإتجار في الأشخاص لاسيما الأطفال والذي سبق وتعرضنا له. اعلان استوكهولم حول الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية.

على المستوى القومي صادق السودان على اتفاقيتي العمل رقم 138 الخاصة بالسن الأدنى للإستخدام لعام 1973 واتفاقية العمل رقم 182 لسنة 1999 المتعلقة بأسوأ أشكال عمل الأطفال.كما صادق السودان على اتفاقية الطفل عام 1990 .وقد صدر أخيرا قانون الطفل 2010 والذي جاء فيه صراحة :أن كل من يختطف او يبيع او ينقل عضوا من أعضاء اي طفل يعاقب بالإعدام او السجن مدة لا تتجاوز عشرين سنة مع الغرامة.وأن كل من ينتج او يوزع او ينشر او يستورد او يصدر او يبيع او يحوز اي مواد اباحية متعلقة بالطفل يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز خمسة عشر سنة مع الغرامة.وإنه لايجوز استرقاق الطفل او اخضاعه للسخرة او ارغامه على اداء عمل قسرا. وكل من يستخدم الأطفال في تجارة الرقيق بجميع أشكاله ، يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز خمسة عشر عاما مع الغرامة. بالاضافة الى ان كل من يهرب او يساعد على تهريب اي طفل او اطفال عبر الحدود بغرض السخرة او الإتجار او الإستخدام القسري او العنف بأشكاله يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز عشرين عاما مع الغرامة.وكل من يستخدم طفل  بغرض انشطة جنسية لقاء مكافأة او شكل من أشكال العوض يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز خمسة عشر سنة مع الغرامة.