خالد فضل لم تبدأ جلسة رسمية واحدة لحوار الذات الذي دعا له حزب الانقلابيين الاسلاميين في السودان , حتى تباينت المواقف بين من ارتضوا الدخول في لعبة الاسغماية هذه,

اكتفى أصحاب الدعوة بشعار الحوار وهذا من صميم سلوكهم السياسي الانتهازي فلا عتب عليهم , فقد ربحوا كثيرا في سوق الشعارات الزائفة منذ أن قالوا إن الاسلام هو الحل، الى “لا لدنيا قد عملنا” وصولا الى شعار الحوار . الناصحون نصحوا والمراقبون علقوا ومن لديه أدنى بصيرة قال قولته الا أن البعض أصر وبطر وركب الرأس كما يقولون , قالوا الكذاب وصلوا الباب وهذا القول ليس صحيحا على اطلاقه , خاصة في قضايا الوطن التي لا تحتمل كثرة التجريب , ثم أن الكذاب إذا كتب عند الله كذابا فهل يصلح الحوار ما سبق عليه القول ؟

  منذ البدء بانت شارات الخداع واستخدام التكتيك أو التدابير كما يحلو للاسلاميين التعبير فقد عممت الدعوة وخصصت الترتيبات , فجاء الترابي والصادق المهدي من صف المعارضة المعلنة , وجاء غازي العتباني الذي خرج عن السلطة قريبا . ونادى المنادي أن هيا على الحوار الجامع . فافتقد الناس يومها من يفترض أن يكونوا في طليعة من يتحاور معهم إن كان الحوار استراتيجيا وجادا , الشيوعيون بثقلهم السياسي والفكري غير المنكور , البعث والقوى اليسارية المختلفة صاحبة الاسهام النوعي في الحياة السياسية , الجبهة الثورية بفصائلها المختلفة التي لم تقف عند حد المناداة بالتغيير فحسب بل حمل عناصرها السلاح وخاضوا الغمار ومهروا بدمائهم الغالية وانفسهم الزكية سكة التغيير والنضال الشاق من أجل تحقيقه , افتقد الناس المجموعات الشبابية الناهضة والشباب عماد المستقبل , وافتقدوا منظمات المجتمع المدني الناشطة في ردم الهوة بين مطلوبات الناس وتباعد السلطات . ومع ذلك ظل اعلام السلطة التابع والخاضع لقوات الدعم السريع (الجنجويد) جهاز الأمن الوطني سابقا, ظل يلوك في لبانة الحوار بتثاقل وبؤس حتى مجها الناس وعافتها الأنفس , وبصقها اللائكون تفالة , وحده الاستاذ كمال عمر المعارض الصوتي السابق من ما يزال يجد في طعم تلك الزبالة حلاوة جعلته يصرح بأن حزبه المؤتمر الشعبي ماض في سكة الحوار حتى إذا اعتقلت قوات الدعم السريع قادة حزبه !!!فيا لها من زبالة تلك التي يستميت صديقنا استاذ كمال عمر في تطعمها .

 جاء غازي العتباني قبل فترة وجيزة ينعي الحوار ويجمد مشاركته فيه مبررا بذات الاسباب التي طرحها من لم يخوضوا اصلا مع الخائضين , لم يقل له الناس قبيل شن قلنا بل قالوا له حمدا لله الذي جعلك تبصر ما كنت عنه تتعامى , ثم جاء الصادق المهدي معلنا في خطبة الجمعة أن العملية الموؤدة لا يمكن السير فيها هكذا دون مراجعات اساسية , لقد وعي الامام بالتجربة والبرهان أن اشتراطات رصفاءه ممن خبروا العطب في المركب قبل الابحار لم يكن عن شطط ولم يكن عن خوف من الديمقراطية إن هي عادت ولم يكن عن ارتهان للجبهة الثورية أو المخططات الاجنبية بل كانت اشتراطاتهم اساسية لتقويم عملية الحوار والذي ما من عاقل راشد يرفضه من حيث المبدأ ولكن للحوار شروطه التي تجعله منتجا كما في تعبير رفيع للأستاذ فاروق أبوعيسى رئيس هيئة قوى الاجماع الوطني .

  أدنى شروط الحوار وأنسبها اطلاق الحريات العامة , حرية الصحافة والاعلام تأتي في مقدمتها باعتبارها حقا للشعب وليس حقا للصحفيين فما الصحفي سوى خادم للشعب في مجال الاخبار والتحقيق والاستقصاء والتعليق وتوجيه الرأي العام وعبر مختلف فنون التحرير الصحفي , فماذا كانت تطبيقات تهيئة الأجواء للحوار الوطني ؟ برم وضيق واغلاق للصحف ومصادرة لنسخها بعد الطباعة واعتقال واستدعاء للصحافيين وتحقيقات وتفتيش للدور الصحفية والوثائق , ليس بسبب أن الصحافة كشفت سرا نوويا أو سر شحنات المخدرات أو هتكت اعراض الناس او اغتصبت الحرائر , لا لم تفعل الصحافة خلال فترة النقاهة الحوارية شيئا اكثر من عرض بعض مخازي وأدران من يتزينون بلبوس التقوى وممارساتهم مفتوحة على الموبقات , وليتها كانت موبقات شخصية تتعلق بمسائل جنسية , فقد اذيع أن مسؤولا كبيرا في ولاية البحر الأحمر سيواجهه حزبه الحاكم بتهم تتعلق ببمارسات فاحشة بعد أن تم اقصاؤه من عضوية الحزب وقيادته , مما يعني ضمنا أن حزبه كان يتستر على تلك الممارسات طيلة فترة بقاء ذلك الشخص في موقع القيادة الحزبية في الحزب الذي تقول شعاراته إنه يسعى لبناء السودان ! رغم اختلافنا جذريا مع ذلك الرجل (الرويبضة) الطيب مصطفى الا أن أدبيات حقوق الانسان وثقافة (جهر ) قد تعلمنا على يديها الكثير فنعلن ادانتنا لمصادرة الصيحة وتفتيش مقرها واعتقال واستدعاء محرريها وكتابها هذا هو الموقف المبدئي الذي لا تعرفه تربية وثقافة وممارسة هولاء المخادعين , ورغم أن تلك الاجراءات قد اتخذت في ظل صراعات شخصية ومنافع ذاتية تتصل بالمتنفذين في السلطة واجهزتها القابضة الا أن ذلك لن يثنينا عن اعلان موقفنا الثابت تجاه الحق في الحريات العامة وعلى رأسها حرية التعبير والصحافة والتظاهر والتنظيم . ويأتي شرط وقف الحرب واغاثة الضحايا ووقف الهجمات الوحشية ضدهم برا وجوا من أولويات البدء في أي عملية حوار وطني جاد فمن العبث الحديث عن حوار بينما عشر قرى في جنوب كردفان (جبال النوبة ) تتعرض لما يفوق الألف قذيفة جوية في غضون شهر واحد . ويصبح الحديث عن جرائم الجنجويد مدعاة للحبس والاعتقال والمحاكمات . كما حدث مع الصادق المهدي وابراهيم الشيخ المعتقل حتى الآن وتجري محاكمته في النهود بينما الزميل الصحفي حسن اسحق يتم اعتقاله وهو في طريقه لأداء مهامه المهنية الصحفية , فكيف يصبح الحوار استراتيجيا للدرجة التي يصرح بها كمال عمر ؟ اللهم الا إذا كان هناك شئ يدور خلف الدهاليز يعرفه كمال عمر وحزبه ولا يعرفه الناس . ويمكن بالتالي تحليله على وجهة تقول إن الحوار المزعوم عبارة عن خطة للتخلي التدريجي عن واجهة السلطة لقيادات الاسلاميين الذين تسببوا في هذا الانهيار الشامل في البلد وخروجهم آمنيين دون محاسبة أو مساءلة , تحت عباءة مخرجات الحوار , وربما يرى كمال عمر ذلك وبالتالي اقتراب حظه في التوزير اسوة بمن لا يسوون من زملائه الذين تسيدوا وبادوا وفشلوا وكنزوا ولم يسألوا أو يحاسبوا ربما , أما حكاية الحرص على وحدة الاسلاميين فهذه اضحوكة فما المرجو منهم غير ما عاثوا فسادا إن همو مرة أخرى توحدوا ؟

   أها لقد أعلن الامام الصادق وأد لعبة الحوار ولم يبق الا شيخ حسن الترابي وكمال عمر ناطقه الرسمي فمن سيحاورون ؟ بكري حسن صالح ؟ أم حميدتي ؟