زهير السراج * كنت وما زلت مؤمنا بالقول السودانى المعروف " الما عندو كبير يشوف ليهو كبير"، ولقد زاد ايمانى به بعد وفاة والدى، وافتقادى الشديد اليه والى عونه وسنده ونصحه،

رغم انه توفى  بعد ان جاوزتُ الخمسين بقليل وصرت انا نفسى فى خانة الكبار الذين يعتبرهم من هم دونهم فى العمر سندا وعونا لهم !! 

* على خلفية ذلك الايمان، ظللت كثير التفاؤل، وما زلت،  بإمكانية الاصلاح فى السودان اعتمادا على الكبار، وبالتحديد الإمام الصادق المهدى الذى وهبه الله الكثير من العلم والحكمة ومؤهلات الزعامة والقيادة، بالإضافة الى التواضع واحترام الرأى الآخر مهما قل شأن صاحبه. 

* لا اقول هذا الكلام عن بُعد وانما بعد سنوات طويلة من التعامل والاحتكاك بالسيد الصادق المهدى بحكم عملى الصحفى، كما أتيحت لى الفرصة لأعرفه أكثر من خلال لقائى به فى احتفال اسرته بعيد ميلاده الذى كنت أدعى له باعتبار العلاقة الوطيدة بين أسرتى المهدى والسراج حيث كان جدى المرحوم الشيخ الطيب السراج أستاذا له ولكثيرين من اسرة المهدى الذين درسوا على يديه اللغة العربية والادب والفقه، ثم توثقت علاقتى به وبالمناضلة الكبيرة المرحومة (سارا الفاضل) زوجة الصادق وتوأم روحه ورفيقته فى الحياة والنضال من خلال منتدى (الصحافة والسياسة) الذى كنت أحد مؤسسيه، بل ثالث ثلاثة من أوائل مؤسسيه هم الصادق المهدى الذى نبعت منه الفكرة والأستاذ الصحفى المرحوم محمد خليل ابراهيم الذى كانت تربطنى به علاقة زمالة واحترام فاتصل بى لترشيح مجموعة من الكتاب والصحفيين البارزين ليكونوا نواة لمنتدى فكرى سياسى صحافى يلتقون فيه كل فترة من الزمن بالصادق المهدى، ويتحاورون حول القضايا الوطنية والفكرية والسياسية بغرض تبادل الآراء ومحاولة وضع مسودة خارطة طريق لمستقبل الوطن ..إذا أمكن ذلك، وبالفعل رشحتُ له بعض الأسماء وجاء هو ببعض الأسماء واتفقنا على مجموعة كانت هى التى إبتدأ بها المنتدى ومنهم الأساتذة نورالدين مدنى ومحمد لطيف ومحجوب عروة وآمال عباس والمرحوم محمد خليل وشخصى الضعيف وآخرين، وكان الجو السياسى آنذاك (بعد توقيع اتفاق جيبوتى بين حزب الأمة وحكومة البشير وعودة الصادق المهدى من القاهرة فى عام 1999) قد بدأ يشهد نوعا من الانفراج يتيح إقامة نشاط فكرى او سياسى محدود مثل النشاط الذى ابتدرناه وأسميناه (منتدى الصحافة والسياسة) الذى ظل ينعقد فى أول أربعاء من كل شهر طيلة الأربعة عشر عاما الماضية ولم يتوقف إلا أحيانا ولظروف قاهرة ! 

* اتاح لى المنتدى فرصة الاقتراب أكثر من الصادق المهدى والتعرف على شخصيته والتيقن بأنه (الكبير) الذى يعتمد عليه السودان فى انقاذه من (الحفرة) التى وقع فيها باستيلاء الجبهة الاسلامية على الحكم بانقلاب عسكرى فى 30 يونيو، 1989 .. وذلك رغم اختلافى معه فى كثير من المواقف والآراء، وهو إختلاف لم أغلفه فى أى يوم من الأيام بأى نوع من المجاملة او النفاق، ولكننى لم أتجاوز به الحدود الفاصلة بينى كصحفى وشخصية عادية وبين الصادق المهدى كزعيم ومفكر ورئيس وزراء سابق  …. وإمام، يستحق كل التقدير والاحترام والتبجيل ! 

* ترون أننى فصلت بين صفته كإمام وبقية الصفات بثلاث نقاط .. لأننى كنت وما زلت غير مقتنع بجمعه بين الإمامة التى تضفى عليه القدسية الدينية  وبين زعامة حزب الأمة وهى وظيفة سياسية لا تحتمل تلك القدسية التى حاربها هو نفسه عندما كان عمه الإمام الهادى عبدالرحمن المهدى يجمع بين زعامة حزب الأمة وإمامة طائفة الأنصار فطالبه الصادق بالفصل بين الوظيفتين ولكنه رفض، وهاهو الصادق المهدى يكرر ما فعله عمه ويحصن وظيفته السياسية بقدسية الإمامة التى رفضها من قبل ..!! 

* اذكر أننى تحاورت كثيرا معه فى هذه النقطة وتحاججنا فترة طويلة فى منتدى مفتوح حضره أكثر من عشرين من كبار الصحفيين والسياسيين ولكننا لم نتوصل الى شئ .. !! 

* كثيرا ما اختلفنا ايضا على إصراره على عدم عودة مبارك الفاضل للحزب، فلقد كنت وما زلت أرى فيه شخصية تتميز بديناميكية شديدة، وبغض النظر عن طموحاته وأخطائه الكثيرة، فحزب الأمة أحوج ما يكون إليه، خاصة فى خضم بحر سياسى سودانى متلاطم الأمواج يحتاج فيه أى حزب مهما كان كبيرا أو صغيرا الى كل شخص يمكن أن يضيف إليه، أو على الأقل كى يتفادى شره وانضمامه للمعسكر الآخر، خاصة اذا كان مثل مبارك الفاضل الذى يملك الكثير من الأسرار والمفاتيح .. ولكن ظل الصادق على الدوام متمسكا بعدم عودته وان كان يغلف ذلك بأنه لا يمانع فى عودته ولكن بشرط أن يتحلل من كل اخطائه السابقة ويعتذر عنها ويعود عضوا عاديا فى الحزب مثله مثل أى طالب عضوية جديد .. وهو أمر لا يمكن بالطبع لشخص مثل مبارك الفاضل أن يقبله ..!! 

* لم تتوقف محاولاتى مع السيد الصادق المهدى حول هذا الموضوع عند الجدل فقط، بل تخطتها الى الوساطة، ففى لقاء بمنزل مبارك الفاضل ضم الزميلين محمد لطيف وعثمان ميرغنى وشخصى الضعيف، فُتح موضوع عودة مبارك لحزب الأمة فوافق السيد مبارك على قيامنا بوساطة باعتبارنا قريبين من الصادق من خلال (منتدى الصحافة والسياسية) الذى كنت ومحمد لطيف نشغل عضوية لجنته التنفيذية ويرأسه محمد، واتفق ثلاثتنا (محمد، عثمان وشخصى) على أن يستشف محمد لطيف رأى الصادق فى الموضوع من على البعد قبل ان نباشر عملية الوساطة الا أن محمد أخبرنا بأن الصادق متمسك بشروط عودة مبارك الفاضل فتوقف مشروع الوساطة عند هذا الحد..!! 

* الان، وبلقاء الصادق المهدى بعمه الإمام أحمد المهدى بدعوة من الأخير وبعد قطيعة امتدت لسنوات طويلة، وحضور مبارك للقاء أو للدعوة (ولقائه الحميم بالصادق) والموقف المشرف له إبان اعتقال الصادق المهدى الأخير، فإن الأجواء مهيأة للم شمل حزب الأمة مرة أخرى وعودة مبارك وآخرين للحزب وهى بالتأكيد خطوة لو حدثت ستعطى الحزب والصادق المهدى دفعة قوية جدا، وتخيف خصومه .. فمبارك ليس بالسياسى الرخو أو الضعيف ، بل صاحب حنكة ودراية وجرأة، كما أنه يملك الكثير من المفاتيح والأسرار، وحزب الأمة فى حاجة أكيدة إليه، رغم طموحاته واخطائه الكثيرة ..!! 

* كنت، وما زلت أرى أن وفاة المناضلة السيدة سارا الفاضل ( رحمها الله) وابتعاد مبارك عبدالله الفاضل أثر كثيرا على توازن حزب الأمة والصادق المهدى، ولقد بنيت رؤيتى على مقارنة مواقف الصادق وحزب الأمة قبل وبعد وفاة سارا وابتعاد مبارك، واكتشفت أن تلك المواقف قد ابتعدت كثيرا عن طموحات أعضاء حزب الأمة وجماهير الشعب السودانى بعد وفاة السيدة سارا وابتعاد مبارك الفاضل .. وليس أدل على ذلك من الطريقة السالبة التى اصبح الحزب يتعامل بها مع قضايا الوطن فى السنوات الأخيرة، ولا شك أن عودة مبارك ووحدة الحزب ستعيد له الكثير من التوازن المفقود!!