محمّد جلال أحمد هاشم* تبرير التّرابي لخوره وجبنه عن تحمّل مسئوليّة الانقلاب تحدّثنا أعلاه عن خور التّرابي وخطّته في التّهرّب من تحمّل مسئوليّة الانقلاب، استعداداً منه للتّضحية بتلاميذه الذين انتبهوا لهذه الخطيئة في شخصيّة زعيمهم فانحطّ قدرُه بينهم ومن ثمّ تهيّأوا للانفضاض عنه.

في كتابه يحاول التّرابي تبرير هذا بقوله (ص 32)

«إن قيادة الحركة سيظل فيها جانب ظاهر عرضة للأذى في وقت الفتنة لكنه يحشد الأكبر والأشهر من رموز الحركة وجوهاً ينعطف إليها الرأي العام لأنهم يمثلون الحركة الإسلامية المحفوظة. … وفي القيادة ومن وراء سترها الظاهر يبقى آخرون في الباطن قد لا يعرفهم الرأي العام كثيراً ولكن يعرفهم ربهم ويبارك عهدهم وعملهم يفرغون للتدبير المحفوظة أسبابه غير المتحفظة حيثياته لاقتحام معركة الجهاد الثوري لا ضد عدو كافر مسلح ولكن من أجل المقاصد التي ما ذكر الله الجهاد إلا بيّنها لتعظم النيات الجهادية وتتجاوز ضرب الهدف العدو إلى وضع المبادئ التي تحمى بالجهاد والنظم التي تبنى بطاقته إيماناً صادقاً متوكلاً وخلقاً طاهراً طيباً توالياً بالإخاء والشعائر الجماعية وتضامناً بالأرزاق المنفقة في سبيل الله للجميع المطهرة من المراباة والمظالمة ورصّاً لصف الحياة العامة بالشورى الجامعة السلطان شركة حرة للكافة من المؤمنين.»

يقف قول التّرابي هنا مصداقاً لما ذهبنا إليه من أنّه إنّما يخاطب مجموعة خفيّة من أتباعه، يحاول فيها جهده استمالتهم وإبقاءهم على عهد الولاء المطلق له. فهو هنا لا يشرح كيف كانت تجري الأمور بقدر ما يدافع عن نفسه، ذلك بإعلاء شأن اختفائه عن أنظار العامّة بوصف ذلك من الجهاد الأكبر «بقى آخرون في الباطن قد لا يعرفهم الرأي العام كثيراً ولكن يعرفهم ربهم ويبارك عهدهم وعملهم يفرغون للتدبير المحفوظة أسبابه غير المتحفظة حيثياته لاقتحام معركة الجهاد الثوري لا ضد عدو كافر مسلح ولكن من أجل المقاصد التي ما ذكر الله الجهاد إلا بيّنها لتعظم النيات الجهادية وتتجاوز ضرب الهدف العدو إلى وضع المبادئ التي تحمى بالجهاد والنظم التي تبنى بطاقته إيماناً صادقاً».

الاعتراف بسياسة التّمكين

بعد هذا يتقدّم التّرابي خطوة أخرى يقدّم فيها الاعتراف بحكر المناصب على منسوبي حركة الإخوان المسلمين والنّظر إلى ذلك على أنّه نوع من تزكية مؤسّسة الدّولة (ص 14)

«ولذلك كانت الحركة لأول عهدها تدعو الأفراد فتزكي دينهم وتربي قوتهم. أما بعد ثورة الإنقاذ فقد استمر أول العهد التعويل على طلائع الوعي المتجدد وعلى شريحة القيادة في الحركة الإسلامية التي غالبت قوى الباطل التي كانت تطارد الإسلام قهراً من ساحة السلطان فقلبتها وسيرت الأمور بعد الفتح سراً بدائرة محدودة من أعضائها. ولربما راودنا الغرور بحركتنا إذ آثرنا الاستغناء عن المجتمع بالعكوف عنه تفرغاً لتطهير ساحة حياته العامة وتأسيس أركانها وتأمين مشروع التوجه الإسلامي والانصراف عن هدايته وتزكيته لأجل مسمى والاكتفاء بتعبئته ومخاطبته جولات حينما لزم ليبذل أو يصبر في شأن ذي بال.»

بجانب هذا الاعتراف بسياسة التّمكين، نلاحظ الاجتراء على التّاريخ والزّعم بأنّ الحركة قد انفتحت على باقي قطاعات الشّعب. وتكمن المغالطة هنا في أنّه يناقض هذا في مقبل صفحات كتابه، كما يناقض المنطق البسيط، عاكساً غروره وأوهامه. فالجماهير ليست برقّة العقل للدّرجة التي يتمكّن معها نظام لا تشعر بانتمائه إليها من كسبها عبر الانفتاح عليها (ص 15):

«والحركة الإسلامية لما مكنت نظامها واتجهت في العهد الخير لفتح الحريات العامة مطمئنة من حذر خطرها انداحت على الجماهير لتنفذ بالدعوة الدينية يحملها نفوذ السلطة إليهم إذ كانت السلطة منذ الاستعمار إلى خلفائه هي التي صدتهم عن الدين. ولكن ذلك الانتقال العاجل إلى الكافة أزّم ترتيب العلاقة بين الباطن الخفي الذي كانت تسيره خاصة الحركة والظاهر الذي ‏أقبلت عامة الجمهور من تلقائه».

بعد هذا بصفحتين (ص 17) يناقض التّرابي ما قاله أعلاه (في ص 15) عندما يعترف بأنّ الإنقاذ قد صادرت حقوق باقي القوى ومنعتها من التّعبير عن مواقفها دع عنك المشاركة في الحكم (ص 17):

«والأخطر من الصمم عن الرأي الناقد أو المعارض أن الحركة أخلت ساحة الحياة العامة من كل القوى الأخرى. ولربما تبين لهم أنهم إنما أسكتوا أصوات القيادات وإن بعض القواعد ما تزال على عهدها القديم، لكنهم استخفوا بذلك وتنطعوا في تقدير جدوى حكر الساحة مطمئنين أن رواسب القديم إلى تلاشٍ محتوم. ولذلك أطبقت الغفلة عن هدى القرآن والسنة في علاقات قد تقوم مع آخرين مهما كان بعدهم عن الدين الحق».

إنّه يبكي هنا، لكنه يبكي بدموع التّماسيح، ناسباً هذه الغلواء في الاعتداد بالأمر إلى أنّها من أخطاء الإنقاذ بطريقة تُنبي عن براءته منها، أي بنسبها إلى الآخرين في زمن كانت فيها كلمتُه هي العليا. إلاّ أنّنا يجب أن ننتبه لكلمات الرّجل التي يغلّقها بأوراق اللغة التّزويقيّة. فهو يقول: «والحركة الإسلامية لما مكنت نظامها واتجهت في العهد الخير لفتح الحريات العامة مطمئنة من حذر خطرها انداحت على الجماهير لتنفذ بالدعوة الدينية يحملها نفوذ السلطة إليهم … .» فهذا يعني شيئاً جدّ خطير. لقد كان التّرابي يخطّط لتطويع المجتمع تطويعاً تامّاً بسوقه إلى الاستكانة عبر حزمة الإجراءات الباطشة التي باشرت بها الإنقاذ مجمل الشّعب السّوداني ثمّ القوى السّياسيّة بصورة خاصّة. وتكمن خطّته في أن يقوم بالانفتاح على جماهير الشّعب وأحزابه بعد أن تتحقّق استكانتُه بحيث لا يشكّل خطراً على النّظام القائم. في هذا استخدم التّرابي الحرب (يسمّيها «الجهاد») في أقصى صورها، ليس ضدّ من يحملون السّلاح فحسب، بل ضدّ المدنيّين. فلنقرأ ما يقوله (ص 10):

«وقامت نفرات بالجهاد نحو عقد من السنين لتأمين مشروع الإسلام حتى ارتسم هديه المتكامل في خطة الحركة ووضعت معالمه في الشرع الدستوري الحر، حسباناً أن قد أمنت الإرادة الوطنية ورسخ فيها الدين وتمكن حكمه فما يكون لأحد من الموالين للكفار أن ينزعه بضربة قوة. وعندئذ انفسحت حالة الضرورة للعود إلى أصول الإسلام، إلى بسط السلام والحرية والتنافس بين سائر الناس حيثما اتجهوا ولو كان فيهم كفر وكيفما قاموا ولو كان فيهم نفاق اطمئناناً أن قد آمن بالإسلام السواد الأعظم الغالب، واستبشاراً بقدوم مثال المدينة المنّورة الذي قام بهدى القرآن  وإمارة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يرتفع الإكراه والجبر وتسود الحرية وتتنافس الخيارات طوعاً وسلاماً وبإجماع الشعب يظهر الإسلام يتنامى ويتبارك وتزهق الجاهلية الباقية والثقافات الغازية.»

إنّ هذا القول يكشف عن أيّ نفسٍ مريضة، ملتوية التّفكير، معصوبة الضّمير، تنطوي عليها شخصيّة حسن التّرابي. فهو يتكلّم هنا عبر خطابين، أحدهما موجّه لأتباعه المصابين بلوثة الغفلة الطّهرانيّة من جانب، ولذلك يُكثر من الإشارة إلى نماذج الدّولة الإسلاميّة الأولى مع كامل إدراكه لمفارقة الواقع الحالي لما كان عليه الحال إبّان دولة المدينة، بينما في الجانب الآخر يُلمّح لمن يعقل دون أن يُفصح عن أهدافه المريضة في سوق الشّعب إلى الاستكانة لا لشيء إلاّ لإشباع شهواته السّلطويّة وحلمه السّقيم في أن يُكتب اسمُه ضمن قائمة من حكموا السّودان. فقصارى ما يحلم التّرابي في تحقيقه هو إعادة إنتاج الدّولة الشّموليّة بحسبما رفدت بذلك تجربة الأنظمة العربيّة العلمانيّة، مثل دولة جمال عبد النّاصر بمصر، ودولة حافظ الأسد بسوريا، ودولة صدّام حسين بالعراق، ثمّ دولة معمّر القذّافي بليبيا. فأين دولة المدينة من هذا؟

هذا هو المشروع الذي ساق فيه التّرابي أتباعه من خرّيجي الجامعات والثّانويّات السّودانيّة منذ أوائل ستّينات القرن العشرين في حالة سُعار لا تعرف الرّاحة في سبيل استلام السّلطة. ومع كلّ هذا، فهو لا يحمل رأياً طيّباً عن أتباعه الذين قذف بهم في أتون السّلطة عبر انقلاب الإنقاذ فأظهر مقاتلهم الأخلاقيّة الماحقة. فهو في موضع آخر يعترف بأنّ أتباعه لم يكونوا مؤهّلين فنّيّاً لإدارة أوضاع البلاد في غلواء استئثارهم بالأمر واعتدادهم به (ص 19): «ولقد تعرض كثير من الإسلاميين دون تجربة وعبرة سابقة للسلطة بشتى مواقعها فاحتوتهم الشهوة السلطانية بغير سابق تزكية للتقوى الحافظة التي تقاوم هواها وشيطانها وبغير حريات عامة ونظم دستورية متضابطة ففقدوا المعارض والمراقب والضابط الذي يحرك ويقوم ويذكر وينصح ويعالج ويحفظ.» لا غرو أن انقلبوا عليه عندما تبيّن لهم خيط الفساد الأبيض من خيط الحقّ الأسود، فوقعوا في الحمى، حمى المال العام وحمى دماء الشّعب فحُقّ عليهم غضبُ الشّعب والتّاريخ.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي