رشا عوض العنوان أعلاه هو تلخيص لتقرير اخباري عرضه تلفزيون    بي.بي.سي عن مجموعة من الشبان المسلمين من ابناء الجيل الثاني الذي نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما بدأ يرتاد المساجد شعر بالغربة داخلها،

وأحس ان هذا المكان لا يلبي احتياجاته،

ولذلك قام هؤلاء الشباب بإطلاق دعوة أسموها”الدعوة للتخلي عن المسجد” وتأسيس بديل له أسموه “المكان الثالث”، وقام الشاب أحمد عيد وهو من أصل مصري، بإنتاج فيلم وثائقي يشرح مدى عدم ملاءمة المساجد الموجودة لاحتياجاتهم في “التقرب إلى الله” ومن ثم طرح دعوتهم لإقامة “المكان الثالث” حتى يتمكن هؤلاء الشباب من “التقرب إلى الله” في مكان يألفهم ويألفوه. وقال منتج الفيلم”ان الذين أسسوا المساجد في السبعينات والثمانينات أسسوا مساجد شبيهة ببيوتهم وتعكس ثقافتهم، وأبناء وأحفاد من أسسوا تلك المساجد لا علاقة لهم بتلك الثقافة”

وعرض الفيلم امرأة مسلمة ترتدي زيا محتشما يشمل تغطية الرأس، تحدثت عن وضعية النساء في احد المساجد، فذكرت ان النساء معزولات تماما عن الرجال بواسطة جدار، وعندما تكون هناك دروس دينية النساء يستمعن عبر مايكروفون ولا يسمح لهن بالمشاركة او توجيه الأسئلة مباشرة بل يكتبن اسئلتهن في ورق ويمررنها من خلال فتحة في الجدار العازل، وقالت انها غير مقتنعة بأن لا تكون المرأة حاضرة في المسجد حضورا كاملا يسمح لها بالتفاعل والمشاركة بالرأي.

هذه الحادثة تعكس بمنتهى البساطة وبمنتهى العمق كذلك، مأزق المسلم المعاصر، الذي يرغب ان يكون متدينا ووفيا لدينه، ولكن وعيه تشكل في ظل ثقافة حقوق الإنسان العالمية المعاصرة، وأصبحت هذه الثقافة قيمة كبرى عزيزة عليه ليس لأنها مفروضة بقوة أو قانون أو إكراه، بل لأنها في حد ذاتها تتمتع بسمو أخلاقي يفرض مشروعيتها فرضا على كل صاحب فطرة سوية، ويجعله يتمناها جزءا لا يتجزأ من كيانه الثقافي والحضاري، وهذا يقتضي ان يكون دينه متصالحا معها، ولكن هذا المسلم المعاصر عندما يذهب إلى المساجد في طول العالم وعرضه يستمع إلى خطباء مبتدأ جملتهم الدينية وخبرها في الغالب، هو ان النموذج الإسلامي الصحيح موجود في الماضي وليس في الحاضر او المستقبل، وأن الوفاء لهذا الإسلام هو بقدر الاجتهاد في تسريع الارتحال من التاريخ! وهذا المسلم يري بام عينيه هذا الارتحال ماثلا في نوعية الخطاب الذي يبثه المسجد، بل يجده متجسدا في المباني نفسها، والشاهد على ذلك وجود جدار عازل بين الرجال والنساء في مسجد مشيد في مدينة أمريكية! وربما يكون هذا ما عناه الشاب احمد عيد عندما قال ان من أسسوا المساجد اسسوها على نمط بيوتهم! وفي الغالب الذين يشيدون المساجد قادمون من الدول النفطية في شبه الجزيرة العربية، وهؤلاء مشبعون بالافكار السلفية المتشددة التي شغلها الشاغل استبعاد المرأة وتكبيل حركتها، باعتبارها قنبلة جنسية متحركة يمكن ان تنفجر حتى داخل المسجد! وفعلا أمر مثير للدهشة افتراض ان وجود الرجال والنساء حتى داخل المسجد يثير الفتنة الجنسية! وإذا فشل المسجد في تحرير الرجال والنساء من سلطان الغريزة الجنسية لمدة عشر دقائق هي زمن أداء الصلاة، ولمدة ربع  ساعة هي زمن خطبة الجمعة ولمدة ساعة هي زمن  الدرس الديني، إذا فشل المسجد في ذلك عبر إشاعة المناخ الروحي الذي يجعل العفة من قبل الرجال والنساء سلوكا تلقائيا ولجأ الى فرضها عبر جدار عازل! فيصبح التساؤل عن جدوى مثل هذا المسجد تساؤلا مشروعا!

المسلمون المعاصرون في عالم اليوم في حالة مأساوية، وإزاء هذه الحالة انقسموا إلى ثلاثة أقسام رئيسة، القسم الأول يحتفظ بعقيدته وبعلاقته الشعائرية بالمسجد ولا يقيم وزنا لما يقوله خطباء(الارتحال من التاريخ)، إدراكا منه للعواقب الوخيمة المترتبة على تطبيق أقوالهم أو للصعوبة العملية لتطبيقها، وبالتالي يستمع إليها وهو في قرارة نفسه مقتنع بانها تمثل الاسلام الصحيح ولكنه ليست لديه العزيمة والحماسة الدينية الكافية للالتزام بتلك الاقوال وتطبيقها عمليا وينتج عن ذلك حالة (طالبان الكامنة،الخاملة) أو (القاعدة الكامنة،الخاملة) أو(بوكو حرام الكامنة،الخاملة) والإشكالية الكبرى ان هذا القسم هو الأكثرية، فكثير من المسلمين المعاصرين يتعايشون مع مفردات العصر الحديث بحكم الأمر الواقع، ولكنهم يستبطنون فكرة يقينية بأنها تناقض دينهم الذي يجب ان يقيم بنيانه على أنقاضها! اي على أنقاض النظام الدولي المعاصر وأممه المتحدة ومواثيقه واتفاقياته وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى اللبنة الأساسية لتكوينه أي الدولة الوطنية الحديثة، وهذا الجزء ليس كتلة صماء، أي ليس كله يمكن توصيفه على النحو السابق بشكل قاطع، فلا شك ان هناك بعض الفئات المرنة والتي تعارض ممارسات طالبان والقاعدة وبوكو حرام لان نتائج هذه الممارسات مرفوضة بالفطرة السوية، ولكنهم متصالحون مع  “منهج التفكير” الذي أنتج “طالبان والقاعدة وبوكو حرام” ولا يملكون له منهجا بديلا، وهنا تكمن الخطورة!

القسم الثاني هو من يمتلكون العزيمة والحماسة الدينية الكافية والعاطفة الجياشة فيتحولون من حالة (طالبان أو القاعدة أو بوكو حرام الكامنة، الخاملة) إلى الحالة الحركية  النشطة، وبطبيعة الحال هناك معادلات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة تؤثر في عملية تحويل المسلمين من الحالة الخاملة الى الحالة النشطة في التطرف، وهناك أصابع استخبارية داخل أوطان المسلمين وخارجها تلعب بمهارة في تحريك هذه العملية والاستثمار السياسي فيها، وكل هذه المعادلات والأصابع تستوجب الرصد والدراسة، ولكن ما يعنينا في هذه المقالة هو المادة الخام التي تشتغل عليها تلك المعادلات والأصابع، أي العواطف والأفكار الدينية.

أما القسم الثالث فهو المسلمون المستنيرون، الذين يدركون المشكلة ويبحثون بجدية عن حلول منهجية لها، وهؤلاء أيضا ليسوا كتلة صماء، بل تيارات متعددة ومختلفة، ومتفاوتة في مدى جديتها وجذريتها في تجاوز “الفكر التقليدي النقلي الاتباعي (السلفي)” المسئول عن انتاج “التخلف” الكامن والحركي، الخامل والنشط! والرابط بين هذه التيارات المستنيرة هو الوعي العميق بخطورة المأزق الحضاري المترتب على وضعية” ان يكون الدين أسيرا لدى السلفيين على اختلاف تياراتهم، ومن ثم يكون الفكر السلفي هو المرجعية المعيارية لقياس إسلامية أو عدم إسلامية الأفكار والسلوكيات والمواقف الفلسفية والخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيفرض وصاية مغلظة على المسلمين المتدينين” لأن هذه الوضعية تجعل”الارتحال من التاريخ وتناقض المسلم المعاصر مع ذاته ومع ضميره الأخلاقي ووعيه الذي تشكل من خلاصات تجارب عصره ” الشرط الابتدائي اللازم والكافي لأن يكون المسلم متدينا!

ومن المسلمين كذلك من يتجاوزون التنظير والخوض في الجدل الفكري والانشغال بتأسيس المذهبيات الجديدة، ويجترحون لأنفسهم حلولا خاصة، تجعلهم يمارسون تدينهم بالكيفية التي تجعلهم متصالحين مع ذواتهم، وهذا أيضا تيار متعدد ومختلف،

الشباب الذين تبنوا الدعوة للتخلي عن المسجد هم نموذج حي لمسلمين حائرين، مرتبطين بالإسلام ويحبونه ومخلصين في تدينهم، لأنهم لو لم يكونوا كذلك لما أجهدوا أنفسهم في البحث عن بديل للمسجد كي يمارسوا فيه عبادتهم، لا سيما انهم يعيشون في أمريكا التي تكفل لهم حرية عدم التدين، بل حرية ان يكونوا ملحدين، وفيها من مؤسسات اللهو والترفيه والبهجة لأمثالهم من الشباب ما يكفي لأن يزجي فراغهم لو كان الأمر لديهم مجرد تزجية فراغ! ولكن يبدو ان الدين والتدين في صلب اهتمامات هؤلاء الشباب،

وحسنا فعلوا بالابتعاد عن مساجد”الارتحال من التاريخ” حتى لا يجدون أنفسهم ذات يوم يشاركون في جز الرؤوس مع “داعش” او”دامس” او “طالبان”

ولكن يبقى السؤال المركزي والتاريخي أمام المسلمين جميعا: متى تتحرر مساجدنا من قبضة الخطاب”الطالباني، القاعدي، الداعشي، البوكو حرامي” الخامل والنشط على حد سواء؟