ترجمة واستعراض: د. زهير السراج * فى عام 1902 أسس الجنرال البريطانى  كتشنر حاكم عام السودان كلية غردون التذكارية تخليدا لذكرى الجنرال غردون حاكم عام السودان السابق

الذى قتلته قوات المهدى بعد استيلائها على الخرطوم فى عام 1885، ولتأهيل بعض السودانيين ليشغلوا الوظائف البسيطة  مثل (الكتبة) التى يحتاجها البريطانيون لإدارة السودان، وقد أدى ذلك لنشوء نخبة من المتعلمين السودانيين قاد بعضهم فيما بعد حركة التحرر الوطنى خاصة بعد التطور الذى شهدته الكلية واضافة معاهد اخرى لها من بينها مدرسة كتشنر للعلوم الطبية فى عام 1936، ثم تحولها الى كلية الخرطوم الجامعية فى عام 1951 التى أسميت بجامعة الخرطوم بعد استقلال السودان وبرزت كأحسن الجامعات الأفريقية  أكاديميا وحققت لنفسها شهرة واسعة قبل ان ينحدر مستواها فى تسعينيات القرن العشرين بسبب تعرضها للتسييس على يد حكومة البشير التى استولت على الحكم بانقلاب عسكرى فى عام 1989.

 

* كان لهذه النخبة من المتعلمين رأى سلبى فى الإدارة الأهلية التى اعتمد عليها البريطانيون فى حكم البلاد إذ كانوا ينظرون إليها كأداة لتعزيز حكم الاستعمار البريطانى ووسيلة لإبعادهم من المشاركة فى ادارة شؤون البلاد ، ومن ثم عملوا على محاربتها ورفع شعارات مناهضة للاستعمار،  ولكن ظل تأثيرهم الشعبى ضعيفا مقارنة بتأثير الأحزاب الدينية الطائفية التى ظهرت وقتذاك وكان لها تأثير واضح بين أفراد الشعب بما ترفعه من شعارات دينية، وعلى كل حال فإن تنامى الشعور الوطنى كان مما يحسب لتلك المؤسسة التعليمية بأشكالها المختلفة وللنخبة التى التحقت بها خاصة فى الفترة التى سبقت استقلال السودان فى عام 1956 ..!!

 

* اذا قارنا الوضع فى جنوب السودان آنذاك بالاوضاع التى استحدثها البريطانيون فى شمال السودان، نكتشف أن البريطانيين احتاجوا الى أكثر من ثلاثين عاما بعد قضائهم على دولة المهدية ليؤسسوا نظاما حكوميا اداريا فى الجنوب، خاصة بعد شق الطريق النيلى جنوبا وسط  منطقة المستنقعات الذى أتاح للاداريين البريطانيين التنقل بين الشمال والجنوب بقوارب بخارية وكان من المألوف أن ترى قاربا بخاريا وقتذاك يحمل على متنه قاضيا بريطانيا وسجنا لمحاكمة وسجن المواطنين الجنوبيين الذين يرتكبون بعض الجرائم الكبرى.

 

* ولقد انتهج البريطانيون فى الجنوب سياسة يمكن ان نطلق عليها اسم سياسة (التجاهل الحميد) لعزل الجنوب عن الشمال بغرض حماية الجنوبيين من تجارة الرقيق بالاضافة الى إقامة عازل جغرافى  يحول دون انتشار الدين الاسلامى جنوبا الى افريقيا خشية منه على استقرار امبراطوريتهم !!

 

* كان الرق وتجارة الرقيق كمؤسسة اجتماعية أمرا واسع الانتشار فى القرن التاسع عشر لدرجة ان غردون باشا كان مؤمنا ان ان ثلثى مواطنى السودان يعانون من الرق فى ذلك الوقت، وبالتالى فان اى محاولة لتدمير تلك المؤسسة  بشكل كامل كان سيحرم المستعمرة السودانية من ثلثى ايراداتها، غير أن مؤرخين آخرين رأوا فى تلك الأرقام بعض المبالغة، وانها لم تكن تزيد عن 20 الى 30 % من اجمالى عدد السكان عندما إحتل البريطانيون السودان فى عام 1898. فى عام 1910 وصل  القائد البريطانى وحاكم عام السودان انذاك الجنرال ريجناللد وينجت بقواته الى الجنوب وقام بطرد الكتيبة السودانية والتجار والاداريين الشماليين من الجنوب، محكما بذلك عزل جنوب السودان عن شماله.

 

* فى مقابل ذلك ترك البريطانيون السلطة التقليدية الاسلامية فى الشمال بدون التدخل فى  شؤونها الخاصة، كما عملوا على تقوية الوجود الاسلامى المصرى وذلك بغرض إضعاف تأثير (النخبة المهدوية ) التى كانوا يخشون من تأثيرها على المواطنين، ولكنهم فى نفس الوقت احتضنوا ابن محمد احمد المهدى (المرحوم) السيد عبدالرحمن المهدى وأسرته ومنحوهم إمتياز توريد وتجارة الأغذية واللحوم والأخشاب وحطب الحريق فأثروهم وكسبوا ولاءهم ..!!

 

* من ناحية اخرى شجع البريطانيون الأقليات المسيحية فى الجنوب لإثبات وجودها بدون ان ينحازوا لطائفة معينة تفاديا للصراع الدينى بين الطوائف المسيحية المتعددة ومن بينها الإرسالية الكاثوليكية الرومانية المعروفة باسم (كمبونى) التى بدأت أعمالها منذ منتثصف القرن التاسع عشر (1842 ) فى منطقة رمبيك بجنوب السودان ولا يزال لها وجود مؤثر ومؤسسة تعليمية شهيرة حتى اليوم فى السودان يتسابق للانضمام اليها عدد كبير من ابناء النخبة ومن بينهم ابناء القبائل الكبيرة الثلاثة الجعلية والشايقية والدناقلة.  أما بقية الطوائف الأخرى مثل الانجيلية  والخمسينية والامريكية والبريطانية المشيخية (Presbyterians)خشابأخ فلقد بدأت فى عام 1899، ولقد اتخذت الطائفة الإنجيلية من ام درمان مقرا لها ولكن كان لها بعثات فى الجنوب وبعض مناطق الشمال، وتعتبر الطائفة الخمسينية التى أنشأها السويديون من أكبر الطوائف المسيحية الآن واوسعها إنتشارا فى جنوب السودان!!

 

* وبينما شجع البريطانيون الأقليات المسيحية فى الجنوب لإثبات وجودها والتوسع فى أعمالها التبشيرية، فإنهم حرموا القبائل النيلية الجنوبية الكبرى الثلاث، الدينكا والشلك والنوير، من تكوين هياكل هرمية إدارية وزعامات تقليدية قوية خوفا على إستقرار سلطتهم، ولجأوا بدلا عن ذلك الى تعيين سلاطين قبليين تابعين لهم حتى يضمنوا ولاءهم لهم وتنفيذ ارادتهم فى الحكم، وظل هذا النظام الإدارى الهش قائما حتى خروج البريطانيين من السودان فى عام 1956 .

 

 

 

 

8