اليوم هو الثلاثين من يونيو الذي يصادف الذكرى الخامسة والعشرين للنكبة السودانية الكبرى في تاريخ السودان المعاصر، ففي مثل هذا اليوم من عام 1989 نفذ ضباط من الجيش السوداني بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير –حينها-

انقلابا عسكريا على نظام حكم ديمقراطي  تنفيذا لقرار مجلس شورى حزب الجبهة الإسلامية القومية بقيادة الدكتور حسن عبد الله الترابي، حيث قرر حزب الإسلامويين  الاستيلاء على السلطة انقلابيا،  مطلقين على انقلابهم مسمى (ثورة الإنقاذ الوطني)!
في عهد ما سمي ب(الإنقاذ) عاش السودان أسوأ تجربة حكم استبدادي في تاريخه المعاصر، حيث اختلفت عن الدكتاتوريات التي سبقتها باستنادها الى  مشروع آيدولوجي يهدف الى الهيمنة الكاملة على الدولة والمجتمع، وهو مشروع تفكيكي حيث يحمل في طياته بذور الفتنة الدينية التي تهدد بتقسيم الوطن على أساس ديني.

 ووسائل هذه الهيمنة هي احتكار السلطة السياسية واختطاف جهاز الدولة لصالح الحزب الحاكم بإفراغ أجهزة الخدمة العامة من العناصر غير الموالية، و احتكار السوق والفرص الاقتصادية والاستثمارية رغم أنف التحرير الاقتصادي، و تفصيل القوانين على مصالح الحزب الحاكم ومحاسيبه، وتسخير المناهج التعليمية وأجهزة الدولة الإعلامية للتعبئة السياسية والآيدولوجية لصالح الحزب الحاكم، فكانت النتيجة ان الحزب الحاكم الآن هو المهيمن على السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وحتى على السلطة الرابعة إلى حد كبير!
أما نتائج هذه الهيمنة الإسلاموية على الحكم لمدة ربع قرن فهي فشل على الصعيد السياسي والاقتصادي والتنموي تجلياته احتلال السودان لمواقع الصدارة في قوائم الدول الفاشلة على مستوى العالم، وتصويت ثلث الوطن للانفصال عنه بنسبة 99%! ، واشتعال الحرب الأهلية في الجنوب الجديد(جنوب كردفان)، و(جنوب النيل الأزرق)، كما اشتعلت في دارفور وما زالت، وانهيارالقطاعات المنتجة في الاقتصاد ، وانهيار مريع في التعليم العام والعالي وتدمير للخدمة المدنية، وحدة الاستقطاب السياسي على أسس عرقية وقبلية وجهوية حتى داخل التنظيم الإسلاموي الحاكم! وانحطاط أخلاقي مريع تجسده الانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان في الجنوب ودارفور وجبال النوبة أثناء الحرب، وفي بيوت الأشباح أثناء السلم! وتجسده جرائم الحرب من مجازر جماعية وتعذيب واغتصاب، كما يجسده الفساد الذي أحرز فيه السودان المرتبة الأولى أفريقيا والثالثة عالميا، والدرك الأسفل لهذا الانحطاط هو استغلال الدين في تبرير كل جرائم السلطة والدفاع عن مصالحها الدنيوية واصطفاف من يدعون أنهم علماء الإسلام ودعاته في صف الاستبداد والفساد أو التواطؤ معه بالصمت على جرائمه!

هذا إضافة إلى الفشل حتى في الوفاء للشعارات الإسلاموية من قبيل رفض التبعية للأجنبي، وقد رأينا كيف أن هذا النظام لا يستجيب إلا لإملاءات الأجانب، وقد تابع العالم كله كيف ابتلع النظام حكم الإعدام الذي صدر ضد مواطنة سودانية بسبب الردة تحت ضغط المجتمع الدولي! ووضع ما يسميه ب”قوانين الشريعة الاسلامية” تحت قدميه خوفا من غضب الغرب!  كما رأينا كيف قادته شهوة البقاء في السلطة إلى استرضاء أمريكا التي دنا عذابها بتقديم الخدمات الاستخبارية لها للدرجة التي جعلت مسؤلا إنقاذيا يقول(كنا عيون وآذان أمريكا في المنطقة)!!


الثلاثين من يونيو يوم نكبة وطنية كبيرة على السودانيين التوقف عند ذكراها كما يتوقف الفلسطينيون عند ذكرى نكبة 1948 ! عليهم ان يفعلوا ذلك لاستجماع إرادتهم للتغيير الشامل والجذري.!