سيف الدولة حمدنا الله اليوم – 30 يونيو 2014 -  يُكمل النظام خمس وعشرون عاماً وهو مُمسك على رقابنا دون أن تكون هناك أي أمارة واضحة تُشير إلى قُرب نهايته،

وهذه مناسبة لجرد الحساب والوقوف مع النفس لمحاولة معرفة السبب الذي يجعل شعباً كله فرسان والمرأة فيه بعشرة رجال يقف عاجزاً عن وضع نهاية لعصابة من بضعة مئات من أصحاب الكروش والأرداف وهو يقف يتفرج عليها وهي تختطف الوطن بما فيه وتجعل من شعبه رهائن، ولنبحث في السبب الذي يجعل شعبنا يلزم هذا الصمت الطويل ويعيش في مثل هذا الخنوع وهو يرى وطنه يتسرب من بين يديه ويتبخر في الهواء دون أن يكون هناك تحرك جدّي يعتق به رقبته.

في عشية إنفصال الجنوب – وهي مناسبة أكثر بؤساً – كنت قد كتبت شيئاً بهذا المعنى، ذلك أن مثل هذه المحطات الكبيرة ينبغي إنتهازها فرصة لمواجهة النفس بالحقيقة، لنعرف السبب الذي جعل الشعب الذي قهر الطغيان في ثورتين يقف عاجزاً أمام نظام بهذا الضعف والهوان 

آخر ما ينتظره الشعب أن يأتي التغيير بأيدي الذين تسببوا في حدوث الكارثة، فالشعب الذي صبر ربع قرن على هذه المهزلة لا يمكنه أن يصوم ثم يفطر على بصلة تالفة، فليس هناك ما أفسد على الشعب ثوراته السابقة وأفرغها من مراميها غير الذين قفزوا من الوسائد إلى كراسي السلطة، فحينما أطاح الشعب بحكم الرئيس النميري (أبريل 1985)، كان المطلب الرئيسي للثورة هو “كنس آثار مايو”، بإزالة القوانين الجائرة وتحقيق القصاص والمحاسبة عن الجرائم التي وقعت خلال تلك الفترة، ولكن ما حدث أن آثار مايو هي التي “كنست” ثورة أبريل، وليس الحال اليوم بأفضل مما كان عليه في 1985 إن لم يكن أسوأ، فالأحزاب السياسية الكبيرة هي جزء من النظام الذي ينتظر الشعب تغييره وإن أنكرت ذلك.

والحال كذلك، فالجهة الوحيدة التي تستطيع إحداث التغيير الذي يحقق ما ينتظره الشعب من قيام الثورة بمحاسبة الذين أوقفوا حاله ونهبوا ثرواته والذين إرتكبوا جرائم في حقه هو تحالف يقوم بين قوى الشباب الذين خرجوا للشارع وواجهوا النظام (حزب المؤتمر السوداني، قرفنا ..الخ) من جهة والجبهة الثورية من جهة أخرى، فأي تغيير يأتي بغير هذا التحالف  سوف يؤدي إلى إجهاض الثورة من جديد.

بيد أن هناك مشكلة تعاني منها الجبهة الثورية، وهي أن قيادتها تفكّر في السر وتكتفي بعملها في الميدان، وتبدو وكأنها زاهدة في الحصول على التأييد الشعبي، فهي لم لا تبذل جهداً يُذكر في تعريف الناس ببرنامجها السياسي وأهدافها، وقد إختارت أن تترك الساحة خالية للنظام ليُشيع عنها ما يريد، كالقول بأنها حركة عنصرية تهدف لإخضاع أهل السودان لسيطرتها، والقول بأنها تريد فصل المناطق الثلاثة لتصبح دولة واحدة أو مجموعة دويلات، والشعب لا يُمكنه مناصرة جهة على المغطى دون معرفة أهدافها ومراميها، ولا بد للجبهة الثورية أن ترفع بصرها من فوق قدميها لترى آخر الطريق، فقد حان الوقت  لتُدرك بأن البندقية وحدها لا يمكن أن تحقق الإنتصار، ونصيحتنا للجبهة الثورية ليست جديدة عليها، فقد سبق أن أشرنا لها من قبل، بأن فعل الكلمة والمعلومة أصبح أقوى من الصاروخ والمدفعية، وأن كل ما تحققه في ميدان الحرب تُهديه إلى خصمها ما دامت تفتقر إلى وسيلة تبليغ الرسالة المُصاحبة للإنتصار.

ليس هناك دليل على وجود خطأ في منهج ووسيلة منازلة المعارضة للنظام مثل العجز عن تغييره لكل هذه السنوات، برغم بؤسه وفشله وعجزه وظلمه وفساده، والمطلوب اليوم من الجبهة الثورية أن تجعل من مرور هذه الذكرى الكئيبة مناسبة لبداية جديدة، تعتمد على تطوير وسائل الإتصال بالجماهير بما يضمن شرح أهداف وبرامج الجبهة وبما يدحض ما يُشيعه النظام حولها، وأكثر ما يُمكن أن يُسهم في ذلك هو تبني الجبهة لمشروع إنشاء قناة فضائية تُبشر بالوحدة والحرية والمساواة والديمقراطية لكل أبناء الوطن، وتعمل على كشف وتعرية فساد وظلم النظام، وتكون منبراً لمناقشة وسيلة بناء سودان ما بعد الإنقاذ وكيفية تنفيذ أجندة الثورة وتحقيق القصاص، وأن تعتمد خطاب منتظم لجماهير الشعب يستهدف الشباب وخاصة من أبناء المناطق التي تشهد الحرب يقاتلون في صفوف الإنقاذ ضد أهلهم في تلك المناطق (معظم عناصر الأمن والجيش والإحتياطي المركزي الذين يديرون الحرب اليوم نيابة عن النظام هم من أبناء النوبة ودارفور).

صدق من وصف الإنقاذ بأنها “يونيو الأسود”.

saifuldawlah@hotmail.com