محمّد جلال أحمد هاشم* مفهوم التّرابي لظاهرة الفساد التي اجتاحت نظام الإنقاذ قام نظام الإنقاذ في أيّامه الأولى، أي عندما كان التّرابي يدير الأمور من مخبئه، باتّخاذ قرارين كان لهما أكبر الأثر في نشر الفساد بين منسوبي تنظيم الإخوان المسلمين؛

كان القرار الأوّل هو تجاوز ومن ثمّ إلغاء أورنيك توريد المال العام (أـورنيك 15)؛ أمّا القرار الثّاني فكان تجاوز ومن ثمّ إلغاء نظام المشتروات المركزي للدّولة. كان أورنيك (15) ينظّم توريد الأمووال العامّة بطريقة مركزيّة مضبوطة عبرها يتأكّد المواطن من أنّ أيّ مليم يدفعه سوف يتجمّع لدى الخزينة المركزيّة ممثّلةً في وزارة الماليّة والاقتصاد التي بدورها سوف تقوم بتوزيع تلك الأموال والواردات بحسب خطّتها للميزانيّة. بإلغاء هذا، انفتح الباب أما أيّ جهة حكوميّة كيما تقوم بتقرير الجبايات والرّسوم بطريقة اعتباطيّة ومن ثمّ التّصرّف فيما جمعته من تلقاء نفسها وبلا أيّ رقابة حكوميّة كون الحكومة لا تعرف ما جُمع من مال. وبمجرّد إلغاء نظام المشتروات المركزي، شرعت ذات الجهات الحكوميّة، كلٌّ على حدة ودون أيّ تنسيق، بارتياد الأسواق المحلّيّة والعالميّة في سبيل شراء ما تحتاج إليه دون أيّ رقابة من أيّ جهة حكوميّة كون الحكومة لم تعد قادرة على الإلمام بما تمّ شراؤه. هذا هو ما فتح باب الفساد على مصراعيه لمنسوبي حركة الإخوان المسلمين، فدخلوا فيه وهم يهلّلون ويكبّرون، ظنّاً منهم في غفلتهم الطّهرانيّة أنّ الدّولة ليست سوى فيء عظيم أمكنه الله منه لسابق مجاهداتهم. هذا ما كان من أمر أولئك الطُّهرانيّين الغافلين، فماذا عن التّرابي الذي ينبغي أنّه يعلم من أمر الدّولة، إسلاميّها من علمانيّها، الكثير بحكم أنّه ظلّ يقود جماعته لحوالي نصف قرنٍ من الزّمان في سبيل أن يبلغوا السّلطة والحكم، فضلاً عن أنّه هو مدبّر االنقلاب الذي قاده عسكريّاً عمر البشير. فلنقرأ ما يقلوه التّرابي بهذا الشّأن (ص 22)

«الحمد لله لئن سقط من أبناء الحركة الإسلامية كثير ممن ورطوا في أوحال الحياة العامة أو خاضوا هوامشها وأخذتهم شهوة السلطة ورهبة الوظائف والدواوين العليا ورغبة مخصصاتها من المتاع والجاه والاستكبار وفتنة الولاية على المال العام مغتنماً أو مستباحاً واجتاحتهم المزاعم بشرعية الأمر الواقع المنسوب ولادة للإسلام ــــ لئن عزت علينا تلك الخسارة ضلالاً مبيناً هبط بالبعض في وادي الباطل أو علّقهم نفاقاً بين ظاهر يتبلد فيه وباطن يميل إلى جانب الحق ــــ لئن خسرنا أولئك فقد ربحنا كثيراً إذ برز لنا عبر الفتنة الصادقون الأكثر أولوا العزم من لم يغرهم أو يرهبهم بلاء الدنيا العاجل، وخلص فينا المؤمنون بأحكام الشريعة السلطانية وأخلاقها السياسية: الأمانة والوفاء للعهود والسماحة والحرية للرأي المخالف واشتراك الناس سواسية في الأمر العام تناصحاً وتشاوراً واستقراراً على الإجماع. وقد أكسبتنا التجربة اتعاظاً بما تتعرض له مشروعات الحكم الإسلامي أن قد يتولاها من يفتن بعد عهد الشروع الصادق فيعتزل المستقيمين على الطريق وينحرف منزلقاً في الشهوات والأهواء …»

هنا يكشف التّرابي عن طبيعته الطّهرانيّة ومجافاة عقله للنّظر في أمور الدّنيا بمنظار عقلاني عندما يرهن انصلاح الولاة بانصلاح نفوسهم، لا بمتانة مؤسّسات الحكم وقوانينه المنظّمة. فهو يقول (ص.ص. 22-23):

«وكانت العبرة أيضاً من محصول التجربة ألا نخلي من نوليه السلطة مهما كانت تقواه وقوته جائلاً وحده في مجاله لئلا يغشاه الشيطان فيغويه ويفسده لا سيما لطول المكث في الولاية ولئلا يقصر في التكليف ويضل عن حد الاختصاص لفقد الرقيب المذكر والضابط المقوّم. بل ينبغي أن يبتلى كل وال لإمارة أو وظيفة سياسية بعهد قصير الأجل قبل أن يفرغ جهده أو يتمادى وأن يحاط بآخرين حوله وفوقه حتى يوقى الفتنة ويتذكر ويستقيم أداؤه.»

ويستغرق التّرابي في تهويماته الطّهرانيّة، تغريراً لأتباعه، رابطاً بين الثّورة وأصول الدّين وهو الذي لا يملك من أمرها رشدا بخلاف ما رفدت به تجربة الأنظمة العربيّة الشّموليّة العلمانيّة (ص 24): «لابد أولاً بعد الجمود المطبق من ثورة علمية فكرية بعثاً لأصول علم الدين وتوليداً لفروعه اهتداء بآيات التنزيل وتفكراً في آيات الطبيعة والبشر وتفاعلاً مع فكر العالم.»

 

التّرابي ومشكلة جنوب السّودان

يتناول التّرابي مشكلة جنوب السّودان في كتابه بطريقة ملتوية تحتشد بالتّناقضات، يُخفي فيها حقيقة توجّهاته وفهمه للمشكلة حيث يرمي بكلمة هنا وأخرى هناك، مغلّفاً كلّ هذا بورق الشّعارات والكلام العاطفي الذي لا يُغني ولا يسمن. نقرأ (ص.ص. 26-27):

«إن السودان قد لازمته أزمة الجنوب منذ الاستقلال وعجز أن يتجاوزها، فاستمر الجنوب جاهلاً فقيراً مستضعفاً، ولم يستو ميزان العدل في الحظوظ النامية من العلم والمال والمتاع ولا في أسهم شركة السلطة، ولم تتآلف القلوب بل تضطرب الثقة في نفوس الجنوبيين كلما ازدادوا وعياً بحالهم. وقد انفتح الحال لتدخل مبادرات سلم وصلح من الخارج لأن مشاهد ظهرت للعالم من البؤس النسبي والجوع والحرب الأهلية والدم والنزوح وفي أفواج اللجوء للجيران وأفراد المثقفين المهاجرين. هذا ابتلاء قدره الله ليبين موقف أهل الشمال عامة وهم الأقوى والأغنى والإسلاميين خاصة وهم حملة دعوة السلم والوحدة بين البشر. إن الجنوب فرصة لثورة تؤلف بين القلوب توالياً وطنياً وتقارب مستوى الحظوظ علماً وعيشة وتشرك في السلطة والثروة عدلاً دستورياً وتطفئ نيران الحرب الأهلية وتؤسس الوحدة الاجتماعية هجرة وتزاوجاً والوطنية حرية واختياراً. وذلك ليبنى السودان بطاقاته المتوافرة بعد ضياع وتساقط ويظهر لأفريقيا وللعالمين نموذجاً لأثر الإسلام الداعي للحرية وللعدالة وللوحدة وراء العرق واللون ولتجاوز فجوات الفضل في المعاش والاختلاف في ملل الأديان والثقافة بين بني الإنسان. ومن ثم ينفتح السودان ليتوحد إلى جيرانه وما وراءهم نحو العالم.»

أوّل ما نلاحظه في قوله هذا غياب أيّ إشارة للدّور الخطير الذي قامت به دولة الإنقاذ منذ أيّامها الأولى، أي عندما كانت للتّرابي اليد العليا في إدارة شئون البلاد. ونعني بذلك تحويل الحرب في الجنوب من حرب مدنيّة ينطبق عليها وصف التّرابي أعلاه إلى حرب دينيّة، أي إلى جهاد. ولنلاحظ أنّ دولة الإنقاذ لم تستخدم كلمة «الجهاد» بأكثر ممّا استخدمتها في توصيف حرب الجنوب. وقد كان ذلك هو الإسفين الذي دُقّ في نعش الوحدة الوطنيّة. نعم، لازمت حرب الجنوب السّودان لعقود، لكنّها كانت إلى لحظة قيام غنقلاب الإنقاذ  الذي دبّره حسن التّرابي صراعاً مدنيّاً سياسيّاً، كما كانت القوى الجنوبيّة، وعلى رأسها الحركة الشّعبيّة لتحرير السّودان تنظر للصّراع على أنّه بتلك الصّيغة. كلّ هذا تبدّل بعد مجء انقلاب الإنقاذ الذي قام حسن التّرابي بتدبيره. فبعدها أصبحت حرب الجنوب جهاداً دينيّاً، كما أصبح المحابرون مجاهدين في سبيل الله. ليس ذلك فحسب، بل أصبحت لهم كرامات تسير بقصصها الرّكبان وترويها البرامج التّلفزيونيّة. وأصبح عندنا شيء اسمه «عرس الشّهيد» عندما يُقتل أحدُهم، إذ يسيّرونه عريساً للحور العين بالجنّة. وقد كان للتّرابي باع كبير في عقد قران هذه الزّيجات الملائكيّة. إلاّ أنّه يتنصّل منها جميعُها الآن عندما أصبح خارج السّلطة. ولا نعني هنا أقواله النّاجمة عن مراراته المعتملة بداخله عندما صرّح بأنّهم جميع أولئك الشّهداء إنّما ماتوا ميتة الفطائس. فالتّرابي يفعل هذا في كتابه الذي يعمر بالحديث عن الجهاد وكيف أنّه في بداية عهد الإنقاذ قد استخدم الجهاد كوسيلة لتطويع المعارضين المدنيّين، ثمّ لإطفاء فتنة الحرب عبر قمعها عسكريّاً بالجهاد. لكنّه عندما جاء للحديث عن الجنوب صراحةً إذا به يتّبع أسلوبه في المراوغة والتّعمية، فلا يُشير إلى دور الجهاد وتحويل حرب الجنوب إلى حرب دينيّة بين المسلمين من جانب والكفّار من الجانب الآخر.

ففي مواقع أخرى من كتابه، نجد التّرابي يتحدّث عن دور الجهاد في تطويع السّودانيّين بشمالهم وجنوبهم وذلك بحملهم على إمّا اتّباع مذهبهم الدّيني أو الانصياع له. فهو يقول (ص 8):

«وسلطان السودان أو مجتمعه أو ثقافته أو معاشه لن ينطلق نامياً بالخير والعدل إلا إذا استقام بهدى الدين الموحد وحب الوطن الجامع للمواطنين كافة حيثما كانوا شمالاً وجنوباً. وأول عهد الإنقاذ سرت تلك المعاني عبر فتوحات عسكرية بقوة الجهاد الذي كان يتوجه بتقواه لوحدة عادلة ويهدف إلى أن يؤلف ويجمع لا يصدع المواطنين بالعنف ولا ينفرهم عدواً. ولقد ‏أخذت دعوة الإسلام تمتد في الجنوب تذكيراً وتبشيراً وتمهد فيه للمسلمين مجال نصيب عادل في رتب السلطة …»

وبالطّبع هذا تكذّب ما بعده تكذّب. فمتى كان الدّين عامل توحيدٍ في تاريخ المسلمين وهم الذين جاء عنهم في الأثر أنّهم سوف يتفرّقون إلى إثنتين وسبعين فرقة، دع عنك السّودان في تاريخه الحديث. هذا بجانب المغالطة في قوله «بهدى الدين الموحد وحب الوطن الجامع للمواطنين كافة حيثما كانوا شمالاً وجنوباً». فهو هنا يتحدّث عن كيف صار الدّين موحّداً للجنوبيّين عبر الجهاد، أي عبر التّقتيل والتّشريد وحرق القرى فيما نعلم جميعاً من انتهاكات صارخة قامت بها دولة الإنقاذ في حروبها غير النّبيلة بجنوب السّودان. وعلى ما في هذا من تكذّب صارخ، إلاّ أنّه يحمل اعترافاً صريحاً بخطّة التّرابي في تطويع الجنوب، ليس عبر الحرب فحسب، بل الحرب الدّينيّة فيسمّيها باسمها «الجهاد». ويعكس فهم التّرابي لمشكلة الجنوب. فالجميع يعلم بأنّ تحويل حرب الجنوب إلى حرب دينيّة قد قامت به دولة الإنقاذ منذ الأيّام الأولى لها والتّرابي وقتها ممسك بأزمّة الأمور. إلاّ أنّ التّرابي يقول بعد هذا بحوالي 19 صفحة فقط في كتيّب صغير يبلغ حجمُه 32 صفحة فقط شيئاً مناقضاً تماماً حسبما رأينا أعلاه. لقد تغلب على التّرابي طبعُه فكشف عن فهمه الحقيقي لمسألة الجنوب في قوله «إن الجنوب فرصة لثورة تؤلف بين القلوب توالياً وطنياً وتقارب مستوى الحظوظ علماً وعيشة وتشرك في السلطة والثروة عدلاً دستورياً وتطفئ نيران الحرب الأهلية وتؤسس الوحدة الاجتماعية هجرة وتزاوجاً والوطنية حرية واختياراً». فما يعنيه بقوله «الوحدة الاجتماعية هجرة وتزاوجاً» قد مثّلته حالات التّسرّي التي قام بها المجاهدون إبّان حروبهم غير النّبيلة في جنوب السّودان عندما استحلّوا حرائر الجنوب وعاملوهم كغنائم حرب. أمّا ما يعنيه بقوله «والوطنية حرية واختياراً» فقد مثّله اختيار الجنوبيّين الانفصال عشيّة انعقاد استفتاء جنوب السّودان بفضل تحويل التّرابي للحرب المدنيّة السّياسيّة إلى حرب دينيّة.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي