خالد فضل       قبل عدة أيام نسب تصريح لرئيس السودان عمر البشير كرر فيه عبارات سمجة عن فهمه للحريات الصحفية

فهو على حد تعبيره مع الحريات المسؤولة وضد الحريات التي تحبط معنويات الشعب السوداني وتكسر عزيمته وتطعن في ممارساته وأخلاقه. وهو قول في عمومه ليس محل اختلاف فمعظم المنادين بالحريات يقفون الى الجانب الصحيح من المعادلة , أي الحريات القائمة على بث الأمل ومحاربة اليأس ومقاومة الفساد والاستبداد والفوضى والاستهتار والغش والخداع والارهاب السياسي والفكري والديني , معظم دعاة الحرية ينادون بحرية الضمير والتعبير والتنظيم والمشاركة في الشأن العام وتقديم الاطروحات أمام الشعب ليختار منها ما يناسبه دون املاء أو حجر أو اقصاء  ,  هم ينادون بوقف الحرب الرعناء التي تنشب اظافرها في جسد أبناء الوطن وتقضم في الناس والموارد , دعاة الحرية ينادون بسيادة السلام ولجم المليشيات التي تنتهك في أعراض الناس وتمارس في الجرائم بمباركة رسمية وتحت حماية وحصانة أجهزة الدولة , وهم إذ ينادون ببناء وطن يسع جميع ابنائه على قدم المساواة ووفق حقوق الانسان كاملة كما أقرتها البشرية منذ الاعلان العالمي لحقوق الانسان الى آخر العهود والمواثيق التي تواطأ ت عليها البشرية في سبيل ترقية حياة البشر في دنياهم الزائلة وعند عودة الأرواح لبارئها (مخير فيها) حيث لا سلطان لحاكم أو وجود لرئيس أو جهاز دولة يسيطر عليه نفر من الناس . فهل في وعي السيد الرئيس هذه المسؤولية وهو يقف الى جانب الحريات المسؤولة وشخصي على الأقل يقف معه في هذا الجانب إن كان سعادته يعي ما ينادي به ويعلم جوهره , فليس من أدبياتنا التي نجهر بها ذم انسان لاختلاف عرقه أو دينه أو نوعه أو موقفه السياسي , وليس في وعينا تصنيف الناس على أسس الموالاة الحزبية والقربى العرقية والاواصر الاسرية , من شاركنا في أيا منها صار ولي حميم ومن اختار موقف آحر أو ولد مختلفا أو تبنى موقفا مغايرا صار عدوا مبينا يستحق القتل والتنكيل والنفي والتعذيب , لا ليس في وعي دعاة حقوق الانسان الاصلاء دعوة لدغمسة أو حفاوة باستبداد أو رعاية وحماية لفساد أو ولوغ في المظالم وارتكاب الجرائم , الواقفون في صف الحرية سيدي الرئيس عمر البشير يحلمون ب (العالم ربوة جميلة عليها نسيم الصبح مخدة ) شعارهم حلم العالم ناس تتسالم والبني آدم صافي النية , جهدهم بناء (وطن حدادي مدادي وما بنبنيهو فرادي ) , فهل السيد الرئيس متأكد من وقوفه في الجانب الصحيح من معادلة الحرية وهو يؤكد وقوفه مع الحرية المسؤولة , فالحرية المسؤولة تستدعي الشفافية والمحاسبة , ولأن الحرية حق أساسي من حقوق الانسان وليست منحة يتفضل بها حاكم أو سلطان فإن قيدها ذاتي نابع من الضمير الحر اليقظ الذي يحس ويقرر ويتحمل نتائج قراره فهل في وعي رئيسنا المفدى شيئا من هذا ؟ هل يقر مبدأ المحاسبة والمساءلة الصحفية والقضائية ؟ هل في وعيه وسلوكه يقين بأن الحاكم خادم للشعب بشروط الشعب ووفق مصالحه أم أن الجكم عنده (شلناه بالبندقية والدايرة اجي يقلعا بالبندقية ) أو (الزارعنا غير الله يجي يقلعنا) الله!! حتى الله سبحانه وتعالى حمل مسؤولية تخطيط انقلاب وتنفيذ خيانة !! فهل الريس واع وفي تمام العقل والرشد وهو يدعو ويقف في صف الحريات المسؤولة ؟ 

أما ما يحبط الشعب السوداني ويكسر عزيمته ويطعن في ممارساته واخلاقه , فهم الذين اذلوا الشعب يوم تآمروا على حر اختياره فانقلبوا على الديمقراطية التعددية ونصبوا أنفسهم عن طريق الدبابة والرصاص والقتل والتعذيب في بيوت الاشباح المهولة وما يزالون يواصلون في ممارسة الاذلال لشعب السودان وكسر عزيمته بالفقر والنزوح والجوع والمرض والجهل , فهل يعلم أو يقرأ سيادة الرئيس التقارير الدولية عن حجم الجوع وسط الشعب السوداني وعن عدد الذين يحتاجون الى إغاثات ؟ إن كان يقرأ ويعلم ويشعر بأن الاعلام الحر هو الذي يكسر العزيمة فتلك مصيبة وإن كان لا يقرأ ولا يدري فمصيبتنا ثنائية أو ثلاثية جهل وفقر وانقسام .

ما أحبط الشعب السوداني وفت في عضده وقسم بلده , هو الممارسة الغاشمة التي وقف على رأس قيادتها فخامة عمر البشير نفسه لفترة ربع القرن تزيد ولا تنقص عددا رغم النقص الفادح الذي أصاب البلد والشعب في الأنفس والأموال والثمرات وبشر الصابرين , فأين هي الخدمة المدنية التي يتباهى بها الشعب السوداني قبل عصر التمكين , أو ليس في تدميرها لصالح السيطرة الحزبية الضيقة والاستئثار بالمال العام لقلة من أفراد الشعب احباط للشعب وطعن في ممالاساته واخلاقه , فماذا كانت نتائج اجتياح جنجويد الاسلاميين لكل مرافق الدولة ؟ ألم تتضح افعالهم وممارساتهم التي يندى لها الجبين خجلا إن كان في القلب ذرة من شعور حي لمن أدمنوا الكذب والتلفيق والزوغان عن مواجهة الحقائق بسياسة الهروب الى الامام ؟ ماذا فعلوا بالمرافق الخدمية والانتاجية وبمشروع الجزيرة الذي عاش البشير فيه سنوات عمره الباكرة وربما عمل في حواشاته ورأى بديع هندسته ونظامه وريه وخدماته فهل بقي من ذلك شئ بعد 25 سنة كالحة ظل يتصدرها الريس عمر البشير الذي يخشى على اخلاق الشعب وقيمه من الانكسار , وكأني به كان ضمن أهل الكهف أفاق لتوه من نومة لا يعلم كم لبث فيها , وما انكسار نموذج الاخلاق المثالي المتوهم لدى السودانيين الا بفضل سياسات السوق الحر والاقصاء

السياسي والاجتماعي لغالبية اهل البلد والاعتماد على الجنجويدية كثقافة وممارسة للابتزاز والمساومات , فهل السيد الرئيس مع الحريات الصحفية التي تفضح الفساد وتكشف أوكاره وإن قربت هذه الاوكار من سيادته كحبل السرير , أم هو مع الغتغتة والسمكرة والسكوت عن قول الحق تحت ستار المسؤولية الزائف ؟ وتحت وهم خادع اسمه الحرية المسؤولة وهي حرية خانعة ذليلة تمجد في الباطل وتتلون مع توجهات الفاسدين فهم يريدون اعلاما داجنا مادحا , وكما عبر وزير الاعلام الطبيب أحمد بلال عن برمه بالاعلام الالكتروني لأنه يتيح حرية التعبير فيقلق مضاجع الفاسدين وكلا السيدين الرئيس ووزيره ممن يتحملون النتائج فيما وصلت اليه أوضاع بلادنا من انهيار على كافة الاصعدة , ولأن عمر الظلم الى زوال مهما استطال فإن فجر الحرية آت ولات ساعة مندم .