محمد جلال احمد هاشم لتبيان ما انتهى إليه التّرابي من تهريج فكري ليس أفضل من كتاباته الأخيرة، بخاصّةٍ كتابه الأخير (الأحكام السّلطانيّة، 2003). ففيه سوف نتلمّس كيف يدور الرّجل باللغة كما لو كان يحاور نفسه.

يناقش التّرابي وظيفة الحاكم في ظلّ الحكم الإسلامي المعاصر، ودور كلّ هذا في حسم عوامل الخلاف بغية انعقاد الإجماع عبر مؤسّسات الشّورى وفق مقتضيات العصر؛ فالأحكام السّلطانيّة عنده ليس الغرض منها مجرّد الحكم إذ (صفحة 224) ..

«… لا يسري العمل بها تقليداً وعرفاً، بل يسعى إلى تداول الشّورى حتّى ينحسم الخلاف ويبين انعقاد الإجماع فيها ويستقرّ الحكم. وتلك الأنظومة للتّشاور قد تتّخذ صورة غير بيّنة العدِّ لكنّها تقتصر على طائفة هم أهل الحلّ لمعضلات المسألة والعقد لأطراف الخلاف فيها إجماعاً، لأنّهم ثقات بين النّاس عموماً يفوّضون إليهم الرّأي الذي يرضونه، وِفاقهم حجّةُ حكمٍ مقبولة من كلّ الأمّة، وإن لم يصدر منها مباشرةً. وقد تكون الأنظومة أبين ترتيباً، إذا تطوّر في المجتمع تأليف الذين يلون الاجتهاد للحلّ والعقد، نظمةً معلومة الحدّ معيّنة الأعضاء تسمّى ’مجلساً للشّورى‘ أو تُعد هي مجلس الأمّة المتوالية، أو الوطن القائم عليه السّلطان مؤسّساً على عقد الولاء الأساس بينها، أو ما يسمّى بمنهج الإجماع ووقعه ‘دار التّكالم (البرلمان) بالشّورى’ ومجتمعه ’لقاء التّشريع‘ في أركان السّلطان، فثمّة يقع الإجماع غير المباشر، لجمهور الشّعب في الوطن مسنوداً بأصل التّفويض والقبول في أسس العقد العامّ، لنُظم السّلطان التي تتّخذ وعاءً لأداء الشّورى السّلطانيّة وهيئة لعقد الإجماع النّافذ حكمه بالسّلطة أو جهازاً للتّشريع».

هنا يبدو التّرابي كما لو كان يتكلّم عن آليّات الانتخاب والتّمثيل الحديثة من برلمان وخلافه بألفاظ حوشيّة من أوابد لغة العصور الماضية، وبالتّالي يبدو الأمر كما لو كان مجرّد تقعّر لفظي إن لم يكن أسلوباً لولبيّاً قصد منه توقّي أن يصدع برأي ناصع في المسألة. فلماذا استعمال مصطلح “السّلطانيّة” للتّعبير عن مفهوم الحكم والسّياسة ومؤسّسات الدّولة الحديثة من برلمان وخلافه؟ فنحن إذا وجدنا العذر لأبي الحسن الماوردي الشّافعي المتوفّي عام 1054م (1409ه ـ 1996) وأبي يَعْلى محمّد بن خلف الفرّاء الحنبلي المتوفّي عام 1057م (1386ه ـ 1973) في استعمالهما للمصطلح في كتابين يحملان نفس العنوان (الأحكام السّلطانيّة)، فأيّ عذر يمكن أن نتلمّسه للتّرابي وهو يستخدم هذا المصطلح للتّدليل على قضايا الحكم والسّياسة في القرن الحادي والعشرين؟ بهذا يكون ابن قتيبة الدّينوري الذي توفّي في عام 276هـ (889م) متقدّماً على التّرابي من حيث المصطلحات في الكتاب المنسوب إليه (الإمامة والسّياسة، 1967).

متجاوزين لجميع هذا، نلاحظ أنّ التّرابي يتكلّم عن الإجماع بطريقة لا تتماشى مع ما قاله أعلاه. فهو يقول تحت عنوان جانبي يحمل اسم ‘الإجماع’:

«التّشريع لا يتمّ أمره لورود مادّته صادرةً من الإيمان والاجتهاد، لأنّه أحكام تقع لازمةً بسلطانٍ، نافذةً بقوّته. والفرد حين يكون مسلماً مؤمناً بحقّ الشّريعة رسالةً من الله الكبير المتعالي المعبود، إذا اجتهد وفقِه الحكم فيها التزم أمره طاعةً وإسلاماً، وهكذا يصدر التزام الطّاعة للحكم من تلقاء نفس الفرد لا يضلً، سواء تبيّن له الحكم بنظره هو، أو سمع اجتهاداً في استنباط الحكم من أصول الشّريعة ممّن يثق بفضله عليه فقهاً وأمانةً، يطمئنّ أنّ الحقّ ما يقول حكماً فيلتزمه. أمّا في ذات بين المؤمنين عامّة، فلا بدّ من أن يجتهدوا، أو يتحرّوا ممّن هم فيهم أقوى اجتهاداً وأتقى أمانةً، الرّأي الذي هو الحكم الحقّ فيأخذوه ويلتزموه. ولربّما تخرج من بعضهم اجتهادات في شتّى أحكام الحياة يتناقلونها فتاوى يتراضونها، فتصبح منهاجاً أو مذهباً حُكميّاً معروفاً لازماً في ذات بينهم، أو يتلقّون اجتهادات عفواً ينفعلون بها رضىً، ويقيمونها في واقعهم أفعالاً تنتظم سيرتهم جميعاً، فتصبح مسالك حُكميّة عرفيّة ملزمة. لكن، ربّما تطرأ لمجتمع المسلمين قضيّة اختلاف ذات شأن يتساءلون فيها عن الحكم الشّرعي الحقّ، فينظّمون إجراءً للشّورى بينهم يتداولون أجوبتهم التي اجتهدوا فيها، ويتناظرون الحجج والدّلالات الهادية من حقّ الشّريعة النّازل وحقائق الواقعة الموضوعة للحكم، حتّى يستقرّ التّشاور بانعقاد وفاق بينهم على رأي واحد، هو أوفق الرّؤى وأحكمها تعبيراً عن هدي الشّريعة في الأمر، يقع الالتزام في حكم ذات البين في المسألة».

ترى ما الذي يعنيه التّرابي نظريّاً وعمليّاً بقوله: «التّشريع لا يتمّ أمره لورود مادّته صادرةً من الإيمان والاجتهاد، لأنّه أحكام تقع لازمةً بسلطانٍ، نافذةً بقوّته»؟ هل يعني هذا أنّ الشّريعة ليست مسألة إيمانيّة ولا اجتهاديّة، بل تقوم على الغلبة والقهر؟ إذ كيف يمكن أن نعقل جملة «أحكام تقع لازمةً بسلطانٍ، نافذةً بقوّته»؟ خاصّةً وأنّ ما يلي هذا يبدو متناقضاً بالكلّيّة كونه يقوم على الاجتهاد، ومن ثمّ الالتزام الذّاتي بما توصّل إليه الشّخص المعني من تخريج فقهي: «والفرد حين يكون مسلماً مؤمناً بحقّ الشّريعة رسالة من الله الكبير المتعالي المعبود، إذا اجتهد وفقِه الحكم فيها التزم أمره طاعةً وإسلاماً، وهكذا يصدر التزام الطّاعة للحكم من تلقاء نفس الفرد لا يضلّ، سواء تبيّن له الحكم بنظره هو، أو سمع اجتهاداً في استنباط الحكم من أصول الشّريعة ممّن يثق بفضله عليه فقهاً وأمانةً، يطمئنّ أنّ الحقّ ما يقول حكماً فيلتزمه». ثمّ كيف يمكن للمسلمين، في حال نشب الخلاف بينهم في أمرٍ ما، أن ينعقد إجماعُهم عبر الشّورى دون أن يكون مفهوم الشّورى في إطار دولة المواطنة وفي عصر كالقرن العشرين وما بعده، واضحاً من ناحية عمليّة. فانظر إلى هذا التّعميم الأقرب إلى التّفكير الرّغبوي wishfulthinking: «لكن، ربّما تطرأ لمجتمع المسلمين قضيّة اختلاف ذات شأن يتساءلون فيها عن الحكم الشّرعي الحقّ، فينظّمون إجراءً للشّورى بينهم يتداولون أجوبتهم التي اجتهدوا فيها، ويتناظرون الحجج والدّلالات الهادية من حقّ الشّريعة النّازلة وحقائق الواقعة الموضوعة للحكم، حتّى يستقرّ التّشاور بانعقاد وفاق بينهم على رأي واحد، هو أوفق الرّؤى». فهو هنا يتكلّم عن المسلمين كما لو كانوا محصورين بين حائطين، كما في حال طلبة المدارس أو في جمعيّة عموميّة لأحد الأنديّة بالحارات والأحياء. فالمسلمون ليسوا بحاجةٍ إلى من يذكر لهم الشّورى، بل من يبيّن لهم طريقة عمليّة لإجراء الشّورى، بها ينحسم خلافهم. فدعاة العلمانيّة يزعمون بأنّ الشّورى هي نفسها الاقتراع في النّظام البرلماني الحديث وفق القاعدة التي تقول بأنّ لكلّ فردٍ صوتاً واحداً. فإذا كان هذا هو الأمر نفسه عند التّرابي، فلا يحتاج إلى كلّ هذا التّقعّر والتّمحّل للغة. أمّا إذا كانت الشّورى عنده غير هذا، عندها ينبغي أن يكون شجاعاً في حال كونها واضحة في ذهنه، فيتوجّب عليه أن يُميط لثامها ويجلوها للنّظر والعيان. ولكن إذا لم تكن واضحة في رأسه، عندها ينبغي عليه أن يعكف على أدوات فكره وصنعته الفقهيّة والسّياسيّة، حتّى يجعل الله له مخرجاً، لا أن يدور حول الحمى فلا يقع عليه إلاّ كما يقع الآثم.

يستهلك التّرابي القارئ في صفحات (متوالية) من الكتابة الإسهابيّة التي تُغرقه في التّفاصيل التي تقع في باب ما يعرف من التّاريخ الإسلامي بالضّرورة لكلّ شخص تجاوز مرحلة الثّانوي من الدّراسة. ولكنّه يبذر بين سطور هذه التّفاصيل مجموعة كبيرة من الألفاظ التي تقبل أكثر من تأويل. من ذلك قوله:

«وكذلك نزلت آيات القرآن منذ مكّة تشرّع أصول الإيمان والتوحيد للحياة غيباً ومشهوداً وكلّ مبادئ الهدى فى شأن السّياسة والسّلطان وسائر الحياة. ثمّ جاء القرآن المدنى يبيّن هدى الواقع، يفرّع الأصول ويفصّل المبادئ. وكان القرآن يُتلى ويُرسم كتابةً فى صحائف للمؤمنين. ولمّا كان مجتمع المدينة الدّار التى تمكّن فيها سلطان الإسلام مختلطاً، مؤمنين ويهوداً، عمل النّبيّ بهدى الإسلام أنّ الدّين ميثاق مكتوب يتراضاه المؤمنون فى حياتهم المشتركة. فوضع كتاباً هو صحيفة المدينة لأمور السّلطان وعلاقاته ليتراضاها كلّ أهل المدينة ميثاقاً. ولما تتامّ القرآن وترسّخت فى النّفوس معانيه، وتمكّن دين الإسلام فى المجتمع، اتّخذ المسلمون نصّ القرآن وعمل السّنّة هدايةً كافيةً فى الأحكام السّلطانيّة وكتبوا عهوداً لغير المسلمين. وكان يمكن مع التّطوّر المتسارع والأحوال المتغيّرة لأمّة الإسلام، ومع التّفاعل مع ثقافات سلطان الفرس الكسروي والرّوم القيصري أن يجتهد المسلمون فقهاً متزايداً للشّريعة السّياسيّة وينـزّلوا منه كتاباً يُعتمد بالإجماع أساساً لسلطان الخلافة الرّاشدة ودليلاً وشاهداً على الموالاة والاستقامة، مترقّيةً نحو الأمثل والأكمل، غير مضطربة ولا متقلّبة. ولكن غلبت، بأثر الرّواسب الجاهليّة والدّواخل الشّرقيّة والغربيّة على جماهير الإسلام الدّاخلة دواعى حبّ السّلطة المطلقة لا المهدية، والصّراع عليها لا الوفاق والتّوالى، والتّنافس بالقوة لا بالحقّ حاكماً فى أمور السياسة».

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي