بقلم: عبدالغني كرم الله          بارك الله في كتاب القصة القصيرة، من الشباب، في بلادي، وسعوا مواعين حسنا، وقوت عاطفتنا، تجاه أبطالهم المقهورين، أبطال أستلتهم المخيلة،

والذاكرة من ظلام الشوارع، وظلال الحياة، ونصبتهم أمراء في متن الحكايات، بديلا لقهرهم في الشوارع الحقيقية، كأنهم مسيح ما، أو رسل للسرد السوداني، الذي يحاول أن يدفع بنفسه في مشهد سياسي وفكري باهت للبلاد، أحتكرته العادة، فعمل على إزاحه كل خيال متمرد على رتابة الحاضر، الذي يقلد بإتقان كآبة، قرون بعيدة، مصرا على البقاء، ومحاكاة الماضي، رغم أن الله خلق الدهر جاريا كالنهر، متبدلة أمواجه في آن، ولن تدخله مرتين مطلقا، فلم الحرص على الأمس؟ وملاك الموت يقبض الأنفس، والدول، والحضارات، بقبضته الذكية، وهو يدرك،  ويعرف ما يريد، مملا من التناص،  كي تولد أفكار، ودول، ونفوس وخواطر طازجة، كالحياة.

        جاءت الأعمال، أشبه بذاكرة حزينة، تريد أن يموت صداها في الحاضر، وكفى الله الغد، شر بكائها، كي تفسح باب الصمت، لأغاني سعيدة، بدل صدى حزين، وعادة مكررة، تلوث وقع الحياة الروتينة، المعادة، كجمل الرحي، كما قال الشيخ ابومدين لمريده (لا نريد قديدا، فهل من جديد، أي تلك “العنعنة، عن الأحاديث، أي قال فلان عن فلان، ولكنه يريد قال قلبي عن ربي، حتى قال ربي، عن ربي، وهيهات)، فهاتها ياساق..

        أحسب الأمم الراقية، تجدد جسدها، وقلبها وعقلها كل حين، ولكنا أدمنا الثبات، منذ قرون خلت، حتى انتصر الطبع، على التطبع، وصرنا نخاف التغيير، فهل يتجرأ السرد؟ ويرتاد الأراض البكر؟ مؤذنا بحياة جديدة، في مغامرة جديدة لمعاوية نور الحكي، وحسن نجيلة السرد، وأكتشاف قارة لا تردد الصدى؟. 

        أبطالهم،  نمر بهم مرور الكرام، لغلظة فينا، أو تبلد، وإنشغال بهم الحياة، وسوء ظن بالقدر، (وكل دين يقوم بحسن الظن به ويعطيك حظا من الفرجة المسالمة عليه)، ولكنهم، تحسسوا تلكم الجراح، والهموم، بصدق، في البدء، ثم جرى القلم في وصف الحالة، كما هي، وتلك هي من بركات الله، عليهم، وعلينا، بهم،  فأن تكون حلو المعشر مع مخلوقاتك، ولو كانت من خيال، أو ذاكرة، ثم يجري قلمك بوصف خلجاتهم، وأساريرهم، لصدق تمثلك لهم، حتى يرى القارئ الشخوص رؤية عين، وبصر، وشم، شخوص حقيقية، ويشاركهم الهم والغم والبسمة، فتلك من نعم الله عليك، فالفتاة أتسيدي، تكاد توجد في كل بيت، وكذلك الطبيبة صاحبة الجيتار، أو اللوحة، أو صفيحة الليمون، أو العنف العنيف، الذي نراه في شاشة قناة الجزيرة والعربية، والسي ان ان، كما في خروج مأجوج، ولكن أين من يرى؟ أين؟.

        كانت، والحمد لله، أمسيات ثلاث، جميلة، وعجيبة، وحزينة، ويرجع عجبها، أن تهوي قربك فتاة شابة، إثيوبية، وتتناثر أواني كبيرة، ثقيلة، كانت على رأسها الصغيرة، ولا يخاف من حولها عليها، بل على ما حملت من أواني، هل تكسرت؟ وأندلق اللبن أو الخميرة، تلك هي العاطفة المستباحة في الخرطوم، والتي في لغطها الكذوب، ودينها الفقهي الميت، نسيت ما يسمى الحضارة الأخلاقية، وجعلت أتسيدي وصويحباتها في سوء ظن عظيم، ضحايا القسوة والعمل اليومي الروتيني، القاتل، والمستبيح لهدوء الخواطر، وهي ظنت، في وعثاء رحلتها، بأنها راحلة للإسلام الروحي، الإنساني، للعيون التي تذرف الدمع لموت نملة، وتحس بالخواطر، ناهيك عن حمى الجوع والمرض، تلكم الأخلاق التي تبني الحضارات العظيمة، بما توفره من يقين، وتوقير وسكينة، لكل النفوس، والذوات، حتى تبنت نباتا حسنا، في ظرف موات لطاقات بذرتها الكامنة، وتنشر مواهبها الفطرية في الأفاق، فكرا، وفنا، وعملا.

        كما يعزى العجب، لحفيدة النجاشي، أو قل النيل الأزرق، الذي يدلق بركاته في أرض جدباء منذ آلاف السنين، مستقلا عادة الطبيعة الصارمة، التي رفعت الجبال هناك، وخفضت الأراضي هنا، في مكر فيزيائي، يوحي بكرمهم اليومي، ماء وطمي، مستلا حياة أعشاب، وسمسم، بل “البشر أنفسهم”، في تجلي لاسم الله الحي، “وقيل بأنه رمز للنفس، في مقابلة للروح في النيل الأبيض، والعتبى للعرفان السوداني”، بأننا شاهدنا رقص الحبشية (أتسيدي)، والنوبية الصالحة (سعاد بنت يو نفيسة)، والغرابة في الصداقة التي تمت بينهما، وهما على مستوى الإقليم، كل في واد، الأولى تقطن هضبة غاميلا، غرب أثيوبيا، والأخرى في واد النيل، عند منحنى النيل شمالا، وعلى مستوى الوقت، تفرق بين صداقتمها قرون من الدهر، ومع هذا، رقصا معا في نادي الخرطوم، وتسلل إلينا صراخ مشجعين من  ساحل العاج، ومن كولمبيا، ووجوه عابسة في ياوندي، بعد هزيمة الفريق العاجي، من تلفاز خلف القاعة، كان يعرض شريط المباراة الحية، في كأس العالم في البرازيل، كنت استرق النظر من خلال الزجاج لعمم كبيرة، وصلع تتأسى مع كل هدف ضائع، فما أوسع الحياة، اتسيدي، وسعاد، وكرة قدم، أفريقية بلاتينية، فهل للأمر علاقة؟ في حين فرحت كولمبيا، فرحا افريقيا، ذات الرقصات المدوسة في العرق الأصفر، من تلاقح الحياة، والهجرات الأولى، مع رقص سعاد وأتسيدي؟ للحياة علاقات عميقة غامضة مع بعضها، هي الآخرى كالفيزياء تكره الفراغ، وتحب تلك الحيمية والجيرة التي تربط الأفلاك والمجرات، معنا، ومع كل نملة في حجرها الدافي، أو فراشة في السماء، أو قلب بين الضلوع، أخوة بلا فراق، ولو ثقب صغير، ولا بعاد، ولو ثانية، عن بعضهم، فأين من يفهم أين؟ ولم نترك الحس للأدباء وقصصهم تتجرع الألم وحدها؟..

في دنيا “الحكي”، رقصا معا، مذبوحات من الألم، يرقصن من أجل إسعادنا، وموسيقى الألم الحزينة تسري بين ضلوعمها، وتفت عظامهن الواهنة، حتى هوت الأولى في أول الطريق، من هول ما تحمل من هموم على شعرها الجميل، هوت قرب سوبا، المدينة التي حننت كنائسها بالغناوي الحبشية، منذ الف عام، قبيل معاول الفنوج والعبدلاب،  السيدة النضرة، مملكة أكسوم،  هل تكذب الملامح؟ من نشبه؟ كما سافرت الثانية لتخوم السماء، وقد وضعت وذر الناس كلهم، عن كاهلهم، وحملتها وهي تعرج للسماء، تتابعها نظرات الرجال والماعز والدجاج، وقد عزفت الأرض موسيقى الرحيل، وأستلمتها اوكستراء السماء، حين تجاوزت سدرة منتهى “الحواس البشرية في الإدراك”، ماعدا الأطفال كانت حواسهم “كعادتها”، قوية ومباركة، فسمعت خطوات نعال سعاد، وهي تدلف للملكوت الأجمل، وشمت أنفوهم المليئة باللعاب والزكام، شميم تبر الجنان، في حين صُمت أذان الرجال والنساء، عن السماع، ومع هذا (يقيم الإدعاء في نفوسهم) بالإحاطة بالأمور من كل جوانبها، وهم أحمق من بعير، عما يدور حولهم وفيهم، (ليتهم يرجعوا لطفولتهم)، لدخلوا جنة، فيها مافيها، من دن الدهش، وسماع الحجر، وغناء النهر.