د. عمر القراي(وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) صدق الله العظيم

في برنامج ” حتى تكتمل الصورة”، الذي يقدمه السيد الطاهر حسن التوم، تناولت أحد الحلقات موضوع الاستثمار في السودان 

ولقد اتفق جميع المتحدثين، بما فيهم د. مصطفى عثمان اسماعيل، وزير الخارجية السابق، ومستشار رئيس الجمهورية السابق، ووزير الاستثمار الحالي، على الفشل الذريع الذي يعاني منه قطاع الإستثمار. ولقد عزا السيد الوزير فشل الإستثمار، الى نقص في القوانين، وتضارب في السلطات، والإجراءات، وتعارض بين الحكومة المركزية والاقاليم في مسائل الاراضي، ونزعها، وتعويضاتها …ألخ. ولم يكن موضوع الحوار، هو مجرد عجز الحكومة عن جذب الإستثمار الأجنبي، وإنما أكثر من ذلك، دفعها للمستثمر الوطني ليهرب من السودان، ويستثمر في اثيوبيا.

والإستثمار من حيث هو، إنما هو مؤشر من مؤشرات الآداء الإقتصادي والسياسي العام. ومن العبث، والتضليل، إدعاء إمكانية إحداث أي استثمار، ما دام الإقتصاد منهار، ويعاني من خلل أساسي. فالسودان يعاني من فشل في كافة مشاريع التنمية، يهدد مناطق ريفية إنتاجية واسعة بالمجاعة. وعجز في الميزان التجاري(الفرق بين الصادرات والواردات)، وعجز في ميزان المدفوعات(الفرق بين العائدات والمصروفات)، وعجز عن سداد المديونية الخارجية، التي تزيد فوائدها كلما تأخر سدادها، فقد (كشف صندوق النقد الدولي ان الديون الخارجية للسودان قفزت بنحو 27% منذ العام 2008،من 32.6 مليار دولار الى 41.4 مليار دولار في العام 2011، وتوقع الصندوق ان ترتفع الديون الى 43.7 مليار دولار بنهاية العام 2012 والى 45.6 مليار دولار في العام 2013م)(سوداناس 29/9/2012 م). بالإضافة الى ذلك، هنالك نسبة عالية، ومتزايدة، من التضخم، والغلاء الطاحن، والبطالة، وهجرة  الكفاءات، وتدهور العملة المحلية مقابل العملة الأجنبية. نتج عن كل ذلك، تدهور في الخدمات العامة الضرورية، ونقص الماء والكهرباء، ووسائل  الأتصال الحديثة .. هذه البيئة الإقتصادية الطاردة لكل استثمار، تصاحبها، وتؤثر فيها، بيئة سياسية، كريهة، ومنفرة، تقوم على نشر الحروب الأهلية، والصراعات القبلية، وانعدام الأمن بصورة كاملة في الاقاليم البعيدة، التي يتوقع أن يتم فيها الاستثمار. بل أن المليشيات المسلحة، التي أنشأتها الحكومة من اللصوص والمرتزقة، لتقاوم بها الحركات المسلحة في دارفور، أصبحت تنهب الاسواق في دارفور جهاراً نهاراً !!

وليس هناك مستثمر محترم، يريد ان يوصم بمعاونة نظام دكتاتوري باطش، يعتقل السياسيين، ويصادر الصحف، ويعذب  طلاب الجامعات داخل المعتقلات، بعد ن عطل الدراسة، ويضرب طلاب المدارس بالرصاص، حين يتظاهروا ضد الغلاء الطاحن، الذي يهدد حياة المواطنين. إن المستثمرين يقرأون تقارير منظمات حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، والصحف الإقليمية والمحلية، وينفرون من كل الدول التي تهدرحياة مواطنيها، ثم تدعي انها تريد أن تنشئ على انقاض حياتهم، مشاريع تنموية، غرضها الحقيقي هو إثراء أعضاء المجموعة الحاكمة !!

وغياب الأمن، وانتشار الحروب الأهلية، والنزاعات القبلية، سمعة كافية، لتبعد كل مستثمر جاد. ولكن السمعة الأسوأ، التي ألصقتها بنا حكومة الأخوان المسلمين، هي سمعة الفساد. فكل مستثمر يمكن ان يتابع أخبارنا، فيستمع الى ما يجري من تهم الفساد، التي يتقدم بها تقرير المراجع العام بصورة رسمية، وتشمل وزارات، أو أقسام كاملة، ثم ينتظر فلا يرى أي مجرم نال أي عقاب !! هل يحتاج المستثمر الأجنبي، أو الوطني، لذكاء خارق، ليعرف أن عدم معاقبة المفسدين، سببها أن لهم شركاء في قمة السلطة، لايسمحون بمحاكمتهم حتى لا ينكشف أمرهم ؟! لقد أصبحنا على يدي الأخوان المسلمين، وكنتيجة لمشروعهم الحضاري الرائد، وعهدهم (الإسلامي) الزاهر، من أكثر الدول فساداً ، فقد جاء (تصدر السودان قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم بترتيب 174 من جملة 177 دولة حسب تقرير منظمة النزاهة ومكافحة الفساد الدولية فيما أرجعت وزارة التنمية الاقتصادية بولاية الخرطوم الترتيب لفشل وزارة المالية في السيطرة على التجنيب والتسيب الإداري واستغلال السلطة السياسية في إرساء المناقصات والرشاوى والأتاوات في تخصيص الأراضي)(الراكوبة 18/3/2014م). فليس الفاسد في حكومة الإنقاذ فرد أو ثلاثة، حتى يستطيع المستثمر الأجنبي أن يرشيهم، ويمرر مشروعه .. وإنما الفساد شامل، وهو ليس في قادة المؤتمر الوطني في الخرطوم فحسب، وإنما في ولاة الأقاليم أيضاً، فقد جاء ( أكدت مصادر معلومات متعددة بان نهب ولاة الولايات للاراضي ظاهرة عامة لا تقتصر على ولاية الخرطوم. واكدت المصادر لـ  “حريات” ان الحديث عن تورط موظفي مكتب والى الخرطوم فى فساد الاراضي لا يعدو كونه نصف الحقيقة، حيث ان المفسد الرئيسي هو الوالى نفسه، والذي تربطه علاقة وطيدة بفضل محمد خير – اهم سماسرة الاراضي فى الانقاذ – وقد باع له الوالى كمثال ميدان السجانة بالخرطوم “11 الف متر قرب سوق السجانة” بمبلغ 11   مليار جنيه مع ان قيمة الاراضي في السوق حوالي 111 مليار جنيه، كما باع له ميدان السيدة السنهوري بذات التخفيضات، واضاف المصدر ان تخفيض قيمة بيع الاراضي الى 10% من قيمتها يتم لقاء عمولات ضخمة للوالى. واضافت المصادر ان الدليل الحاسم الذى قدم لاقالة والى الجزيرة الزبير بشير فى اطار صراعات مراكز القوى وسعى الانقاذ لتجديد ولاتها استعدادا للانتخابات القادمة، الدليل انه تربح من بيع اراضي مدينة السبيل والمدينة المحورية بما يقارب الـ  500 مليار جنيه. ونشر طارق الباشا صورة لاحد منازل الشنبلي والى ولاية النيل الابيض بمدينة الدويم حي ابوجابرة، كما نشر صورة منزل احد اقارب الوالى الموظف بمكتب الاراضي” مرفقة”، وتؤكد الصورتان ان المنزلين اعلى كثيرا من قدرات المذكورين المشروعة، مما يشير الى الفساد. واكد الباشا بان الوالى يملك ثلاثة منازل، واحد بالخرطوم واثنين بالدويم “وما خفى اعظم”، واضاف ان الوالى استولى ومجموعته على اربع قطع اراضي تتبع لحرم معهد التربية بخت الرضا. واضافت مصادر ” حريات ان الحال كذلك فى شمال كردفان حيث يقدر تربح احمد هارون من بيع الاراضي بالولاية حوالي  400 مليار جنيه. واضاف ان والى البحر الاحمر محمد طاهر ايلا  ووالى شمال درافور عثمان كبر فاقا الولاة القريبين من المركز وانهما من فرط تضخم تربحهما من نهب الاراضي اسسا مليشيات خاصة بهما تقدر بالالاف)(حريات 28/4/2014م).

ولو كانت حكومة الأخوان المسلمين جادة في محاربة الفساد، لاهتمت بمثل هذه الأخبار، التي تنشرها الصحف الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، ولأجرت فيها تحقيقات، ونشرت نتائجها على الشعب. بل لاهتمت حتى بالاحاديث، التي تدور في الشارع السوداني، عن صفقات استثمارية ضخمة، تراجع اصحابها عن الإستثمار في السودان، وحولوها الى دول أخرى، لأن السيد عبد الله البشير، شقيق السيد الرئيس، اشترط عليهم ان يعطوه 25% من جملة الإستثمار، أو لا تسمح لهم الحكومة بإقامة المشروع !! ولقد كان الأجدر بالسيد الرئيس، أن يقف بحزم عند هذه المعلومات، ولو كانت شائعات، أو مبالغات، إن لم يكن من أجل مسؤوليته عن مصلحة الوطن، فليكن من أجل حرصه على شرف أسرته !!

ومن ضمن الفساد الذي أدى الى تدهور الإقتصاد، وفشل الاستثمار، عزل الكفاءات، وتشريدها، تحت شعار “الصالح العام” .. ووضع الاخوان المسلمين، غير المؤهلين، في أماكنهم، تحت شعار “التمكين” !! فما هي مؤهلات د. مصطفى عثمان اسماعيل، التي تجعله وزيراً للإستثمار، أو وزيراً للخارجية، وهو في الأصل طبيب اسنان، تحصل على درجاته العليا في الكيمياء الحيوية ؟! إن مؤهلاته هي انه كان أخاً مسلماً، منذ ان كان رئيساً  لجمعية التربية الإسلامية، بمدرسة دنقلا الثانوية في مطلع السبعينات!! ولعل من أكبر الأدلة على حتمية عجز د. مصطفى عثمان اسماعيل، عن إنجاح أي إدارة للإستثمار، أو أي عمل يخص هذا البلد، جهله الفظيع بالشعب السوداني .. فقد سبق له أن وصف الشعب السوداني بالشحادين !! وذلك حين قال ( هذه الحكومة عندما جاءت الى السلطة الشعب السوداني كان مثل الشحاتين يقوم من صلاة الصبح يقيفوا في الصفوف عشان يتحصل على جالون بنزين، أو يقيف في الصف عشان ما يلقى رغيفين عيش …)(الراكوبة 7/11/2014م). فهو لتعصبه لجماعته، لم يتردد في الإساءة الى الشعب السوداني، رغم أنها جماعة جاهلة، غارقة في الفساد، من أم رأسها الى أخمص قدميها !!

وكنتيجة لإنزعاج الحكومة من فشل الإستثمار، خاصة ذهاب رأس المال الوطني لأثيوبيا، وإقامة عدة مشروعات هناك، أقامت مؤتمر المستثمرين، فقد جاء ( إختتم الملتقي الاول للمستثمرين الوطنيين في وقت متأخر مساء أمس وأصدر أكثر من 30 توصية طالبت من خلالها عقد ملتقى سنوي للمستثمرين الوطنيين بالتنسيق بين الجهاز القومى للاستثمار واتحاد عام أصحاب العمل تحت رعاية رئاسة الجمهورية وتكوين لجنة عليا برئاسة السيد نائب رئيس الجمهورية عن حالة الاستثمار خلال شهرى سبتمبر واكتوبر من كل عام. وطالب المشاركون في الملتقى بدمج قانون وعضوية الجهات ذات الصلة لمتابعة تنفيذ قرارات وتوصيات الملتقى الاول للمستثمرين الوطنيين. وأوصى الملتقى بوضع جدول زمنى وفق خطة محددة يشترك فيها أصحاب العمل والقطاع الاقتصادى لتمليك القطاع الخاص 70% من الاقتصاد الكلى موضع التنفيذ على ان تنعقد ملتقيات الولايات مفوضية الاراضي وقانون اللجنة القومية للتخطيط فى قانون واحد وإنشاء مؤسسة إتحادية – ولائية وإعطائها الصلاحيات الكافية بالتخصيص والنزع والتعويض ومعالجة مشكلات الأراضى وتطوير مؤشر أداء الأعمال من خلال تنفيذ وحدة تتبع لرئاسة الجمهورية لتتولى عملية تطوير أداء الأعمال فى السودان ومراجعة الاتفاقيات الخاصة بالاستثمار وتشريعات وقوانين الاستثمار القومى والولائى من خلال عقد مؤتمر للقانونيين بالمركز والولايات. ودعت التوصيات الى إستكمال وتحديث الخارطة الإستثمارية وتحديد الفجوة في القطاعات المختلفة على المستوى القومى والولائى لادارة المناطق الصناعية والمناطق والأسواق الحرة كإحدى الوسائل الهامة لإحداث التنمية والنهوض بالإقتصاد الوطني على أن يكون للمناطق الصناعية قانون يمنحها الإستقلالية الإدارية الكاملة. حماية للاستثمار والمستثمرين على أن تهتم بمتابعة إجراءات السلامة ومراعاة الإشتراطات البيئية وحجم الإستثمارات ونوعيتها والترخيص لها. ونادت التوصيات بمراجعة القوانين ومنها قانون العمل، قانون تسجيل الشركات، قانون الضمان الاجتماعى وقانون الاستثمار وذلك بالتنسيق مع إتحاد أصحاب العمل وعقد ورشة مشتركة للتنسيق بين الجهاز القومى للاستثمار وإتحاد أصحاب العمل ومجلس الولايات والمجلس الوطنى والجهات المعنية لدراسة وضع الاستثمار فى الدستور والتأكيد على سيادة قانون الإستثمار وحاكميته وتطبيق كافة الإمتيازات الممنوحة بموجبه خاصة في ما يتعلق بمدخلات الإنتاج لقطاعات الإستثمار بالاضافة إلى تشجيع الإستثمار في قطاع السياحة وتقديم الحوافز والإمتيازات لجذب المستثمرين لهذا القطاع الهام)( سونا 25/6/2014م).

وكل الذين شاركوا في هذا اللقاء، يعرفون أن سبب  فشل الاستثمار، بل وفشل الدولة ككل، في جميع شئونها، هو الفساد الذي نخر عظمها .. ولكن لم يستطيعوا وضع أيديهم على أصل الداء، خوفاً من السلطة، وطمعاً فيها. ولأنهم جميعاً يعلمون ان الغرض الأساسي من المؤتمر، ليس الاستثمار الحقيقي، الذي ينفع الوطن .. وإنما الإستثمار الطفيلي، الذي يضع رشوة في حسابات كبار المسئولين الخاصة، بغض النظر عن نفعه أو ضرره للبلاد. كما أنهم يعلمون ان الحكومة لا تريد، ولا تستطيع، محاربة الفساد .. وإنما تريد التغطية عليه، وتضليل الناس عنه، حتى يجني منه كبار المسئولين، ما أمكنهم من أكل أموال الناس بالباطل. ومن هذا التضليل المتعمد نقرأ (قال المشير عمر البشير أن السودان استطاع عبر القوانين والمؤسسات  محاربة وتحجيم الفساد والسيطرة على موارده. فيما يقضي البشير اربعة أيام بمدينة بحر دار الاثيوبية)(التغيير 29/4/2014م)

 

د. عمر القراي

..