محمّد جلال أحمد هاشم* المغالطات دعونا الآن نتأمّل في هذه الأغاليط والتّخاليط؛ ولنقرأ: «ولمّا كان مجتمع المدينة الدّار التى تمكّن فيها سلطان الإسلام مختلطاً، مؤمنين ويهوداً،

عمل النّبيّ بهدى الإسلام أنّ الدّين ميثاق مكتوب يتراضاه المؤمنون فى حياتهم المشتركة. فوضع كتاباً هو صحيفة المدينة لأمور السّلطان وعلاقاته ليتراضاها كلّ أهل المدينة ميثاقاً». ولنقارن ما خطّه مضعّف، إذ يشير بوضوح أنّ العهد الذي أرساه النّبيّ كان يتعلّق بالدّين مطلقاً، وهو ما يتراضاه المؤمنون ــــ مسلمين ونصرانيّين ويهوداً ــــ في حياتهم المشتركة. ولكن الجملة ذات الخطّ المضعّف التي تلي ذلك تذهب إلى عكس هذا، كونها تتحدّث عن عهد يتتعلّق بأحكام السّياسة؛ فصحيفة المدينة كانت «لأمور السّلطان وعلاقاته ليتراضاها كلّ أهل المدينة» ــــ مسلمين ونصرانيّين ويهوداً. فهذا إمّا إسهاب كلامي سائب ومفرط في إسهاليّته، أو تخليط متعمّد من رجل في ظنّه شيء لا يريد الإفصاح عنه حتّى لا يمُسك به لسانُه وفعالُه.

ثمّ تُرى هل يعني بقوله إنّ المسلمين قد بلغوا الكفاية في فقههم وشريعتهم، عندما «تتامّ القرآن وترسّخت فى النّفوس معانيه، وتمكّن دين الإسلام فى المجتمع» وبالتّالي «اتّخذ المسلمون نصّ القرآن وعمل السّنّة هدايةً كافيةً فى الأحكام السّلطانيّة»، بعهد الرّسول والخلفاء الرّاشدين؟ إذا كان هذا كهذا، فكيف يجوز القول بعد هذا بأنّ المؤثّرات الخارجيّة قد «غلبت، بأثر الرّواسب الجاهليّة والدّواخل الشّرقيّة والغربيّة على جماهير الإسلام الدّاخلة، دواعى حبّ السّلطة المطلقة لا المهدية، والصّراع عليها لا الوفاق والتّوالى، والتّنافس بالقوة لا بالحقّ حاكماً فى أمور السياسة»؟ فجميع المسلمين يعلمون بأنّ الخلافة قد أصبحت ملكاً عضوضاً بعيد الفتنة الكبرى وانتهاء الأمر إلى معاوية وقيام الدّولة الأمويّة وما تلاها. فأين هي المؤثّرات الشّرقيّة والغربيّة في هذا؟ إلاّ أنّ مربط الفرس في حديثه أعلاه، والعقبة التي يقف عندها حمار الشّيخ، هي في زعمه بأنّ ذلك الكتاب المنزّل (وليلاحظ القارئ الدّلالات الرّسوليّة Messianic لهذه الكلمة التي تتكرّر كثيراً في كتابه) من الفقه المتزايد للشّريعة السّياسيّة يمكن أن يُعتمد بالإجماع أساساً. فما هي هذه الآليّة للإجماع الذي يعنيه؟ ثمّ متى كان هناك في تاريخ البشريّة، دع عنك تاريخ المسلمين، تنافس في أمور الحكم والسّياسة بالوفاق والتّوالي وبالحقّ الذي يُحتكم إليه، دون الاستناد إلى القوّة؟ وهل من تجربة للحكم يكون فيها الحقُّ محتكماً خلاف التّجربة الديموقراطيّة؟ فإذا كان هذا رأيُه، كيف جاز له أن يصدع بمثل هذا القول وهو الذي دبّر انقلاباً قبل سنوات.

في طول الكتاب، يستعمل التّرابي هذه الأساليب اللولبيّة، فيتكلّم عن أشياء مفروغ منها، بينما في ثنايا هذا يُلقي بمشتجرات نقاشيّة كما لو أنّها هي نفسها تقع في حكم المسلّم بها، مع تقعّر لفظي يندر أن يجد له المرء مثالاً في الكتابات المعاصرة. فهو، مثلاً، يستخدم باستمرار لفظة “السّلطان” باشتقاقاتها للدّلالة على أشكال من مؤسّسات الحكم أصبحت في حكم المعطى في ثقافة القرن العشرين، دع عنك الحادي والعشرين. فهناك الأحكام السّلطانيّة، وهي شيء يختلف عن التّشريعات السّلطانيّة. ويقصد من هذا ببساطة الأحكام الدّستوريّة بالجملة الأولى (الأحكام السّلطانيّة)، كما يقصد التّشريعات البرلمانيّة القانونيّة بالجملة الثّانية (التّشريعات السّلطانيّة). عليه، تعلو الأحكام الدّستوريّة على جميع الأحكام القانونيّة، ذلك لأنّ الجميع يعلم بأنّ الدّستور هو أبو القوانين. لكن، دعونا نستعرض طريقته في التّعبير عن هذا، ثمّ نشفع ذلك بملاحظة عدّة جمل تبدو كما لو كانت حشواً، بينما هي مغروزة داخل بنيان الفقرة بغرض أخذها كما لو كانت أيضاً مسلّماً بها:

«وقد تكون الأحكام تشريعات سلطانيّة أو مبادئ شرعيّة أعمّ من خصوص الأوامر والفروع خطاباً وموضوعاً. ولكنّ الدّستور أعمّ من ذلك، يهمّ كلّ المجتمع بكلّ مقاماته، رعاةً ورعايا، فى أوضاع ولاية تعلو عليهم جميعاً وتحيط بهم كافّة وتؤثّر فى كلّ حياتهم. ثمّ الأحكام السّلطانيّة، أو الّدستوريّة، هى ــــ ثانياً ــــ أقوى وأخطر شأناً، تتعالى حجّةً على كلّ التّكاليف أمراً أو عرفاً أو تشريعاً، وتقع بقوّتها على من يتولّون مواقع سلطة، ويملكون بها أسباب قوّة نافذة على الآخرين، يعلون منصباً على الرّعيّة وعلى كلّ قوى المجتمع المتشعّبة المتوالية المتناصرة بضغوطها، كلٌ يرجع إلى أحكام الدّستور، تضبط الخلافات وتُحكم وقع الإرادات ولو تجمّعت».

فإذا كانت الأحكام السّلطانيّة هي نفسها الدّساتير، وكانت التّشريعات السّلطانيّة هي القوانين لماذا استخدام هذا المصطلح الحوشي؟ ترى ماذا تعنيه بالتّحديد جملة «تتعالى حجّةً على كلّ التّكاليف أمراً أو عرفاً أو تشريعاً»؟ فما هي التّكاليف المعنيّة هنا، علماً بأنّ للكلمة دلالة فقهيّة بعينها؟ هل هي المهام التي قد يُكلّف بها المسئولون؟ ثمّ هل فعلاً تتعالى الأحكام الدّستوريّة على ما عداها من أحكام بالحجّة، أم بالقوّة المادّيّة القسريّة التي ينطوي عليها أمر الدّولة؟ وليلاحظ القارئ الكيفيّة التي أُقحمت بها جملة «وتقع بقوّتها على من يتولّون مواقع سلطة، ويملكون بها أسباب قوّة نافذة على الآخرين، يعلون منصباً على الرّعيّة وعلى كلّ قوى المجتمع المتشعّبة المتوالية المتناصرة بضغوطها»؛ فهذه الجملة غالباً ما تحمل إشارات لحالات مرّ هو بها، وقد يدرك كنهها بعض مرافقيه أو مناوئيه، وبالتّالي لا يكون لها مكان من الإعراب بخلاف ذلك، فهي تحصيل حاصل tautological.

يتحرّى التّرابي الإلغاز والإبهام فيما يقول وفيما يكتب لأمرٍ في نفسه. كأن يقول «إنّ بعض دول السّلطان …»، كما لو كانت هناك دول ليست للسّلطان. ثمّ هو يصدع بأمور لا يمكن أن يقبلها العقل، مثل أن يذهب إلى أنّ التّقوى هي ضابط  أساسي لضمان الحكم الرّاشد:

«وحيثما غشيت الشّهوة جمعاً وعقداً، نكاحاً بين ذكر وأنثى، أو الطمع والغرر، صفقةً بين متعاملين، عارضاً وطالباً فى المال، أو فتنة السياسة، عهدَ ولايةٍ بين راع بسلطته وقوّته ورعيّة بحاجتها وضعفها ــــ حيثما وصلت البشر عقود صلات الحياة وابتلوا بشرّ نفّاثاتها أهواءً ووساوس شيطان، لزم من وراء الضّبط بحكم القانون الظّاهر القاصر أن تحصّن بتذكّر الأخلاق والتّقوى والتّواصى بها».

يحفل كتاب التّرابي بمثل هذه الرّكاكة والتّقعّر، ثمّ تمحّل اللغة بطريقة أشبه ما تكون بكاتب الرُّقى والتّعاويذ، فهو (باللفظ السّوداني) أقرب إلى أن يوصف بأنّه “كاتب حِجْبات”. وعليه، يصبح من شبه المستحيل فهم ما يرمي إليه، أللهمّ إلاّ بتأويله باعتباره نصّاً دينيّاً قائماً بذاته، الأمر الذي يحتاج معه إلى تفاسير. هذا في أفضل الأحوال، وإلاّ جاز وصفها، كما فعل الكثيرون، على أنّها مجرّد “لفّ ودوران”. ولا نغادر موقعنا هذا دون أن نأتي بهذا الاقتباس الذي ندعو القارئ ليتأمّل هذا التّقعّر واللولبيّة في التّعبير فيما يكتبه تحت العنوان الجانبي (الأحكام السّلطانيّة التّشريعيّة):

«كما تتكامل أحكام النّصوص المكتوبة دستوراً وأحكام العرف السّلطاني السّابقة أو اللاحقة، ترسم معاً جملة الواقع الدّستوري، قد تتوارد معها في ذلك تشريعات، وما تلك بالشّرائع الأصوليّة المنزّلة، بل تنزيل منها واستنباط باجتهاد واهتداء بأحكام الدّستور العليا، توضع أحكاماً عامّةً تمضيها مجالس بقرارات إجماع نيابيّة مفوّضة بالانتخاب عن إجماع الشعب المباشر، لا تشرّع الأحكام أصلاً وإنّما تشرّعها تشريعاً، تفصيلاً وتنزيلاً».

أشار أكثر من باحث إلى أنّ التّرابي، ومن خلفه جموع الإسلاميّين الرّومانسيّين، في مأزق كبير، حتّى لو لم يعلموا بهذا (عبدالوهاب الأفندي، 2008؛ عبدالله أحمد النّعيم، 2006؛ 1990؛ حيدر إبراهيم علي، 1991؛ منصور خالد، 1986). في هذا يعاني التّرابي من مأزقين ملتبسين ببعضهما، الأوّل معرفي، والثّاني فنّي. يتمثّل الأوّل منهما في أنّ استشراف الحداثة لا محالة سوف يضع الإسلاميّين السّلفيّين (أو دعاة الإسلام السّياسي، كما يذهب حيدر إبراهيم، 1991) في أزمة حقيقيّة بين ما تعنيه النّصوص وبين ما يقتضيه الواقع، وهو ما شاهدناه في تأرجحات التّرابي. أمّا المأزق الثّاني الفنّي، فيتلخّص في أنّ التّرابي يواجه مأزقاً شخصيّاً كونه قانونيّاً مؤهّلاً من ناحية فنّيّة، أكاديميّة، وفي أعرق الجامعات. عليه، لا يمكن أن يُعذر فيما يصدع به من عموميّات في مجال القانون. ففي تناوله لأسلوب التّرابي بالنّقد والتّحليل، واصفاً مراوغته في الكلام بدلاً من أن يضفي على دعوته لتطبيق الشّريعة الإسلاميّة بعداً فقهيّاً قانونيّاً واضحاً، يقول عبدالله أحمد النّعيم (2006: 68-9) قائلاً:

«… يعتبر التّرابي مثلاً بارزاً للدّاعية النّشط إلى تطبيق الشّريعة حيث إنّ دراسته القانونيّة بجامعة الخرطوم ثمّ دراسته المتخصّصة اللاحقة للقانون في جامعات بريطانيّة وفرنسيّة تدفعنا إلى افتراض إحاطته بالقضايا الأساسيّة المتعلّقة بالدّستوريّة والعدالة الاجتماعيّة والقانون الدّولي. وقد تبوّأ التّرابي منذ عام 1964م زعامة الحركة السّاعية إلى التّطبيق الفوري والكامل للشّريعة في السّودان. ورغم أنّ جماعة الإخوان المسلمين تشكّل محور حركته، فإنّ الحركة تضمّ مجموعة متنوّعة من العناصر الإسلاميّة ممّا يفسّر الاسم السّياسي لها وهو ‘الميثاق الإسلامي’ في السّتّينات و‘الجبهة القوميّة الإسلاميّة’ في الثّمانينات.

«لذلك فإنّ من المدهش ومن الجدير جدّاً بالاعتبار أن نرى هذا الفقيه القانوني المعاصر المدرّب الذي قاد في نجاح هذه الحركة على مدى قرابة ربع قرن حتّى تبوّأت مكانة قوميّة وإقليميّة مرموقة وأصبحت لها قوّة سياسيّة كبيرة، يتجنّب التّعبير عن أهداف الحركة في عبارات دستوريّة وقانونيّة واضحة، ذلك أنّه ما لم يواجه مواجهة صريحة تضطرّه إلى إعطاء إجابة قاطعة، نراه دائماً يتحدّث حديثاً عامّاً عن حقّ المسلمين في تقرير المصير عن طريق تطبيق الشّريعة وعن الحاجة إلى الإصلاح والمرونة بصدد التّقاليد الإسلاميّة دون أن يتعرّض إلى الدّلالات المحدّدة لموقفه من قضيّة المرأة أو من غير المسلمين».

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي