نبيل أديب ظل السيد رئيس البرلمان يحتل موقعاً متميزاً من دائرة الإهتمام العام بتصريحاته الخلافية، ولعل آخرها تصريحه حول الحوار الوطني، والذي شبه فيه الإنقاذ بـ(صقر الجديان) الذي يجدد طاقته بالحوار، 

ليعيش مجدداً 35 عاماً، مؤكداً بذلك صحة موقف الذين رفضوا الإشتراك في الحوار بإعتباره مجرد محاولة لإطالة عمر النظام. ولكن ما زاد الدهشة لدى المراقبين، هو أنه أبدى استعداد الحكومة لتغيير سياستها وإعطاء ضمانات أخلاقية للحركات المسلحة، لدخول السودان والخروج منه للانخراط في الحوار. ولعله يقصد الخرطوم فهم يدخلون السودان ويخرجون منه دون حاجة لإذن، ومع ذلك، فما هو يا ترى ما يمكن أن يغري الحركات المسلحة في دخول الخرطوم والخروج منها إذا كان ذلك يهدف فقط لأن تجدد الإنقاذ طاقتها لتعيش مجدداً 35 عاماً؟ إذا تركنا كل ما يدعو للدهشة في هذه التصريحات، يظل هنالك سؤال هو هل يستطيع رئيس البرلمان ان يتحدث نيابة عن الحكومة في مسألة بالغة الدقة كهذه المسألة؟ من الناحية الدستورية هذه الوعود تخرج قطعا عن سلطاته، ولكن من الناحية السياسية، ربما كان سيادته يتحدث نيابة عن الحزب الحاكم بإعتبار أنه الحزب الذي يرسم السياسات الحكومية، سيراً على درب من سبقوه من رؤساء البرلمانات الإنقاذية، ربما دون أن يتمتع بنفس الوزن الذي كانوا يتمتعون به في الحزب.

عموماً لم يكن الحال دائما على هذا النحو، فقد إتبعنا في أول الأمر النظام البريطاني وقد تم إختيار القاضي بابكر عوض الله كأول رئيس لمجلس النواب لصفته الحيادية. وفي الديمقراطية الثانية رأس السيد / المبارك الفاضل شداد الجمعية التأسيسية ولم يكن حزبياً. وقد تم إنتخاب السادة د. محمد إبراهيم خليل والأستاذ محمد يوسف ، والسيد  فاروق البرير،على التوالي كرؤساء الجمعية التأسيسية من بين أحزاب الأغلبية، في فترة الديمقراطية الثالثة، ولكنهم نأوا بنفسهم عن السياسية الحزبية الصارخة، عملاً بالتقاليد البرلمانية البريطانية التي إرساها البرلمان الأقدم والأكثرعراقةً والتى تجعل لرئيس مجلس العموم دوراً أشبه بالدور القضائى، فيصبح شخصية قومية بمجرد إنتخابه لهذا المنصب الرفيع. و ينبع ذلك من مهام رئيس مجلس العموم وسلطاته و التى أدت لأن يرسى الرؤساء المتعاقبون لمجلس العموم تقليداً راسخاً بالنأي بأنفسهم عما يلصق بهم شبهة التحيز، و ممالأة أحزابهم التى جاءوا منها فى أول الأمر. فرئيس مجلس العموم يمثل المجلس في علاقته بالعرش، ومجلس اللوردات، وباقي السلطات. كما ويرأس جلسات المجلس، ويلزم الأعضاء بإتباع قواعد السلوك في الجلسات، وهو صاحب السلطان الأوحد على  المنطقة الخاصة بمجلس العموم في وستمنستر.  و يظل رئيس مجلس العموم بعد إنتخابه للمرة الأولى رئيساً لكل المجالس التالية إلى أن يتوفى، أو يقرر التنحى. ولكى يتحقق ذلك تتضافر القوى السياسية لإعادة إنتخابه في دائرته فلا يتم ترشيح في مواجهته، وهو بدوره لا يرشح نفسه للإنتخاب في الدورة الجديدة نيابةً عن حزبه بل كرئيس المجلس الذى يرغب فى إعادة إنتخابه. و فى الجلسة الأولى للبرلمان الجديد يسأل والد المجلس – وهو لقب يطلق على العضو الأقدم فى المجلس ــ رئيس المجلس عما إذا كان يرغب فى إعادة إنتخابه رئيساً، فاذا وافق، يطلب من أى من الأعضاء أن يقترح أن يتبوء  رئيس المجلس السابق المنصة كرئيس للمجلس الحالى، ويتم ذلك دون إعتراض. ربما كان تزايد الدور السياسي لرئيس البرلمان لدينا سببه تضاؤل الدور الدستوري للبرلمان، فما هي الحاجة لرئيس محايد لمجلس لا يتمتع بإستقلال حقيقي عن السلطة التنفيذية؟