لقد أثبت النظام الحاكم في الخرطوم بقيادة حزب المؤتمر الوطني بسياساته العملية انه غير راغب في إحداث اي تغيير سياسي ولو جزئي وضمن سقوف متدنية، 

ولا ادل على ذلك من مآلات “حوار الوثبة” الذي دعا له رأس النظام، فانتهى ذلك الحوار الى أن كفر به أبرز دعاته والمراهنين عليه(الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي) الذي اعلن حزبه فشل ذلك الحوار واستحالة الاستمرار فيه، ثم قاطعه، كذلك  حزب “الإصلاح الآن” المنشق عن المؤتمر الوطني، بقيادة غازي صلاح الدين، ولم يأسف المؤتمر الوطني على هذا الانهيار السريع للحوار المزعوع، وسرعان ما استعاض عن حديث الحوار بحديث” الانتخابات”! وشرع عمليا في تجهيز نفسه لمسرحية انتخابية جديدة شدد على انه غير مستعد اطلاقا لتأجيلها عن موعدها المقرر له ابريل من عام 2015، وبينما مفاوضات السلام مع الحركة الشعبية (شمال) متوقفة بعد عدد من الجولات المتعثرة، اتسم خطاب النظام بلغة تصعيدية ضد الحركات المسلحة مصحوبة بتصعيد عسكري في مناطق الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث شهدت تلك المناطق ولا سيما جنوب كردفان قصفا جويا مكثفا ترتبت عليه معاناة مروعة للمدنيين المحاصرين أصلا بالحرمان من وصول الإغاثة ويفتك بهم الجوع والمرض.

ومن هذه المعطيات يتضح ما يخطط له النظام ويعمل بجد لتحقيقه، وهو تكثيف الضغط العسكري على الحركات المسلحة والتركيز على مضاعفة معاناة السكان في مناطق النزاعات بهدف إجبار الحركة الشعبية(شمال) على قبول فكرة حصر التفاوض فيما يسميه النظام “قضايا المنطقتين” اي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وصولا الى اي اتفاق حولهما يفضي الى وقف القتال، والاهم من ذلك يفضي الى تفكيك الجبهة الثورية وإجبار حركات دارفور على الانخراط في “وثيقة الدوحة”، ثم المضي قدما في مسرحية الانتخابات معلومة النتيجة سلفا، أي إعادة إنتاج النظام بكل خصائصه في نسخة جديدة قديمة، ورغم وجود سيناريوهات دولية هدفها احداث تغيير ما عبر التفاوض مع النظام إلا ان سقف اي تغيير يظل رهينا لقوة الفاعلين السياسيين السودانيين!

وتأسيسا على ذلك فإن كل “أصحاب المصلحة في التغيير” مدنيين ومسلحين، على حد سواء مطالبين أكثر من أي وقت مضى بتحقيق اختراق نوعي على أرض المواجهة مع النظام لفرض التغيير فرضا، لان غياب الفاعلية السياسية في “أرض المواجهة مع النظام” تعني شيئا واحدا هو الاستسلام للنظام والترحيب بنسخة إنقاذية جديدة، وتقسيم جديد للسودان او انهياره كلية.