د.ناهد محمد الحسن حين نتأمل عملية الإتجار بالأطفال ومآلاتها البشعة فإنّا سنستشعر بالضرورة غرابتها ووطأتها على الضمير الإنساني والتي  تبدو الى حد كبير كممارسة غرائبية ومنبتة.

لكن مع بعض التأمل والتحليل نجد أن هذه الظاهرة التي أفرخت في مجتمعاتنا وعثرت على دعائم وجذور بسبب عوامل أخرى صارت لها أرضا خصبة وماعونا تتخلق فيه بأقصى انحرافاتها وتشوهاتها. وربما يساعدنا النموذج البيئي على فهم هذه السياقات وادراكها من أقصى العوامل الذاتية المتعلقة بالأفراد مرورا بالأسرة والمجتمع الى رحابة الدولة.

بعض الأطفال يكونون أكثر عرضة للإستغلال والإساءة من غيرهم ويشكلون تحديا تربويا داخل العائلة ومن هؤلاء :الأطفال غير الناضجين، والمرضى والذين يتميزون بصعوبة المزاج والذين يعانون من مشكلات في الإنتباه والنشاط الزائد(الفاعلية المفرطة) او الذين لديهم مشكلات تطورية أخرى.

يعتبر كل من مصطلح مفهوم الذات وصورة الذات من المصطلحات الضرورية لفهم الفرد حيث نعني بصورة الذات مجموعة الخصائص الفردية كالإسم والمهنة والجنس والنوع وغيرها مما يشكل صورة الفرد في المجتمع بينما يعني مصطلح مفهوم الذات الطريقة التي ينظر بها الفرد الى ذاته والكيفية التي يستقبل بها خصائصه ومزاياه فقد يكون البعض صورة ذات سالبة او موجبة عن نفسه بغض النظر عن تقييمنا كمجتمع لمزاياه الفردية.وبالتالي الأشخاص الذين يعانون من سوء تقدير الذات بسبب خبرات ذاتية في الطفولة او عبر التعامل والمقارنة مع الآخرين فإنهم يكونون أقرب للتماهي مع استغلال الآخرين لهم وقهرهم اياهم لأنهم يشعرون بالسوء من انفسهم . ومثال على هؤلاء الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية كالأطفال فاقدي السند واطفال الشوارع الذين يعانون من الخبرات النفسية السالبة بالإضافة لفقدان الحماية المباشرة من قبل الوالدين او الراعي البديل.

هنالك عوامل أخرى يرى الباحثون انها من الأسباب الفردية التي قد تعرض الأطفال للإستغلال ومن ذلك: فقدان الهوية القانونية وفقدان المواطنة.مثلا تبلغ نسب الأطفال المسجلين في دائرة المواليد والإحصاء السودانية في المدن 82.7 % مقارنة ب 45.4 %.فمثلا في الدراسة المذكورة آنفا عن أطفال الهجن فإن 74.6 %ليس لديهم جوازات سفر خاصة مقارنة مع 25.4 فقط لديهم جوازات سفر خاصة وهي ايضا فئة كثيرا ما تستخرج جوازات سفر بشهادات ميلاد او تسنين مزورة.هنالك ايضا الأطفال المطرودين او المتسربين من المدرسة والذين يتورطون في حمل مبكر او يعانون من الإدمان. لا شك ان الأسر التي تعاني من الفقر والعزلة وتنتمي للأقليات العرقية وتفتقر للتواصل مع المجتمع يكون اطفالها اكثر عرضة من غيرهم لحوادث الإستغلال والإساءة. بافضافة لتلك الأسر التي يمارس بعض افرادها الدعارة او تغرق في العنف المنزلي بأشكاله المختلفة او فقدت الرعاية الوالدية او احد الوالدين .كما يرى بعض الباحثون ان التنقل الدائم للأسرة بالإضافة لظروف معيشة مكتظة والفترات القصيرة بين الولادات والمنزل غير المنظم ونقص الإستقرار الوظيفي وضغوطات الحياة اليومية جميعها من العوامل التي تدفع الأطفال لأوضاع الإستغلال والإساءة. بالإضافة لخصائص الوالدين التي تتسم اما بتعاطي الكحول والمخدرات او الإضطرابات النفسية ،تدني المستوى التعليمي،تاريخ اساءة في الطفولة،الإيمان بالقسوة والتأديب البدني ،الرغبة في اشباع الحاجات الإنفعالية عبر الطفل والتوقعات غير المعقولة من سلوك الطفل.مثلا في الدراسة التي اجريت على اطفال الهجن والمذكورة سابقا فإن متوسط عدد افراد الأسرة الواحدة كان 9 أفراد وهو متوسط عال مقارنة مع الأسرة السودانية التي متوسط افرادها 6-7 وقد لوحظ ان هنالك اذدياد في عدد زوجات الأب وتفكك الأسر بسبب ارتفاع نسب الطلاق او الهجران وطبيعة الحياة الرعوية ومانجم عنها من عدم استقرار بالإضافة لغياب الخدمات التعليمية

بعد فترات حكم طويلة شمولية في السودان ،نستطيع ان نقول ان هنالك تراجعا لمفهوم المواطنة والقومية الجامعة لصالح القبيلة. وإن سؤال الإنتماء القبلي في السودان عاد يطل برأسه في وطننا، ذلك السؤال الذي حسمه اجدادنا منذ ان وقف المناضل علي عبداللطيف زعيم جمعية اللواء الأبيض السوداني التي تأسست في 1924 ليجيب سؤال المتحري الإنجليزي عن انتمائه القبلي بقوله(لا يهمني ان انتمي لهذه القبيلة او تلك فكلنا سودانيون يضمنا قطر واحد ونعمل من اجل هدف واحد هو تحرير بلادنا من سيطرتكم). وفقا لنظرية الهوية الإجتماعية فإن(جزء من الطريقة التي نرى بها انفسنا لها علاقة لصيقة بالمجموعة التي ننتمي اليها.وانتماؤنا لجماعة بعينها له أثر فعال في الطريقة التي نعامل بها الآخرين الى درجة انها تلون وتحدد علاقاتنا الشخصية، والسبب في هذا ان هويتنا الإجتماعية مربوطة بحافز شخصي هو تقدير الذات والحصول على الإحترام الإجتماعي). وكما تقول نيكي هيز(يلوح لي ان البحوث الأولى للهوية الجماعية افترضت ان تصنيفك تبعا لمجموعة محددة يقود الى الإنحياز مع المجموعة ضد خارجها in group out group bias حيث يبدأ الناس بتفضيل جماعتهم والتفاعل غير المفضل مع الجماعات الأخرى. وهذه الديناميكيات بالضرورة هي التي تعلي من شأن العصبية والشوفينية العرقية على الآخر وتهيأ للتعامل مع الاخرين وكأنهم غير مساوين في القيمة الإنسانية وبالتالي تتجاهل قضاياهم والامهم وتستسهل تسخيرهم واستغلالهم. وسواء اكان الرق حالة ماثلة واقعيا اولا فإن صورتها الذهنية والنفسية موجودة بكثرة في السودان حيث تأنف كثير من القبائل من مصاهرة قبائل اخرى وتتعالى عليها.

يرى الباحثون  مجموعة من العوامل التي تتعلق بالمجتمع وتتيح بيئة خصبة لإستغلال الأطفال ومن ذلك المجتمعات التي تتميز بالعزلة الإجتماعية وتعاني من نقص في مراكز رعاية الأمومة والطفولة والرعاية الأسرية والتوعية والتنمية.بالإضافة لنقص في برامج ماقبل المدرسة ومراكز الترويح ودور العبادة.  كما يرى بعضهم ان المجتمعات التي تؤمن بعمالة الأطفال وتتقبل العلاقات خارج اطار الزوجية او تسمح بسياحة الجنس. وفي الدراسة التي اجريت على اطفال الهجن كان الفقر وتدني المستوى المعيشي للسرة وعدم توفر فرص التعليم والخدمات الضرورية وعدم وجود بدائل مهنية لكسب العيش كانت السبب وراء سفر الأطفال.

إن الدولة التي تؤمن بأهمية الأجيال القادمة في صناعة المستقبل تولي عناية فائقة لتعليم وتربية النشأ في سياساتها المالية.وبالنسبة للسودان فإن الصرف على التعليم والصحة لا يعدو ال3%.تشكل السياسات والقوانين والبرامج الإستراتيجية التي تهتم بحقوق وحماية الأطفال منطلقات أساسية لطفولة آمنة.وبالضرورة أن تكون للدولة اجهزة رقابة ومحاسبة وشفافية تضبط وتراقب القانون والمشرفين على تنفيذه.وبالتالي فرص أفضل  للعدالة والحماية والشفافية في المجتمعات التي تتمتع بأنظمة ديموقراطية راسخة يكون فيها كل الناس بغض النظر عن مناصبهم الرفيعة تحت طائلة القانون متى مانتهكوه. كما ان التنمية المتوازنة بين الريف والحضر وتوفير التعليم الإلزامي المجاني وتسجيل المواليد وتوفير فرص عمل للجميع،أشياء ضرورية للحد من ظاهرة النزوح للمدن وبالأخص العاصمة  بحثا عن عمالة هامشية تجعل طالبيها عرضة للإساءة والإستغلال . في الدراسة التي اجريت على اطفال الهجن كان الضحايا معظمهم من الولايات الفقيرة فمثلا بعضهم قدم من ولاية كسلا  حيث بها 43.7 % من الأسر الفقيرة. وقد لوحظ ان الأطفال الذين سافروا من غير والديهم لم تتم الإجراءات القانونية بصورة سليمة حيث نجد 60% منهم تم تغيير الإسم و10% لم يسافر عبر المنافذالرسمية(التهريب)و30% سافروا بطرق أخرى.كل هذه المؤشرات تؤكد على عدم وجود جراءات قانونيةتمكن من حماية الأطفال في السفر وأن الكثيرين منهم تم ترحيله برا عبر الحدود الأريترية أو بحرا عبر البحر الأحمر عبر رحلة تكون في العادة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.