خالد فضل أثار الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحركة الشعبية لتحرير السودان السودانية وتنظيم مجلس الصحوة الثوري بزعامة موسى هلال , 

أحد أبرز زعماء ما عرف بمليشيات الجنجويد في دارفور , أثار موجة من ردود الأفعال في مختلف الدوائر الاعلامية والسياسية السودانية ما بين قدح وذم , وهذا يؤكد على أهمية الحدث نفسه غض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول مضمونه وهو حدث جدير بالتوقف عنده ومحاولة قراءته من اكثر من زاوية , صحيح أنه اتفاق يبدو بين نقيضين في كل شئ تقريبا , ولكن الاتفاقات لانهاء الحرب وتحقيق السلام تعقد بين فرقاء متحاربين . وعليه فان اتفاق الحركة الشعبية مع موسى هلال ليس غريبا في هذا الشق , وغدا إذا تم توقيع اتفاق سلام شامل بين سلطة المؤتمر الوطني الحاكمة وجميع فرقائها السياسيين مسلحين وغير مسلحين سيكون اتفاقا بين متناقضين كذلك فهل في الأمر غرابة ؟ بل ما هي غاية أي مفاوضات إذا لم يكن ابرام الاتفاقات التي تنقل الخصوم من خانة العداء الى خانة التوافق , كل الاتفاقات التي ابرمتها الحكومات السودانية المتعاقبة تمت مع فرقاء , مثل اديس ابابا 1972م بين نظام مايو وحركة انانيا المتمردة في جنوب السودان وبين الطرفين سالت دماء وقتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان , مثل نيفاشا 2005م وبين المؤتمر الوطني والحركة /الجيش الشعبي ملايين الضحايا والثأرات والضغائن , وكذا في محطة أبوجا 2006م وبين حركة جيش تحرير السودان (فصيل بقيادة مني أركو مناوي )والمؤتمر الوطني  نار ودماء واغتصاب وتطهير عرقي وابادة جماعية واغتصاب وجنجويد ومليشيات وموسى هلال وحميدتي وغيرهم . وحتى الدوحة الراهنة بين بعض فصائل التحرير والعدالة والمؤتمر الوطني ذات السبط اللئيم من المآسي .

  نصل الى أن توقيع الاتفاق ليس غريبا , وإن بدت المسافة بين الفصيلين الموقعين بعيدة باعتبار المنطلقات الفكرية والبرامج السياسية والشعارات التي يرومها كل طرف , وكذلك ما دار من قتال وعنف بين موسى هلال وبعض فصائل الجبهة الثورية التي تنتمي اليها الحركة الشعبية , وكان الأمر سيبدو كخيانة إذا اتفقت الحركة مع موسى هلال ضد تلك الفصائل , ولكن جوهر الاتفاق موجه بالفعل ضد ممارسات وسياسات المؤتمر الوطني , وهو دعوة لتنسيق الجهود لوقف تلك الممارسات التي يجيدها الاسلاميون واتخذوها سياسة ثابتة منذ سيطرتهم على الحكم انقلابا , أي سياسة فرق تسد , وتخريب أي وشائج أو تفاهمات تربط بين المكتويين بلهيب ممارساته , في هذا الاتجاه يمكن تسجيل نقطة لصالح الاتفاق باعتبار أن المؤتمر الوطني يستغل موسى هلال ورمزيته القبلية واستعداده للانخراط في الحرب والقتال بجانب السلطة ضد تطلعات أهله في اقليم دارفور وبالتالي يمكن القول أن السحر قد انقلب على الساحر هذه المرة فعوضا عن أن يكون موسى هلال ومليشياته هي اليد التي يبطش بها عمر البشير ورهطه , هاهو موسى هلال يتفق مع الحركة الشعبية على العمل المشترك من أجل انهاء مأساة أهلنا في دارفور وتحقيق السلام العادل واعادة الحقوق لاصحابها واحداث التغيير الشامل في بنية الدولة السودانية بما يحقق تطلعات ورغبات غالبية الشعب السوداني وقواه الثورية وقوى التغيير بصورة خاصة . وقد ينكر منكر على الحركة الشعبية وضع يدها مع شخص تحوم حوله الاتهامات في الولوغ في جرائم الحرب في دارفور , هذه جزئية مهمة ولكنها ليست حاسمة لجهة أن معظم القوى السياسية السودانية تنادي اما باسقاط النظام أو التفاوض معه للوصول الى نقطة تفكيكه واعادة بناء الدولة الوطنية على أسس جديدة أبرز عناوينها (وطن يسع الجميع على قدم المساواة ووفق نواميس العدالة وكفالة حقوق الانسان ) ثم لا ننسى أن تلك الخطوة التفاوضية تتطلب أن يكون على الطرف الآخر عمر البشير المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية والصادر ضده أمر قبض من قضاتها , فهل في بال أحد أن يقوم بعض المفاوضين باعتقال عمر البشير من قاعة التفاوض وتسليمه للاهاي ؟ هذا أمر غير وارد بالطبع فالسياسة تدار بعقلية تخلو من العواطف في بعض المحطات الفاصلة , وقد رأينا مثلا وطيلة الفترة الانتقالية 2005_2011م أن شركاء الاتفاقية لم يقدموا ولم يسعوا لتسليم عمر البشير للمحكمة , فهل فعلهم ذاك خيانة لدماء الشهداء ؟

 وهل اذا انشق حميدتي غدا وثاب الى رشده واكتشف أن سلطة الفاسدين هذه تحمي فسادها بجبروته وحماسته للقتال ضد أبناء شعبه الثوار وضد مصالحه ومصالح أهله مباشرة , وأعلن عن رغبته في التخلص من هذه السلطة وممارساتها ومد يده الى مني أركو أو عبدالواحد محمد النور للتنسيق ضد سياسات الفئة المستبدة واساليبها الماكرة , فهل المطلوب في هذه الحالة أن يغتسل حميدتي من ماء البحر المالح سبع مرات واحداها بالتراب ؟ أم سيتم الترحيب بخطوته تلك ومن ثم النظر في امكانية التنسيق معه ؟ إن الثابت في عالم السياسة هو التحولات فالاشتغال بالسياسة لا يعني بصمة جينية لا تزول , وفي حالة الكرب والكوارث التي نعيش فيها في بلادنا يستحسن الترحيب المبدئي بأي خطوة من شأنها المساعدة في اقالة عثرات بلادنا , فقد تم الترحيب مثلا باتفاقية نيفاشا من كل القوى السياسية السودانية تقريبا (عدا حزب التحرير الاسلامي على ما اعتقد ) لأنها في حدها الأدنى أوقفت الحرب , وذات المعيار يمكن أخذه في اتفاق الحركة / هلال المبدئي هذا , ففيه دعوة لوقف الحرب , وهذه محمدة وقد شرح هلال في حوار صحفي بصحيفة السوداني أن اتفاقه مع الحركة مبني على العمل من أجل وقف الحرب فهل هذا عمل حرام كما قال .

 نقطة أخرى جديرة بالنظر هي الموقف الرسمي لسلطة المؤتمر الوطني فعلى غير العادة , لم نلحظ اللغة المتشنجة والتهديد والوعيد كما جرت العادة في حالات سابقة مشابهة فالناطق الرسمي باسم القوات المسلحة تحدث بنبرة سياسية هادئة وحزب المؤتمر الوطني سعى جاهدا تارة لتكذيب الاتفاق وتارة أخرى للتهدئة مع هلال , والمتابع يلحظ أن موسى هلال يقود خطا مناوئا لسلطة المركز منذ فترة طويلة وكثيرا ما حاولت السلطة استمالته فرفض الاجتماع مع نائب الرئيس الا في كبكابية , كما أن المؤتمر الوطني لم يسقط عضويته في برلمانه رغم كل ما يحدث منه , ولعل الراجح أن ثمة خطة ما للتخلص من هلال يتم طبخها بهدؤ وعبر تليين المواقف في انتظار لحظة مواتية , فهذه أيضا من الممارسات المعروفة لدى هذه السلطة فطبيعتها الاستبدادية لا تقبل المغايرة وإن جاءت من نفس الكار .وما عهدنا بهذه السلطة التروي وبعد النظر بل الشواهد اكثر من أن تحصى على التهور واتخاذ مواقف آنية عجولة تكون نتائحها وبالا على البلاد وعلى سلطتهم نفسها وابرز الشواهد الماثلة الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق التي تم صناعتها بالتهور وقصر النظر وهاهي جهود ايقافها تتعثر ومطالبها تتشعب وافرازاتها تتمدد , فلا يمكن الركون الى هدؤ المؤتمر الوطني الحالي باعتباره عودة للرشد فليس فيما يبدو بين القوم رشيد اللهم الا أن تكون هذه احدى لمسات عودة الترابي للامساك بزمام السلطة وهو المعروف بدهائه ومكره اكثر مما هو معروف بانجازاته لمصلحة شعبه ووطنه .