نورا شولز، تبدو اليوم أكثر  سعادة من أى   وقت مضى في حياتها، فقد وجدت ابنتها ميمي أخيرا صديقاً (ein Freund)، ليس لأن ميمي ليست جميلة ولكنها كانت غير اجتماعية ودائما ما يغمرها إحساس بالوحدة،

أو أنها  هي التي تجد نفسها في الوحدة، وكلما تقرب منها شاب ارتبكت وعملت على الابتعاد عنه بقدر الإمكان، وقد تُسْمِعَهُ بعض كلمات غير لائقات أيضا. كان هذا يمثل قلقا كبيرا للأسرة الصغيرة، خاصة أن ميمي تبلغ الآن من العمر الثامنة عشرة عاما بالتمام والكمال، ولا تزال هدايا ميلادها الثامن عشر تتناثر في حجرتها، لقد تعبت أمها كثيرا في أن تقبل ميمي صديقا، وأنفقت في ذلك مالا كثيراً، حيث إنها  عرضتها مرارا وتكرارا للباحثين الاجتماعيين بالمنطقة وأخذتها أكثر  من عشرين مرة لاختصاصي نفسي بفيينا، كانت تقوم نورا بنفسها بكل ذلك، ولم تجد العون من زوجها حُسني درويش الذي اسمه الآن هاينرش “Heinrich“، فقد كان يرى أنه  لا داعي للقلق بشأن البنت وأنها مازالت صغيرة، وعليها أن تنتبه لدراستها ويفضل أن تدخل في علاقة جيدة القصد منها الزواج، فهو لم يقل ذلك مباشرة لزوجته نورا ولكنه كان يفعل كلما يعزز رأيه، لأن ذلك ببساطة سيدعم فكرتها المسبقة عنه بعدم مقدرته على الاندماج في المجتمع الأوروبي، وأنه ليس برأسه الكبيرة سوى خرافات القرون الوسطى. وعندما أخبرته نورا هذا الصباح وهي في غاية السعادة أن ابنتنا الطيبة قد حصلت علي صديق وسيم في عمرها، في الحقيقة يكبرها بشهرين، قال لها محاولا أن يضع ابتسامة كبيرة مزيفة على وجهه الحليق بدقة، تخفي أحاسيسه الفعلية وتظهره كرجل متمدن يستحقها

ياااااه…… أخيرا كم أنا سعيد بذلك.

احتضنته نورا وقبلته بحنو ثم جلست قربه على الكنبة الفسيحة وأخذت تحكي له عن توني.

ليس توني شابا وسيما جدا، أنه  عينة الأشخاص الذين لا يمكنك أن تطلق عليهم لقب القبح، ولكنه مقبول على كل حال، أما ما يميزه عن شباب هذه الأيام أنه  مؤدب ومحترم ولا يتعاطى أيا من المخدرات بل لا يحتسي الكحول، يحب الموسيقى جدا، وهو أيضا   يعزف على الجيتار ويغني أحيانا، درس إدارة الأعمال في جامعة سالزبورج Salzburg، من أسرة ثرية بعض الشيء ووالداه طبيبان معروفان في المدينة، إذا  كان به عيب واحد، وإذا اُعتبر ذلك عيبا أنه  يترك شعره دون حلاقة ويحتفظ ببعض أظافره طويلة، ولا يؤمن بأي من الرسل، ولكنه يؤمن بأن    هنالك خالقا للكون ولكن ليس هو الذي يرسل رسلا لكي يخبروا الناس عنه، في رأيه أن الرب قادر على توصيل ما يريده مباشرة لمخلوقاته، ورب في استطاعته أن يخلق كونا بهذه العظمة والتعقيد، لا تصعب عليه حيلة ابتكار عملية سهلة وجيدة في التعبير عما يريد أن تكون عليه مخلوقاته، بل باستطاعته برمجتها على مشيئة جلالته، بالتالي ما يكون عليه الكون الآن هو بالفعل إرادة الله. وتعرف أن زوجها قد يكون متحفظا بعض الشيء عندما يعرف ذلك في يوم ما، قالت له:

– توني أيضا   لا يكره العرب!

وهذه الجملة الأخيرة أخافته بالفعل،  فلنقل إنها أربكته، ولو أن زوجته كانت تظن أنها  من الإيجابيات، إلا أن درويش أو هاينرش Heinrich منذ أن قدم للنمسا في تسعينيات القرن الماضي قد قطع علاقته بكل ما هو مسلم وعربي، نعم أنه  في الآونة الأخيرة أخذ   يسافر كثيرا لزيارة أسرته بمصر والسودان ويسمي ذلك في إطار العلاقات الاجتماعية والإنسانية لا أكثر، قد لا يريد أن يورط نفسه في تحمل ما يقوم به المسلمون والعرب في شتى أنحاء العالم من خير وشر، ولكنه أيضا   كان يفضل أن يبدأ حياته من جديد، من دون تاريخ، تماما من دون أى   تاريخ، ولا يمكن أن نفسر تغيير اسمه إلى     هاينرش Heinrich واحدا من عمليات محو تاريخه الواعية جدا، فهو لم يفعل ذلك إلا لأنه إذا  أراد أن يحتفظ باسمه العربي عليه أن يدفع ما يعادل اليوم مبلغ 500 يورو عن كل اسم أى   ألف وخمسمائة يورو إذا  أراد أن يكون اسمه حُسني درويش جلال الدين، هذا إذا  أقنع دائرة الهجرة أن جلال الدين هو اسم واحد، وإلا عليه دفع ألفي يورو كاملة، وكان يحتاج للنقود في أشياء أخرى، ولا يرى أن هنالك داعيا ملحا لخسارة مبلغٍ كبيرٍ كهذا، لذا لم يحتفظ بأي من أسماء أسرته أو حتى اسمه فاختار أول اسم ورد لذهنه وهو هاينرش “Heinrich” ثم أضاف إليه كلمة شولز وهو اسم أسرة زوجته، “وأراح واستراح”، فما يفيد الاسم وما الفرق بين شولز ودرويش، وهو ليس عالما له نظريات مسجلة باسمه ولا كاتبا له مؤلفات مهمة ولا موسيقيا أو شاعرا، ولا حتى من أسرة مشهورة ذات تاريخ ما يريد أن يحمل اسمها، كما أن شهاداته الجامعية لا أحد يعترف بها هنا، وليس له أبناء سيرثونه خارج هذه البلاد، وهو أيضا   ليس له ما يرثه، إذا، ليس باسمه ما يهم. عندما يذهب لبلده في زيارة ما، فإنهم سينادونه باسمه الحقيقي القديم وحينها ستتحقق الفائدة إذا  كان لاسمه فائدة تذكر. هاينرش Heinrich يحب أن يبتعد عما يسميه منطقة الغليان وسيرة الغليان بل رائحته أيضا، فقد بدأ حياة جديدة منذ زمن ليس بالقصير، ولا يريد أن ينظر للوراء مرة أخرى، إلا بريبة وظنون، فكلمة عربي هنا مرادفة لكلمة مسلم، ويفهم كثيرٌ من الأوروبيين أن الكلمتين ترادفان ثلاث كلمات أخرى  وهي: الثراء الفاحش والفقر المدقع والتطرف الأعمى.

قال لها:

– أنا لا أهتم بموضوع الديانات كثيراً.

قالت له في إصرار، وهي تنظر في عينيه:

– بل تهتم، لقد رأيتك تصلي، مرتين على الأقل، مرة عندما كنا في الغابة قبل عشرين عاما على الأقل، ومرة قبل شهرين عندما كنا على شاطئ النهر الصغير في فايس باخ  Weissbach

قال لها، وهو يتجنب النظر إلى     ابتسامة نصر صغيرة تتشكل تدريجيا في فمها:

– نعم وربما سوف ترينني أفعل ذلك مرات أخرى، أحيانا أحس     بأنني مدين لله خاصة عندما أرى جمال الطبيعة، فإنني أراه هنالك، لذا ليست صلاتي سوى تحية شكر وعرفان، لا أكثر  فهي لا تخص دينا بعينه، ولا تعني شيئا لشخص غيري.

سألته سؤالا مفاجئا ما كان يتوقعه:

– هل أنت ما زلت مسلماً؟

قال لها مبتسما:

– نعم.

نستطيع أن نقدر عمر هاينرش “Heinrich” الآن بحوالي الستين عاما، وهذا اعتمادا على طبيب الأسنان ووثائق مكتب العمل، فهو لم يمتلك شهادة ميلاد، كل ما يعرفه عن تاريخ ميلاده هو شهادة أمه    بأنه ولد قبل حرب فلسطين التي وقعت بين اليهود والعرب بسنة كاملة، وكانت تقصد حرب 1948، ولكنها أيضا   قد تقصد حروبا سابقة لحرب 48 أو لاحقة لهذا التاريخ، أو العدوان الثلاثي علي مصر في 56، فذاكرتها مشحونة بحروب كثيرة، بعضها لم يحدث بعد، وبعضها حدث بعد وفاتها بعشرين عاما، وبعضها مجرد حكايات سمعتها من جداتها، وكان هاينرش Heinrich يعلم ذلك، ولكنه قرر لنفسه بأنه ولد في 1-1-1947، ووافقه بدرجة كبيرة طبيب الأسنان وحرر له شهادة بذلك، قدمها للجامعة من قبل ثُمَّ لمكتب العمل واعتمدها كتاريخ ميلاد رسميا له، والآن ينعم بالمعاش في ظل هذه الشهادة الواقعية وغير الصحيحة بالمرة، لأن عمره الفعلي غير ذلك، فهاينرش Heinrich قد ولد بعد ذلك التاريخ بعدة سنوات، أى   بالدقة في 30-10-1956، بالطبع لم يعمل بشهادة تقدير العمر التي استخرجتها له أمه    عند دخوله المدرسة بالسودان وهي أنه  مواليد 1-1-1950وإذا كنا الآن في سنة 2013، في شهر مايو، فإن عمره هو 57 عاما، وهذا غير مهم لأن لا أحد غير الراوي، العليم بكل شيء يعرف تلك الحقيقة، وسوف لا يعول عليها  كثيراً، ما عدا ما سوف يلاحظه القراء في الصفحات القادمة من الرواية، أن هاينرش Heinrich يقوم بأنشطة وأفعال أصغر من عمره المعلن بكثير، بل أنه  يأخذ المعاش الرسمي من الحكومة ويعمل في ذات الوقت في شركة ألبان مراقبا للتعبئة 25 ساعة في الأسبوع مع الاحتفاظ بصحة جيدة يحسده عليها كل من هو في عمره المُعلن وعمره الحقيقي أيضا، فمنذ أن قَدِم إلى     النمسا في 3-1-1992، لم يذهب للطبيب سوي مرتين، المرة الأولي إجباريا حيث أخذه مكتب الهجرة للفحص الشامل، والمرة الأخرى ذهب لطبيب الأسنان للتخلص من ضرس العقل المسوس. أما الطبيب البشري فلم يتشرف بزيارته إلى     اليوم بإرادته،( لم نضمن مرات ذهابه للطبيب البيطري، فلقد كانت كثيرة جدا وفقا لمهنته كمخري للكلاب مع الأم شولز.) لم يركب المواصلات العامة إلا ما ندر، أى   إذا  أراد السفر إلى     مدينة بعيدة، ولكنه يستخدم دراجة هوائية في كل مشاويره البعيدة والقريبة داخل المدينة، كما أنه  بعد أن أنجب ابنته الوحيدة ميمي في 30 ديسمبر 1995، اشترى دراجة خاصة بها مقعدٌ مريحٌ لها، وكلما كبرت في السن غيّر الدراجة بحيث تستوعبها أيضا   ولأن زوجته نورا أيضا   تؤمن بأن    الدراجة هي خير وسيلة للترحيل، فلم يجد صعوبة كبيرة في أن يعتمد على الدراجة في كل شيء، وعندما دخلت المدرسة الابتدائية كان للبنت عجلتها وحدها، فلقد “وافق شن طبقة” كما في المثل العربي. ويُرَجَّحْ احتفاظه بجسد رياضي أنيق لبركات الدراجة الهوائية ولا يُنسى في هذا الشأن ذكر حُبه للعمل واستيقاظه المبكر ولكنه يرى أيضا   أن عدم إفراطه في شرب البيرة، هو الذي هيأ له جسدا يخلو من الكرش تقريبا إلى     هذا العمر الطويل المُعْلن، والحقيقي غير المُعْلن، الأقل نسبياً.

بذلك، يمكن بسهولة للقارئ أن يعرف أن هذا اليوم هو نهاية الأسبوع لأنه اليوم الوحيد الذي يقضيه كله هاينرش Heinrich بالبيت، ولا يخرج منه مهما كلف ذلك، ويستطيع أن يتحايل على البقاء فيه بكل السُبل، فهو لا يدعي المرض مطلقا، لأنه لا ينسى حديثا للرسول الكريم يحذر فيه من ادعاء المرض، يحفظه عن ظهر قلب: “لاتمارضوا فتمرضوا فتموتوا”. ولكنه قد يقول بصورة واضحة أنه  تعب جدا، ويشعر بحاجة للراحة، ولو أن زوجته نورا وابنته عرفتا عنه تلك الصفة البيتية إلا أنهما لم تقتنعا تماما لزمن طويل، وظلتا تتجاهلان رغبته تلك، وظل هو يصر على بقائه في البيت في اليوم الأول من إجازة نهاية الأسبوع، ثم أصيبت الأسرة كلها بداء البقاء بالبيت، وهذا يعني أن البنت موجودة الآن في البيت، ولكنها لسبب أو لآخر بقيت في حجرتها أو ربما لكي تعطي أمها وقتا كافيا لإخبار الأب بالتغيرات الجميلة التي تحدث لها، أو أنها  تفعل اللازم من أجل استقبال حبيبها. قالت له الأم:

– درويش، “وهي دائما ما تحب أن تدعوه بهذا الاسم لأنها تعلم أنه  الأحب إلى     نفسه ولو أنها  تنطق الراء بصورة أقرب       لحرف الغين، وأحيانا تنطقه غينا تماما، فيخرج اسمه من فمها، “دَغْوِيشْ”Derwech، وهو أيضا يحب أن تناديه كذلك، وفي الأيام التي يكون مولعا بها فإن تلك الغين تدغدغ قلبه بلذة ساحرة.

 – اليوم سيحضر توني للبيت.

قال منفعلاً:

– ماذا يريد؟

قالت ببرود:

– دعته ميمي.

– ولكن كيف تدعوه ميمي بغير علمنا، واليوم هو نهاية الأسبوع، ولم نكن مستعدين لذلك؟

– هي ليست دعوة بالمعنى المعروف، مجرد زيارة، أنه  لا يحتاج لشيء، تريده ميمي أن يتعرف بك أنت      بالذات، لقد حدثت الدعوة كما قالت لي ميمي بعفوية، لم يخططا لها، كانا يتحدثان في التلفون وقررا فجأة أن يحضر توني، وهذا قد لا يأخذ وقتا طويلاً، وأظن من اللائق تبادل بعض الكلمات مع صديق ابنتك، فأنا قابلته مرات كثيرة،  وسأعد لكم غداء سريعاً، ثم يبقيان معا، قد يحتاجان أن يكونا معاً، وأنا وأنت غير مطلوب منا أن نفعل شيئاً، سوى أن نبقى أبوين طيبين سعيدين بسعادة ابنتنا الوحيدة.

كانت جُملها غير مرتبة، وتشعر بأنها مرتبكة، وقد أحس     هو أيضا بأن    زوجته ليست طبيعية، همست له بصوت أكثر  هدوءا ونعومة:

– قد تكون تلك ليلة ابنتنا الأولى.

قال كمن لدغته عقرب:

– ماذا تقصدين بليلتها الأولى؟

قالت وهي تقترب منه:

– قد يفعلانها.

– ماذا يفعلان؟

قالت وهي تبتسم:

– لا أدري ولكن ما يرغبان في فعله، فهما حران في عمر يسمح لهما بفعل ما هو مناسب لهما.

صمت قليلا، يفكر(…………..)

حسنا، أشعر الآن برغبة الراوي في التوقف عن السرد قليلا، وهذه مشكلة الرواية في هذا العصر بعدما استطاع الرواة الذين كانوا في الماضي شخصيات ورقية هلامية من صنع مخيلة الكُتَّاب، أن يسيطروا على مصائر الأعمال السردية وتكون لهم كلمتهم ووجهة نظرهم، بل حكت لي كلتوم فضل الله وإحدى صديقاتي الكاتبات أن راويا خبيثا في روايتها الجديدة، قد تحرش بها. بالطبع لم أصدقها، كثير ما يلتبس الأمر علي كلتوم وتضيع عنها الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال ولكنني لم أستبعد ذلك تماماً، فقد أصبح الرواة-خاصة الراوي العليم والراوي من الخلف وضمير المتكلم- سُلطة فوق سُلطة الكاتب، من يظن نفسه قديما جداً الخالق الفعلي للنص والمتحكم المطلق في مصائر شخصياته وأداة سرده التي في مقدمتها الراوي نفسه، مما أفقد الكتاب كثيرا من حيلهم الموروثة، بل ماء وجههم في بعض الأحيان ومقدرتهم على الخلق والإبداع، إذا  على رغبة الراوي سنتوقف هنا قليلا، وسيأخذنا إلى     ما يدور في مخيلة درويش أو هاينرش Heinrich في هذه اللحظات وكيف أن الرجل جالَ بخياله وصالَ، ولكن قبل ذلك من المفيد أن نوضح أن هاينرش Heinrich قد وضع في شفتيه ابتسامةً عريضةً وأنه قال وكأنه في غيبوبة أو نوم مغنطيسي، بما يعني أنه  سعيد جداً، وأن زوجته نورا فهمت ذلك.

كان الليلُ مضاءً بقمر نصف مكتمل، ونسبة للأشجار الكثيفة، فإن ظلالها تجعل الليل شبه مظلمٍ، القرية كعادتها تنام مبكراً، تبقى الكلاب وحدها مستيقظة لساعة متأخرة من الليل، ولا يتوقع أحدهم أن فردا من أسرته خارج مرقده، إلا إذا  كان في سفر وعاد متأخرا، أو كان في احتفال بمناسبة ما، وكثيرة هي المناسبات التي تقام في القرية في هذا الموسم بالذات، أى   موسم ما بعد حصاد الذرة، ولكن نسبة للحالة النفسية العابرة التي يمر بها درويش فهو لم يحتج لحبكة درامية جيدة تبرر خروج ابنته في هذا المساء وبقائها إلى     تلك الساعة من الليل خارج المنزل، بل لم يحتج إلى     أن يتخيل حفلا قرويا بهيجا في أحد أطراف القرية لدى بعض الأقارب ذهبت إليه    البنت وعادت متأخرة، أو أى   من الحيل السردية، فهو غالبا ما يصف نفسه بأنه علمي وله خيالٌ محدود، لذا عمل عقله بصورة مباشرة، ابنته ميمي تتمشى في الطريق الذي يمر عبر الحقول، كان القمر كما ذكرنا في بداية هذه الفقرة نصف مكتمل، والأشجار العالية الشوكية تصطف على جانبي الطريق كأنها جنود أسطورية تقوم بحراسة المشاة، تنمو بينها نباتات الحسك والبوص وبعض الأعشاب الموسمية الصغيرة، تعشش تحتها الفيران كبيرة الحجم التي تنشط ليلا عندما تخلو الطرق من المارة الذين قد يصطادونها إذا  ما وقعت عليها عيونهم الشرسة، لا أحدا يأكل الفئران في القرية، ولكن لا أحدا يستطيع أن يقاوم متعة قتل الفئران، فهي في كل الأحوال عدوة ومضرة بالزرع والممتلكات الشخصية، ويُشاع بين السكان أنها  السبب الأساسي لمرض الطاعون وفيروس الكبد الوبائي أو ما يسمونه باليرقان. هذا المكان الذي تخيله موجودٌ بالفعل في قريته، أى   أنه  لم يجتهد كثيرا في استدعائه، ولكن أيضا   علينا هنا توضيح أن هذا المكان الذي تسير فيه ابنته الآن ذكريات كثيرة، بعضها جميل وبعضها غير محبب لنفسه، وهو دائما ما ينسى تلك التجارب المُرة غير المستحبة، وقد يحتفظ بالجميلة، ولكن الراوي العليم بكل شيء كما هو الآن في هذه الرواية يعرف حدثا مهما وقع لدرويش في هذا المكان بالذات، ولقد نسيه درويش تماماً، وإذا خطر بباله ذات يوم عندما تمارس الذاكرة ألاعيبها الصغيرة على البشر وترميهم بأثقالها، قد يظن أنه  حدث وقع لشخص ما آخر لا تربطه به صلة، فابنته تمشي بصورة عجلة وهي تتلفت خلفها بين الفينة والفينة كما يفعل الناس عادة بينما يسيرون في الظلام في مواقع المخافات، ثم تتخذ طريقا جانبية صغيرة عادة ما يتجنبها القرويون بالليل، وهي ذات الطريق التي وجد فيها هو نفسه قبل ثلاثين عاما رجلا غريبا عن القرية مقتولاً، تبين فيما بعد أن أخيه الأصغر هو الذي قام بقتله لسبب تعلم به كل القرية ما عدا الراوي العليم بكل شيء، طبعا لم يبلغ عنه الشرطة حتى يكفي نفسه شر الأسئلة البوليسية اللئيمة، طالما أن بعضهم سيفعل في وقت ما، ولكن في الحقيقة لم يفعل ذلك أى   من سكان القرية، وبقي الرجل هنالك لزمن طويل جدا، نهشت جثته الكلاب والقطط السائبة، أكلت منه النسور وبعض الغربان، إلى     أن تعفن، ثم تحلل، ثم أصبح هيكلا عظمياً، وبعد ذلك أسهمت الريح والأمطار والحكايات وصروف الدهر في بعثرة ما تبقى منه في الأزمنة والأمكنة، ولكن عُرِفَ ذلك الممر الضيق بممر الرجل المقتول. درويش يرى الآن أن هذه القصة ليست سوى إحدى الأساطير التي يختلقها العقل الجمعي ذو الخيال الخصب المنفلت في أحايين كثيرة، ولكن الراوي هنا يؤكد أنها  حدثت بالفعل، لولا أن حكاية هذا الرجل المقتول ليست هي موضوع السرد لانبرى الراوي في الإتيان بالأدلة التي تؤكد وجهة نظره بطريقة فنية مقنعة للقارئ، بل لكاتب الرواية نفسه، لأن كاتب الرواية يميل لظنون البطل الأساسي وهو درويش، بالتالي يشك في حدوثها.

 كانت ميمي فتاة بيضاء، ليست مثل أمها ولكنها ليست في لون الأب الأسمر، وهي نحيفة على نموذج صديقاتها العصريات، لها شفتان مكتنزتان أو كما يحلو لبعض الرواة القول مثل كرزتين كبيرتين وهو الشيء الذي يميزها ويجعلها أكثر  جمالا من كثيرات حولها، طويلة ولها شعر شديد السواد، ولكنها هنا كانت في لونه أى   بُنية بدينة، تلبس جلباباً قروياً جميلاً، لها شعر ذهبي قصير، تفوح منها رائحة عطر بلدي أقرب       لعبق الياسمين، أنه  يغمر أنفه الآن.

عندما سمعتْ البنتُ هاتفا يناديها أسرعت الخطى، تلفتت للمرة الأخيرة، ثم مضت في اتجاه الصوت بينما زادت دقات قلبها، وتعرقت كفها وهي تحس بنشوة عارمة تجتاح كل خلية من جسدها، خليط من الخوف والشعور بالأمان وهو الإحساس المجنون الذي ينتاب المرأة عندما تلتقي برجل على انفراد أول مرة، ذات مساء به نصف قمر، في الزقاق الذي تنمو أعشابٌ موسميةٌ على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم: طريق الرجل المقتول.

قطع حبل خيالاته صوت زوجته نورا وهي تسأله إذا  كانت لديه رغبة في تناول بعض القهوة أجابها بكلمة واحدة

اشناب “schnaps“.

قالت مندهشة

– هل تشرب اشناب بالنهار، ماذا حدث لك؟

قال كمن يتحدث في الحلم:

– احتفالا بالمناسبة السعيدة.

قالت وهي تمضي نحو دولاب الخمور

– أنا أيضا   سأتناول البعض معك، أنه  يوم غير عادي، دعنا ننتشي قليلاً.

نريد أن نوضح هنا شيئا آخر، وهو أن هاينرش Heinrich يخاف من ردود أفعال زوجته وابنته، ولا يثق تماما أنهما قد لا تترددان في رميه في الشارع في أية    لحظة، بعيدا عن البيت الذي يمتلكه هو وحده، وهذا ليس مجرد تخيل منه، ولكنه حدث بالفعل قبل خمسة أعوام، حينما دخل في ثورة غضب- وهي الأخيرة بالطبع- وضرب ابنته في خدها بظهر كفه، وما كان من الأم إلا أن استدعت رجال الشرطة الذين أخذوه مباشرة للحبس، وتم حرمانه من الاقتراب من بيته إلا بعد إخطاره بذلك – أعادوه بعد شهرين- وأُدْخِلَ في برامج متابعة نفسية شديدة القسوة لعام كامل. وأصبح يؤمن بحقيقة تلك المقولة الشهيرة هنا، حول من لهم أولوية الحماية، كالآتي:

 (الأطفال أولا ثم النساء ثم الكلاب إذا  كان بالبيت كلب أو القطط في حالة عدم وجود الكلب، ثم الرجل)

الحمد لله أنه  لم يكن لديهم كلب بالبيت ولا قط، (فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته نورا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلاب Die Hunde shitter، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها). كما أنه  كرجل أجنبي مشكوك في سلوكه ودرجة اندماجه المجتمعي”Assimilation oder Aufnahme“، وتحيط به الظنون، فقد يحتل- في هذه الحالة – موقعا بعد السيارة مثلاً. ولكن فوق ذلك كله يعلم أن نورا تحبه وابنته أيضا   تحبه جدا وهو يحبهما.  ولكن القانون لا يراعي أية    فضيلة للمحبة، ويعمل بصورة ميكانيكية، وعليه بالظاهر كما عليه أن يحافظ على الأخلاق الأوروبية المكتسبة عبر سنوات طويلة من نضال الإنسان ضد الظلم والتمييز ضد المرأة ومصادرة الحريات الشخصية وغيرها، أو كما لقنه المُرشد الاجتماعي، وهي خطبة طويلة مملة مكرورة ولكنها جادة جداً، وعليه أن يحفظها عن ظهر قلب إذا  أراد الاحتفاظ بأسرته. هنالك أيضا شيء جدير بالاهتمام وهو شخصية زوجته نورا وفقا لتاريخ حياتها الذي يعرفه جيدا_ سيتطرق الرواي لذلك بالتفصيل فيما بعد_  عليه أن يحذرها وألا يركن لما يظهر منها من تعاطف وعاطفة وحسن عشرة وسلوك، في عمقه لا يظن أن الإنسان يمكن أن يتغير بهذه السرعة الرهيبة، من متشرد إلى       مستقر يشبه الأمر لديه كتحول محارب غوريللا إلى        سياسي مدني في رمشة عين، كما حدث لزوجته نورا، يحدثه قلبه بأن    الأمر غير طبيعي، أو أنه  لا يفهم كثيرا في البشر، أو أن الإنسان الأوربي له بُنية نفسية غير تلك التي يعرفها عن البشرعامة. قالت له نورا وهي تضع كأسا بها اشناب مقطر من زهرة الهولوندا، ذلك ما يفضله دائماً:

– بعد خمس دقائق سيكون توني هنا، سيصل عند العاشرة.

وقبل أن يرد مرت ابنته أمامه في اتجاهها للحمام، لم ير شيئا مختلفا فيها اليوم، ولكنها كانت سريعة في حركتها بعض الشيء أو كما خُيِّل إليه، ترتدي فستانا قصيرا جميلاً جديدا، لم يره من قبل، الجزء الأعلى من صدرها عارٍ تماماً، حَمْلق فيها قليلا قبل أن تختفي في الممر الذي يقود للحمام، صَبَّ الكأس كلها في حلقه في جُرعة واحدة، وطلب كأساً أخرى، ثم دارت في رأسه  الدوائر:

كان قد خلد للنوم، مثل كل من في القرية، ولكنه استيقظ على صوت ابن عمه الأمين ود النور يصيح قرب رأسه، ويطلب منه أن ينهض بسرعة، أخبره بالأمر في ثوان معدودات وكلمات محددة وحادة، كأنها مُعدة منذ قرون لكي تُقال في مثل هذه المناسبة الثقيلة على القلب، لم يستفسر كثيراً، فقط مَرَّ على حجرة ابنته، في الجزء الآخر من البيت، أضاء النور لكي يتأكد من أنها  ليست هنالك بالفعل، فوجد سريرها خالياً، ولم ير أيضا   حذاءها، مر أيضا   مرورا سريعا إلى     المكان الذي تنام به زوجته، في البرندة الصغيرة التي تقع بين المطبخ وحجرة ابنته. سمع شخيرها وهي عادة اكتسبتها بعد أن أصيبت في أنفها في حادث صغير قبل عدة أعوام. عاد للديوان حيث ينتظره الأمين بعينين محمرتين من الغضب، عليهما دموع متحجرة حامية، على الرغم من الإضاءة الخافتة بحجرته إلا أنه  استطاع أن يتبين مدى غضب ابن عمه وتأثره بالحدث وهو ما يجب أن يكون عليه وجهه في تلك اللحظة الفاصلة في الحياة، حيث إن شرف الأسرة يغوص عميقا في الوحل، الفضيحة التي سوف لا يغسلها غير الدم. قال جملة واحدة سريعة، وكأنه يخاطب العالم كله الذي يبحلق فيه الآن وينتظر رد فعل شجاع وتاريخي منه هو بالذات وفي هذه اللحظة:

– سندفنهما أحياء.

بينما كان يأخذ سكينته الكبيرة من تحت المخدة ويمتشق عصاه وبطاريته. خرجا وهما يهرولان في صمت ظاهري وضجيج عنيف في صدريهما، نحو الزقاق الذي تنمو أعشابٌ موسميةٌ على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم: طريق الرجل المقتول.