التغيير: الخرطوم عندما هاجم المسلحون مقر صحيفة التيار مساء السبت واعتدوا بالضرب علي رئيس تحريرها عثمان ميرغني حاولوا بقدر الامكان الا يكشفوا عن سبب مجيئهم واعتداءهم علي مقر الصحيفة , 

حيث عمدوا الي تغطية وجوههم حتي لا يتم التعرف عليهم , كما انهم اخذوا معهم اجهزة الحاسوب والهواتف التي كانت مع الصحافيين حينها. غير ان احدهم قال عبارة اثناء هجومهم كما روي احد الصحافيين يمكن ان تؤشر علي ماهيتهم حيث قال احدهم ” ان هذا جزاء كل من يخذل الناس والمجاهدين في غزة”.

والتصور  السائد في الوسط الصحافي والسياسي ان من هاجم ميرغني هم متشددون اسلاميون كانوا ساخطين من حديث ادلي به رئيس التحرير في لقاء تلفزيوني حول ان اسرائيل اكثر ديمقراطية من السودان وكل الدول العربية والاسلامية. ويعضد من هذه الرواية شقيق رئيس التحرير والصحافي في نفس الصحيفة علي ميرغني الذي قال “للتغيير الالكترونية ” ان كافة الاحتمالات تظل مفتوحة في سبب الاعتداء علي ميرغني. واضاف ” هنالك حملة شبه منظمة قام بها صحافيون محسوبون علي النظام بعد الحديث التلفزيوني وهذه الحملة هي التي هيجت الجماعات الاسلامية او من يقفون مع الفلسطيين في غزة وجعلتهم يهاجمون رئيس التحرير”.

واشار شقيق عثمان الي ان هنالك قرائن عدة تشير الي ان المعتدين كانوا يريددون قتل شقيقه وليس مجرد تهديده ” ضربوه بكعب الكلاشنيكوف علي رأسه وفي اماكن حساسة وقاتلة في جسده وهم يريدون بذلك قتله .. ولكن الله لطف وكانت الضربات غير قاتلة”.

غير ان صحافيا اخر يعمل في الصحيفة يرجح ان لا يكون الاعتداء له علاقة بما يحدث في غزة. واعتبران الامر له علاقة بتصفية حسابات سياسية واقتصادية بين عثمان ميرغني واخرين. وقال الصحافي الذي اشترط علي “التغيير الالكترونية” عدم ذكر اسمه صراحة لاسباب امنية بحتة ” ان الذين هاجموا مقر الصحيفة منظمون جدا وكانوا يمتطون سيارات تاتشر لا تتوفر الا للاجهزة الامنية او نافذين في الدولة .. واعتقد ان للهجوم علاقة بتصفية حسابات بين عثمان ميرغني وسياسيين واقتصاديين لهم علاقة بقضية الاقطان الشهيرة التي فجرتها الصحيفة”. واضاف الصحافي يقول ” لجأ هؤلاء الي المسلحين وقاموا بدفعهم من اجل تصفية الحسابات مستغلين الاجواء التي خلفها حديثه عن غزة والحملة المنظمة التي بدأت في ذات التوقيت”. ويلفت النظر الي امر اخر وهو ان المسلحين كانوا يمتطون هذه السيارات ويحملون اسلحة رشاشة ويسيرون في وسط الخرطوم بالقرب من اماكن سيادية مثل القصر الجمهوري والقيادة العامة للقوات المسلحة ” لو لم يكن هنالك ثقة بان احدا لن يسألهم لن يتجرأ احد ويمر بمثل هذه المناطق الملئية بالمقار العسكرية والامنية وهو يحمل اسلحة في وضح النهار”

فعليا , وفيما يتعلق بالاجراءات القانونية في هذه القضية قام احد الصحافيين العاملين بصحيفة التيار بفتح بلاغ في قسم شرطة الخرطوم شمال كما علمت ” التغيير اللالكترونية”. فيما قالت الشرطة انها كونت لجنة امنية عليا من اميز ضباط المباحث وبالتعاون مع الاجهزة الامنية الاخري من اجل القبض علي الجناة , افادت تقارير اعلامية غير مؤكدة ان الشرطة تمكنت بالفعل من القبض علي احد المشتبه فيهم بعدما رصدته احدي كاميرات المراقبة المنصوبة بالشارع قرب مقر الصحيفة. 

وكان   المكتب الصحفي للشرطة قد قال في بيان له ونشرته وكالة السودان للانباء  ان  رئيس تحرير صحيفة التيار تعرض  لاعتداء من قبل ملثمين مجهولين في مكتبه قبيل الافطار يوم السبت   
وتحركت قوات الشرطة فور تلقي البلاغ لمكان الحادث ولم تعثر على الجناة. وقال المكتب الصحفي للشرطة أنه حسب افادات شهود عيان أن الاعتداء وقع بعصي من قبل شخصين ملثمين كانا يستغلان عربة لاندكروزر.
وقامت الشرطة بتكوين اتيام للبحث وجمع المعلومات وأتيام للتحري بمستوى رفيع وشرعت في اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة للكشف عن ملابسات هذا الحاد.

وفي يوم الاحد الماضي أوردت صحيفة السوداني خبرا يفيد بان  مجموعة مجهولة تطلق على نفسها (جماعة حمزة  لمحاربة الإلحاد والزندقة ) تبنت  فى بيان الهجوم على صحيفة التيار ، والإعتداء على رئيس تحريرها الأستاذ عثمان ميرغنى . ووصف البيان عملية العدوان ب ( العميلة الجسورة ) التى قام بها حماة الدين والعقيدة ، واشار البيان إلى أنه فى الوقت الذى يتعرض فيه أهل غزة للعدوان ( يأتى زنادقة وملحدون ومرجفون يخذلون ويدينون أهل غزة ، وينحازون صراحة لليهود ، بل يطالبون الدولة بأن تطبع مع إسرائيل نهاراً جهارا ) وتوعدت الجماعة من سمتهم الذين يجاهرون بالعداء للمقاومة الفلسطينية بأنهما ستكون لهم بالمرصاد وستصطادهم ( كما يصطاد الأطفال العصافير ) . وتوعدت الجماعة عضو مجلس الإدارة المنتدب لشركة سكر كنانة المقال محمد المرضى التجانى بأن يومه قد دنا على يدها ، وإتهمته بتمويل (الرافضة الشيعة ) .

يرى مراقبون ان ما حدث مؤشر على ان  تصفية الحسابات في خصومات التيارات الإسلاموية المتصارعة  على السلطة والمال في السودان، وفي هذه المرحلة الحساسة سيكون عنوانها البلطجة التي تستغل العواطف الدينية وتوظف المتشددين.

والجدير بالذكر ان رأي عثمان ميرغني حول تفوق اسرائيل على الدول العربية والاسلامية في الديمقراطية وحقوق الإنسان هو رأي قديم نشره في عموده قبل سنوات مضت وكرره مرارا في مناسبات مختلفة، مما يدل ان الاعتداء له دوافع اخرى، والذي يؤكد هذه الدوافع الاخرى هو إقحام عضو مجلس الإدارة المنتدب لشركة سكر كنانة المقال محمد المرضى التجانى في البيان المنسوب لما يسمى بجماعة حمزة لمحاربة الإلحاد والزندقة وتهديد البيان له بأن يومه قد دنا على يدها، واتهامه بتمويل الشيعة!

ان جريمة الاعتداء على الاستاذ عثمان ميرغني بذات القدر الذي أثارت به استياء واستنكار الوسط الصحفي لانها تمثل العدوان على حرية الصحافة في أبشع صوره، أثارت سؤالا سياسيا وأمنيا يبحث عن إجابة : من الذي   استغل حكاية غزة والجهاد لتصفية حسابات قديمة متجددة مع عثمان ميرغني؟