محمّد جلال أحمد هاشم* أدناه سوف نتناول تجربة فريدة بدورها لعالم سوداني مرموق، وباحث ضليع في مجال الفولكلور والإثنوغرافيا والتّاريخ، ثمّ أديب ومسرحي ومفكّر وناشط وممارس سياسي متمرّس، هو عبدالله علي إبراهيم، ذلك بوصفه سادناً للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بالسّودان.

في استعراضنا سوف نرى كيف يستخدم حيله الأكاديميّة لإضفاء مسحة من المقبوليّة الفكريّة والعقديّة لهذه الأيديولوجيا؛ كما سنرى كيف يتحدثّ عن تجربة زعيم الإسلاميّين بالسّودان (حسن عبدالله التّرابي) واصفاً له بأنّه صاحب رؤية ثاقبة وراشدة في مجال التّوفيق بين الشّريعة (بوصفها شيئاً واضحاً ومعلوماً من الدّين بالضّرورة) والحداثة. وتعتمد إحدى أقوى حيله الأيديولوجيّة المتّهمة في علاقتها بالعلم حديثُه عن الشّريعة بذات أسلوب الأصوليّين، أي بوصفها شيئاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، متراوحاً ما بين استعمال خطاب الأصوليّين في الدّعوة إلى ضرورة تطبيق الشّريعة، ثمّ بين استعمال خطاب الأكاديميا المتجرّد كونه ينقل عن الأصوليّين دعواهم دون أن تكون تلك قناعته بالضّرورة.

يذهب عبدالله علي إبراهيم (2004؛ 2009) فيما يتعلّق بالشّريعة الإسلاميّة إلى أنّها تمثّل تراثاً عميقاً في وجدان الشّعب السّوداني الشّمالي المسلم. ما يؤخذ على عبدالله عليّ إبراهيم، في كتابته عن الشّريعة، مروره على الفكر الدّيني السّلفي مرور الكرام بغير نقدٍ له، خاصّةً وأنّ هذا الفكر المتعلّق بهذه الحركات (في السّودان بوجهٍ خاصّ) قد سندته تجربة فريدة، بها انكشفت عورة وعيبة بؤسها الفكري. فبقدر ما يكيل من الإدانات للنّظام الاستعماري القانوني ومن والاه من لفيف العلمانيّين الذين يرفضون الشّريعة، بقدر ما يغضّ الطّرف تماماً عن نقد الفهم البائس لدى الإسلاميّين الأصوليّين. من ذلك تنديده برأي منصور خالد الذي أشار فيه الأخير إلى أنّ ما تختلف فيه أحكام الشّريعة عن القوانين التي كان يُعمل بها في السّودان في الفترة المايويّة لا يتجاوز نسبة قليلة تتلخّص في الحدود. ففي هذا يقول عبدالله علي إبراهيم: «لقد قبل فكرنا القانوني العلماني حقائق القوّة التي عطّلت حكم الشّريعة في غير الأحوال الشّخصيّة بغير اشتباه. فمنصور خالد مثلاً مطمئنّ للغاية إلى أنّ القانون السّوداني لغير الأحوال الشّخصيّة، المستمدّة من اللوائح والسّوابق القضائيّة الإنجليزيّة والهنديّة، قد قارب عدل الشّريعة أو قصّر دونه بقليل. فحين تناول إنجاز اللجنة التي كوّنها الرّئيس النّميري في 1977 لمراجعة القوانين السّائدة في البلاد آنذاك حتّى تتناسب مع تعاليم الدّين الإسلامي، ذكر، بغير قليل من المباهاة، أنّ اللجنة لم تجد غير 12% من تلك القوانين إمّا تعارضت أو حوت شبهاب إيدلوجيّة معارضة أو اشتملت على موادّ مخالفة للشّريعة. وهذا منطق إحصائي مشكوك النّفع في خطاب الذّهن الدّيني الذي يعتقد في وحدة شرعته والتي ينهار بنيانها المرصوص إذا تداعى حجر فيها ناهيك أن يكون هذا الحجر كبيرة من الكبائر كإباحة الرّبا والخمر أو الميسر في قانون المستعمرين الموروث» (2004: 31-2). هنا نجد عبدالله علي إبراهيم يتنصّل من أيّ مسئوليّة إزاء وجهة نظر منصور خالد الرّصينة التي تقول إنّه بخلاف الأحكام الجزائيّة العقابيّة، يكاد لا يكون هناك فرق بين القانونين. ومناط الاحتجاج في وجهة النّظر هنا ليس هذه النّسبة، بل انحصار فكر الحركات الإسلاميّة الأصوليّة بخصوص إسلاميّة القوانين في جملة أحكام جزائيّة لا تتجاوز أصابع اليد، ولا علاقة لها بنظام الحكم. فعبدالله علي إبراهيم لا يصدع برأي فيما إذا كان مثل هذا النّظر وجيهاً أم لا؛ فهو يُحيل الموضوع إلى محتكم الذّهنيّة الحركيّة الإسلاميّة.

ممّا يفقد عبدالله علي إبراهيم أيّ عذر في تنصّله هذا حقيقة أنّ ما يتكلّم عنه لم يقف عند قيد التّنظير من قبل الحركات الإسلاميّة التي عملت بيديها وقدميها لأسلمة القوانين (بطريقة قوانين سبتمبر وقوانين دولة الإنقاذ التي فارقت جميع مبادئ الحداثة)، بينما لا تعني الأسلمة إلاّ قلّة من الأحكام الجزائيّة. فهذه الحركات الإسلاميّة لم تنكفئ على التّنظير فحسب، إذ دخلت التّجربة طور التّطبيق عندما تمكّنت هذه الحركات من استلام الحكم عبر انقلاب الإنقاذ الذي قام بتدبيره حسن التّرابي (زعيم الحركة). فماذا يا ترى كان حصاد هذا التّطبيق؟ فعندما ينشر عبدالله علي إبراهيم كتابه هذا بعد 15 عاماً من حكم الإسلاميّين، ثمّ بعد 21 عاماً من تطبيق الرّئيس جعفر نميري للقوانين الإسلاميّة التي أوقفت العمل بقوانين المستعمر، لا يكون من المقبول من أيّ ناقد أن يعبر وجهة نظر منصور خالد دون اعتبار لنتائج التّطبيق، خاصّةً وأنّ منصور خالد قد قال كلامه ذاك قبل استلام الإسلاميّين للحكم في السّودان. فقصارى ما يريد منصور خالد، ولفيف العلمانيّين الذين ما فتئوا يكرّرون مثل هذه المقولة، أن يقوله هو إنّ مسألة أسلمة القوانين ليست سوى معركة في غير ما معترك، ومجرّد زوبعة في فنجان، وإنّ حال المجتمع لن ينصلح لمجرّد تعديل 12% من جملة القوانين، غالبيّتها أحكام جزائيّة لا تعني إلاّ الخطاة في المجتمع، أي الذين بدورهم لا يتجاوزون 10% في جملتهم، و5% باعتبار من سيطولهم العقاب. فعبدالله علي إبراهيم يقفز فوق كلّ هذا بسلّم متّهم في علميّته اسمه أخذ المسلّمات بعلاّتها، من قبيل الكبائر، والرّبا، وشرب الخمر؛ هذا بينما كان المفروض فيه أن يقوم بمراجعة هذه المفاهيم في صلب بنائها الاصطلاحي والفكري والخطابي، مشفوعاً بالتّجربة الماثلة. فالإسلاميّون الذين لا يتعرّض لهم عبدالله علي إبراهيم بأيّ نقد، لا من قريب ولا من بعيد، أنفسهم قد مارسوا الرّبا عندما أمسكوا بالدّولة وشرّعوه، بل وسمحوا بالخمور في الجاليات الأجنبيّة، ثمّ عملوا على الإذن بشربها في الفنادق الكبيرة لولا أن قام عليهم فيها من لم يمسك بعصا السّلطة السّاحرة، الماسخة بعد، من لفيف الإسلاميّين الرّومانسيّين؛ كما غضّوا الطّرف عن شربها في المجالس وفي بعض الأقاليم، فلم يرفعوا فيها سوطاً إلاّ من باب الكيد السّياسي لخصومهم، ثمّ تمييزاً عنصريّاً للمجموعات راسخة الأقدام في الأفريقيّة (جنوب السّودان، جبال النّوبة، والنّيل الأزرق ودارفور، ثمّ البجا والنّوبيّين بأقصى الشّمال)، وهي ذات المجموعات التي يرى فيها عبدالله علي إبراهيم حجر عثرة في سبيل التّكامل الوطني بالسّودان. فإذا كان مثل النّقد الذي صدع به منصور خالد «… مشكوك النّفع في خطاب الذّهن الدّيني الذي يعتقد في وحدة شرعته والتي ينهار بنيانها المرصوص إذا تداعى حجر فيها ناهيك أن يكون هذا الحجر كبيرة من الكبائر كإباحة الرّبا والخمر أو الميسر …»، تُرى ما هو رأي عبدالله علي إبراهيم، كباحث ومفكّر في موضوع الشّريعة؟ ماذا عن ذهنيّته هو؟ ففي طول الكتاب وعرضه، لا يني عبدالله علي إبراهيم يتخفّى وراء هذه الذّهنيّة بينما السّياق (علميّاً ووطنيّاً) يوجب عليه، كما يوجب على الجميع، أن يصدع برأي في المسألة الجارية. فمَن مِن نقّاد التّجربة الإسلاميّة لا يعرف هذا الاستغلاق في الذّهنيّة الدّينيّة، وبخاصّةٍ في فهم هذه الحركات للشّريعة كما لو كانت عصا موسى السّحريّة، بمجرّد تطبيقها في مستوى أحكامها الجزائيّة، سوف تنجاب سُدَفُ الضّلالة عن هداية لا تسعها الأرض، فتنبثق الحلول النّاجعة والنّاجزة لجميع أدواء المجتمع؟

يكمن تناقض عبدالله علي إبراهيم في أنّه في حالة بعينها يعيب قصر الشّريعة على قانون الأحوال الشّخصيّة، مبدياً رأيه بأنّ الشّريعة بهذا التّحديد والتّحجيم تكون قد ظُلمت، بل يكون معها المسلمون قد أهينوا. فهو يقول: «وسأجادل في هذا العرض أنّ الشّريعة الإسلاميّة لم تعط مثقال فرصة للكشف عن قيمتها كمصدر محتمل لتحديث القانون خلال فترة الحكم الاستعماري» (المرجع السّابق: 13). فهو يتحدّث عن الشريعة كما لو كانت شيئاً معرّفاً وواضح الحدود والأبعاد بنفس الدرجة التي عليها باقي القوانين الأخرى؛ ولكنّه، مع ذلك، لا يقفل الباب خلفه تماماً، بل يتركه موارباً لأيّ خط رجعة محتملة. فهو يتكلّم عن «… قيمتها كمصدر محتمل …»، وليس كمصدر أساسي، هذا بينما يتحدّث عن ضرورة الإقرار بمحكوميّتها بطول الكتاب وعرضه، آخذاً على السّودان في فترات استعماره وحكمه الوطنيّة عدم إنفاذ هذا التّطبيق. فهو يقول عن هذا: “انتهينا في السّودان إلى قوانين جنائيّة ومدنيّة متأصّلة في القانون الإنجليزي [تُقرأ عندنا ‘الإنكليزي’ بتفضيل الكاف على الجيم القاهريّة) العام في نسختها الهنديّة. فقد جرى تبسيط وتكييف للقانون الجنائي الهندي وتمّ اعتماده في السّودان. وقرّر الإنكليز أنّه لا الشّريعة الإسلاميّة ولا القانون المصري ولا حتّى القانون الإنكليزي العام بصالحة في كليّاتها لاستنباط قانون مدني سوداني” (المرجع نفسه: 14). لاحظ عطف القانوني المصري والإنكليزي العام على الشّريعة! إذ ماذا يفهم المرء من مثل هذا القول؟ فهل عطفُ هذين القانونين على الشّريعة ينطوي على أيّ حالة من الضّلال أم الرّشاد؟ أم أنّه ينطوي على حالة من التّساوي بينها؟

*

مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة