عبد العزيز بركة ساكن عَبَّر الراوي عن رغبته الآن في أن يعود لجملة تَمَّ ذِكرها في الفصل الأول ومَرَّ عليها مُرورا سريعاً، سننقلها هنا كما هي:

(فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته نورا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلاب  ، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها.)

 في الحقيقة تُوجد هنا كلمة تثير الارتباك كثيراً، وهي كلمة مُخَرّي، ومصدرها خُراء، ونستخدمها هنا للمعنى الحرفي لها، أى الشخص الذي يأخذ الكلاب إلى     خارج البيت لكي تتمشى وتقضي حاجتها، ثم يقوم بحمل برازها في كيس بلاستيكي ويلقي به في المكان المخصص لذلك، وهي سلال معدنية أو بلاستيكية تُوجد على جوانب الطرقات معلقة على أعمدة، وغالبا ما يقوم بهذا العمل صاحب الكلب نفسه الذي يجد تسلية ومتعة في التمشي مع كلبه المفضل، وإشباعا نفسيا لقيامه بالواجب تجاه حيوانه الذي في الغالب في مكانة الصديق المُقرب وفي ظروف كثيرة الحبيب الوحيد، كما كان الحال لدي أدولف هتلر، ولكن وجود تعبير (مُخَرِي الكلاب Die Hunde shitter) هنا يُقْصَدْ به شيء مختلف قليلاً، أى يُستخدم كوظيفة تخص السيد هاينرش Heinrich لأنه عندما جاء إلى النِمْسَا عمل بها كأول وظيفة أتيحت له بكرم سخي، وهي ليست وظيفة سهلة لرجل صورة الكلب في مخيلته حيوان نجس يجب عليه تجنب لمسه، فكيف يكون الحال في حمل خُرائِه وتمشيط جلده وملاطفته.

قد ورد أيضا في هذه الجملة اسم ” السيدة لُوديا شولز”، ولكي نتحدث عن هذه المرأة الطيبة، لابد أن نعود إلى الوراء قليلاً، أقصد أن يقوم الراوي العليم بإخبارنا عن كيف وصل حسني درويش جلال الدين الصيدلاني، من أسيوط بصعيد مصر إلى مدينة سالزبورج “Salzburg” بالنمسا، والظروف الغريبة التي وجد نفسه فيها في بلد المهجر، والقصد هنا تبرير عمله كمُخَرِي للكلاب”Die Hunde shitter” لدى السيدة شولز أكثر مما هي لعبة فلاش باك” flashback” يستمتع بها الراوي مع تواطؤ فعلي ومفضوح من قبل المؤلف.

قبل عشرين سنة، أى بعد أن تخرج في كلية الصيدلة بدرجة الامتياز في جامعة أسيوط عن عمر يناهز خمسة وعشرين عاماً. قضى درويش فترة الامتياز في صيدلية حكومية بالمستشفى المحلي، حيث قابل الشخص الذي غير مجرى حياته تماماً، إثر حوار قصير جداً، لن ينساه أبدا.

قال له الرجل القصير البدين، الخمسيني ذو الرأس الأشيب، الذي يبدو عليه الإرهاق الشديد:

– أريد عقاراً منوماً يا دكتور.

– للأسف هذا العقار لا يمكن صرفه إلا بشهادة طبيب.

– أرجوك أنا لم أستطع النوم منذ ثلاثة أيام منذ أن حضرت لهذه البلاد اللعينة، أرجوك أن تساعدني لا أريد أن أذهب للطبيب، لا أتحمل سخافاته وأسئلته ونصائحه التي لا تفيد في شيء بينما كل ما أريده مجرد منوم.

– من أين أتيت أنت؟

– من السويد، جئت للاطمئنان على أمي.

– أريد أن أذهب أنا أيضا للسويد أو أية دولة أوروبية أو أمريكا. الحياة هنا تعني العدم، خاصة بالنسبة للشباب فأنا لا أعرف بعدما أقضي فترة الامتياز ماذا أفعل بحياتي.

– الأمر صعب جدا ولكنه سهل لشاب شجاع ولديه طُموح، ولكنك أيضا قد تتعرض للموت قبل أن تصل، الطريق إلى هنالك تحفها المخاطر، مافيا، تجار بشر، مهربون، بحار وأمواج ولصوص وأسوأ شيء عليك أن تبقى في دولة اسمها اليونان لبعض الوقت، وأضاف بصورة جادة: كل التسامح والجمال الذي في روايات نيكوس كازانتزاكس لا تصدقه، إما أنه  خيال أو أن الشعب اليوناني الذي كتب عنه نيكوس لا وجود له الآن.

ولكن درويش لم يقرأ نيكوس كازانتزاكس، بل لم يسمع بزوربا اليوناني، بالتالي لم تكن لهذه الجملة أية معنى لديه. ثم أضاف الرجل وهو يضع كمية كبيرة من المنوم في جيب سترته، يربت عليها براحة كفه ليتأكد من أنها  هنالك:

– ولكنك عندما تصل إلى أول دولة أوروبية أخرى سوف تنسى كل شيء وتعيش كإنسان، إنسان حقيقي.

ومنذ تلك اللحظة بدأ درويش في الإعداد للهجرة، عبر خارطة الطريق التي رسمها له الرجل بدقة، وخلال بعض العناوين وأرقام التلفونات التي تخص المهربين تمكن من إيجاد أول الخيط، أى الرجل الذي سوف يستقبله في ليبيا، المبلغ المطلوب، والوسيط المحايد ومن الرجل أيضا عرف كيف يتجنب بعض الشريرين والمتطرفين من اليونانيين وتحرشهم، لأن رحلته ببساطة قد تنتهي هنالك بقتله أو بتعفنه في سجن لا عنوان له.

درويش، كعادته كان محظوظا جدا، حيث أنه  حصل على جواز مزور في مصر وعليه تأشيرة صالحة لليونان، ولو أن الأمر كلفه بيع فدانين من أرض زراعية خصبة ورثها من جده لأمه، إلا أنه  لم يندم لذلك، بل ابتسم ابتسامة كبيرة عندما وجد الوسيط ينتظره على استقبال مطار أثينا، ويسلمه نصف ثمن الجواز نقدا، حيث يقوم باستخدامه مرة أخرى  لتخليص شخص ما من براثن فقر العالم الثالث إلى     مراتع الحلم بأوروبا.

لم يعرف إلى اليوم الاسم الحقيقي للوسيط، الذي كان صريحا معه عندما قال له بعربي فصيح ولكنة شامية: يمكنك أن تدعوني راشد، أو ما شئت. ثم انطلقا في عربة تاكسي، عبرا شوارع كثيرة واسعة وبعضها ضيق، مرا بمبانٍ جميلة مشيدة بطراز لا يعرفه، ولكنه كان عبر النافذة يحاول أن يرى شيئا من حضارة اليونان التي قرأ عنها في المدارس، أما ما كان يهمه أكثر  هو أن يتمعن في ملامح الناس، تلك الأوجه التي تعبرها العربة في سرعة بالغة، وتمر مثل الطيف أمام وجهه الملتصق على زجاج النافذة، يريد أن يتبين أيهم الشرير الذي حدثه عنه ذلك الرجل قبل شهور كثيرة بأسيوط عند الصيدلية، وكيف تبدو تلك الوجوه وهي تهم بالانقضاض عليه والتهامه. كانا صامتين، وفضل هو هذا الصمت على كلام قد ينبه سائق التاكسي إلى حقيقته، وكان أيضا خائفا من شيء ما لا يدريه، ربما لأنها هي المرة الأولى التي يسافر فيها خارج مصر وهي أيضا المرة الأولى التي يرتكب فيها أمرا غير شرعي ويحاسب عليه القانون، فاستخدامه لجواز مزور فكرة تثير فيه الرعب كلما تذكر كيف كان يرتجف في دواخله وترقص عضلات بطنه رعبا وهو يدخل مطار القاهرة ويقدم جوازه لموظف المطار، وكيف أن نظرة الموظف إليه    أربكته إلى الدرجة التي أصبح فيها أهون عليه أن يصرخ قائلا: “إنه جواز مزور خذوني”، من أن تبقى عينا رجل الجوازات عالقتين في وجهه مثل أشعة الليزر الموجهة، ولو أن تلك النظرة لم تبق سوى خمس ثوانٍ، إلا أنه  أحس بها سنوات طوال، إلى أن صعد للطائرة. كان ينتظر أن يأتي رجل شرطة ويأخذه للحبس، وعندما بدأت الطائرة في التحرك من الأرض، ثم الإقلاع، أحس للمرة الأولى في حياته أن الله وملائكته ورسله بل وجميع الشياطين يقفون في صفه تماما، يساندونه ويدفعونه للأمام، فبكى. والآن بدأ يخاف من جديد، يخاف من اليونانيين، لا يريد أن يموت هنا أو يتعفن في السجن، أو يصاب بعاهة ما، هو يهرب من بلاده من أجل مستقبل أفضل له ولأطفاله من بعده، ويريد أن يأتي بحبيبته في أسرع وقت ممكن، فهو أيضا   لا يتصور حياته من دونها، ولا يرغب إطلاقا في أن يعوق حياته بعض المتطرفين غير المسؤولين، الذين لا يرون فيه غير ضحية بشرية تصيبهم بمتعة بالغة وهم يؤذونها. ولكن هذا المسمى رشيد الذي يجلس قربه بثقة بالغة ورباطة جأش، الذي يبدو متأكدا من كل شيء في الدنيا، وكأنه الله ذاته، يبعد عنه المخاوف بمجرد جلوسه بمجرد سكونه بمجرد القوة والثقة العظيمة التي تبدو على محياه، بمجرد أنه صامت ولا يتحدث، أوقف سائق التاكسي فجأة، أعطاه بعض النقود، وعندما اختفت آثار العربة، تحرك على إشارته، عبرا شارعين عن طريق كبري للمشاة صغير، كان الكبري مزدحما بالمارة، ولدهشته رأى أن هنالك سحنات كثيرة من البشر تسير في أمان، بيض وسود، وصفر وحمر وبُنيين واستطاع أن يميز بعض السودانيين والمصريين والصينيين أو ما يشبهونهم من سحنات آسيوية وإفريقية. بالطبع كان هنالك اليونانيون، لم ينتبه إليه أحدٌ، بل لم ينظر إليه  أى من المارة ولو لثوان معدودات، كتلك النظرات التي رشقه بها ضابط الجوازات في القاهرة أو رصيفه في مطار أثينا، كلهم مشغولون، يسيرون بسرعة إلى أمكنة ما، مهمومون بأنفسهم. كان كل شيء يمضي طبيعيا، وليس هنالك فرق كبير بين الناس كما رآهم في القاهرة وكما يراهم الآن هنا في أثينا. كان يحمل حقيبة يد صغيرة جدا، وهو ما نُصح به، بها بنطلون واحد وقميصان، فرشة أسنان ومعجون، بلوزة قصيرة من القطن مهداة من حبيبته، وكتاب في الصيدلة. وضع الحقيبة جنبه وهو يجلس على كرسي صغير من الخشب، كان راشد قد جلس قربه يقدم له بعض النصائح بدقة:

 عليك ألا تخرج من هذا المكان إلا وأنا معك، أو أن يأتي شخص ويسألك قائلا: أحتاج منوماً وحبوب لقاح.

كل من في هذا المسكن مهاجرون، ولكن لا تأمن أن يكون من بينهم جواسيس وعملاء بل ومجرمون: لا تعطي سِرَّك  لشخص، وكل ما تقوله هو سر يا رجل، مجرد ذكر جنسيتك أو اسمك أو تاريخ ميلادك، قد يؤدي بك إلى ما لا تشتهي.

حاول أن تكون آخر من ينام وأول من يستيقظ.

لا تأكل إلا ما قمت بطبخه وإعداده بنفسك، وسأسلمك ما تحتاج من طعام الآن.

إذا حدث وتم القبض عليك، تأكد من أنك ستكون وحدك، سوف لا تجد من يقف بجانبك، لا أنا ولا غيري، ستسجن لبعض الوقت، ليس أقل من شهرين وسترسل إلى     مصر أو أية  بلد ما، وقد لا تصلها للأبد.

غدا عند السادسة صباحا، تحمل حقيبتك وتنتظر عند الباب، ونتمنى أن تسير الأمور على ما يُرام، بعد السادسة ودقيقة واحدة بالضبط إذا  لم ترني أو يحضر إليك من يسألك عن المنوم، عليك أن تعود لحجرتك وتمارس حياتك العادية إلى  إخطار آخر.

ثم أعطاه كيسا كبيرا به بعض الأطعمة، وودعه وخرج.

المنزل عبارة عن بناية سكنية كبيرة، يبدو أن معظم ساكنيها آسيويون. كانا قد صادفا البعض وهما يلجان مدخل المبنى لأول مرة بعد هبوطهما من التاكسي والتمشي لدقيقتين بالأرجل على طريق ضيقة مرصوفة بالحجارة. الغرفة التي يقيم فيها هي جزء من شقة كبيرة بها عدد من الحجرات لم يتسن له معرفة كم هو، ولكنه قدره بخمس أو ست حجرات، وفقا للأفراد الذين التقى بهم عند المطبخ المشترك أو عند الحمام العام، وبعض الأصوات التي تأتي إليه من هنا وهنالك. ليس بينه وبين الآخرين سوى تحية مختصرة وهي عبارة عن إشارة باليد وردها بذات السرعة والطريقة، متحاشياً الدخول في أية حوارات قد تأتي بعد التحية. من بين الساكنين سيدة وربما لها أكثر  من طفل، تبدو من هيئتها ولغتها حيث سمعها تتحدث مع أحد أطفالها أنها  من فلسطين أو سورية، وهنالك أيضا رجلٌ رآه يجلس في الصالة الواسعة يدخن سيجارة، له ذقن كبيرة وشعر كث، ويبدو كفيلسوف مخبول، أو مجنون فر من مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، حياه رافعا كفه اليمنى، رائحة دخان السيجارة مميزة جدا، دخان يعرفه، جيدا، مر أمامه في طريقه للحمام، أشار الرجل إليه بأن يأتي إليه، تردد قليلا ولكنه مضى نحوه، أشار إليه    بأن    يجلس قربه على كنبة طويلة بُنية مثل لون الرجل الضخم ذي الرأس الكبيرة المستديرة، ذقنه الكثة تخفي كثيرا من ملامحه، مد له سيجارة في صمت، أشار إليه  درويش بما يعني أنه  لا يدخن، أعادها الرجل إلى علبتها في بطء، أخذ  يرسل دخان سيجارته في الهواء بمتعة خاصة وهو ينظر بعيدا حيث لا مكان بعينه، يبدو عليه الشرود، قال أخيرا باللهجة المصرية سائلاً وهو يحملق في وجه درويش:

– من فين أنت يا بيه؟

كان سؤال الرجل مفاجئا تماما لدرويش، فارتبك، تذكر وصايا راشد له أن كل ما يقوله يقع في خانة الأسرار، كان الرجل قد توقف عن التدخين في انتظار الإجابة وهو يحملق في وجه درويش الذي بدأت عليه تقلصات الحيرة وهو لا يعرف بمَ يجيب الرجل، وأخذت تدور الأسئلة في رأسه، منَ يكون هذا الرجل؟، أهو مخبر أم يريد امتحانه، أهو مجنون أم إنسان عادي بسيط، ماذا سأقول له؟ وعندما طال انتظار الرجل ربما ظن أن درويش قد لا يعرف اللغة العربية، فألقى عليه السؤال بإنجليزية ركيكة، ولكن بقي درويش صامتا يحملق في بلادة في وجه الرجل، شارد الذهن تماما، تتصارع الأسئلة في دماغه، أضاف الرجل:

– أنت لا تستطيع الكلام؟

تنفس درويش الصُعداء، وتأكد له تماما أن الله قد قاده لمخرج، أشار برأسه إيجابا.

قال له الرجل:

– إذا  أنت أبكم، معليش ربنا يشفيك يا أخي.

أشار درويش برأسه علامة الإيجاب، ونهض لكي يذهب، إلا أن الرجل أمسك بيده وأجلسه قربه مرة أخرى، نظر إليه وهو يقول:

– ماذا ستفعل في أوروبا كيف تعيش هنالك وأنت أبكم؟

قام درويش بعمل عدة إشارات لا معنى لها ألحقها بإشارات أخرى  أكثر  إبهاما، ثم أشار إليه بما يعني أنه  يريد أن ينام الآن ولكن الرجل لاحقه بسؤال آخر.

– هل أنت مصري؟

ها هو يجد نفسه في ورطة أخرى، وهو سؤال لا تحتاج الإجابة إليه إلى  كلام، فلغة الإشارة تكفي، حنية صغيرة للرأس إلى الأمام تعني نعم، هز الرأس في اتجاهين مختلفين تعني لا، والأصابع أيضا تجيد قول لا وكلتا الإجابتين تعني إفشاء للسر، بعد صمت محير، قال الرجل مرة أخرى:

– احتمال كبير جدا سيرحلونك بالبحر إلى إيطاليا، وعليك أن تكون حريصا جدا، لأنك قد تغرق، هل تعرف كيف تسبح؟ ولكن هنالك أيضا أسماكا متوحشة شرهة وفي الشاطئ قد تجد الدورية الإيطالية في انتظاركم، وهي مثل كتيبة من أسماك القرش. ابتسم فأظهر أسنانا كبيرة بنية اللون، قال كمن يوجه سؤالا إلى نفسه: هل واجهت سمكة قرش؟.

 ربنا يكون في العون، أنا أفضل الطيران، لذا أنتظر جوازا وتأشيرة منذ شهرين وخمسة أيام، ثم نظر إلى ساعة معلقة في الحائط وأضاف، وساعتين. صمت قليلا ثم تثآب، وضع السيجارة في المطفأة وتركها تدخن في بطء وهي تنطفئ، قال: الانتظار ممل، ولا أحد يريد الحديث هنا، في أية موضوع كان، يعتبرون ذلك ثرثرة، نعم إنهم يتحدثون ولكن بتحفظ، لا يقولون لك شيئا ذا فائدة، وأنت رجل طيب ولكن للأسف لا تتكلم، قد تجد علاجا لحالتك في أوروبا، حاول أن تصل السويد بأية طريقة كانت، السويد يرحبون بالأفارقة، إنهم شعب عظيم إلا أن لغتهم لا فائدة منها تُرجى، ولكن ما يهم وأنت لا تتحدث أية  لغة، فالأمر واحد بالنسبة لك، أنا أريد أن أذهب للسويد، لدي أقارب هنالك، أنا أصلا إريتري، هربت من السجن في أغردات، عشت في مصر فترة وفي السودان، اسمي صلاح سعد، من مدينة كرن، زوجتي وبنتي مازالتا هنالك، كنت أعمل في الصحافة فاتهمت بالتجسس، كله كذب في كذب، ولكنهم ضربوني ضربا شديدا في رأسي، إلى أن اعترفت بأفعال كثيرة لا حصر لها لم أقم بها ولم أسمعها بل لم تخطر على بالي مطلقا، ثم ضربوني مرة أخرى  لأنني لم أجد مبررا مقنعا لقيامي بها وأعتقد بعضهم أن بعضها ليست سوى كذبات. تحت شعر رأسي الآن أخاديد من الجروح القديمة، هل ترى هل ترى؟ وقام بإزاحة شعر رأسه  الكثيف بأنامله لتظهر آثار الجروح عميقة، حدث هذا قبل عامين ولكني ما زلت أراهم كل ليلة يضربونني، لولا البنقو لما استطعت الحياة، هل تحب البنقو؟ هنا يوجد بنقو، بأسعار معقولة جداً، أنا بدخن نوعا خفيفا، خفيفا جداً، أطلب لك علبة؟ عندما لم يجبه درويش أو أنه  لم ينتظر إجابة   من درويش فواصل في الكلام. أحيانا أصاب بدوخة، ولكني الآن في صحة جيدة، صمت قليلا ثم قال فجأة: هل رأيت المرأة، لا….لا، ليست المرأة أم الأطفال، لا لا، أم الأطفال إنسانة راقية وفاضلة، لو كنت أمينا عاما للأمم المتحدة لأعطيتها الخيار في أن تختار جنسية البلد التي ترغب فيها، حرام أن تُولد مثل هذه المرأة في العالم المتخلف الذي لا يعرف قيمة الإنسان، فأنا أقصد الأخرى، إنها  فتاة جميلة جاءت إلى هنا قبل أسبوع، إنها منحلة أخلاقياً، لقد حاولتُ ممارسة الجنس معها مرتين ولكنها رفضتني من دون مقابل، وأنا ما عندي نقود، كل النقود مع الوسيط، حاولتها مرتين أو ثلاث مرات لا أذكر ثم تناسيت أمرها. أنا شخص غير مِلْحَاحْ، هل معك نقود؟، أقصد بعض النقود، إذا  كانت لديك نقود فإنها لا تمانع أن تبيت معك الليلة، يمكنني أن أخبرها لك طالما كنت لا تتكلم، سأقدم لك مساعدة في هذا الشأن، فنحن رجال ونعرف حاجات بعض، النساء يا صديقي فاكهة الليل، هل أذهب لأطلب منها أن تأتي؟ أنا لا آخذ مقابل ذلك شيئاً، إنها  خدمة لصديق، مجرد خدمة لا أكثر، فإذا كان معك عشرة دولارات فهي تكفينا نحن الاثنين، هي لا تمانع في ذلك. نهض درويش من قربه، حاول الرجل الإمساك به ولكنه أفلت من قبضة كف الرجل القوية ومضى نحو حجرته، أغلقها خلفه جيدا، وحاول أن ينام. كانت الساعة التي بالحجرة تشير إلى الثامنة مساء، ويبدو أن الجميع مستيقظون، كانت تأتيه الأصوات من عمق سحيق بالمكان، صوت المرأة ذات الأطفال، بكاء طفل بين فينة وأخرى، صلاح سعد يتحدث مع شخص ما، أو أشخاص ما. أخرج كتاباً في الصيدلة وأخذ يقلب الصفحات بصورة اعتباطية. وحينما سمع طرقات على باب حجرته نهض مذعوراً، ولكنه لم يفتح الباب بل وقف خلفه يتحسس ما بالجهة الأخرى، ثم طُرِقَ البابُ مرة أخرى، كانت النقرات خفيفة جداً، مما جعله يستبعد أن الطارق هم رجالُ الشرطَة، كما أنه  استبعد أيضا أن يكون الطارق ذلك الملتحي المجنون، لأن مثل تلك الشخصية لا يمكن أن تطرق الباب بهكذا هدوء، ومر بخاطره أن تكون هي الصبية التي تحدث عنها الملتحي، نعم قد تكون هي، هل أقنعها، هل أرسلها إليّ: إذا  طَرَقت الباب مرة أخرى سأفتح لها. سمع لجب أقدام تمضي بعيداً، أقدام ثقيلة، انتظر لدقائق أخرى، أطفأ النور، رقد على سريره، وضع الغطاء الثقيل على جسده كله، ترك وجهه مكشوفاً ونام. حلم (بقضاة أرسطو)، هكذا أطلق عليهم في الحلم. هم شيوخ يونانيون يلبسون ملابس حمراء اللون، يركبون بغالا كبيرة لونها أسود، يحملون نبالا وأسهما على أكتافهم، وهم يقودونه عبر حبل طويل جدا، للدرجة التي لا يستطيع معها أن يرى آخر فرد منهم بصورة جيدة. ثم توقفوا به عند العراء، منطقة شبه صحراوية، بها أعشاب وأشجار عملاقة ولكنها جافة، وترك عليها غربان سوداء وبيضاء. حلوا أنشوطة الحبل من ساعديه. خلعوا ملابسه وألبسوه حُلة حمراء كالتي تُلبَس للسجناء المحكومين بالإعدام. قال له كبيرهم ذو الذقن الكثة والشعر الطويل، الرجل الذي يشبه ذلك الشخص الإريتري، بل لحد ما هو ذاته، قال له: أنت      الآن تمثل أمام محكمة شعب اليونان، فأنتم أيها المهاجرون السفلة تعوقون تنمية بلادنا وتسرقون ثرواتنا وتوسخون أرضنا، لذا سنحكم عليك بالإعدام، ولكن رأت المحكمة الموقرة أن تعطيك فرصة للنجاة. طلبوا منه أن يهرب للجهة التي يريدها، وأنهم سوف لا يبحثون عنه إلا بعد نصف الساعة بالتمام، فإذا لحقوا به فإنهم سوف يصلبونه في إحدى الشجرات اليابسات، ويتركونه وجبة شهية للغربان، وإذا لم يجدونه في خلالها، فإنه حر طليق. وانطلق يجري، ولكن فجأة توقفت رجلاه عن الحركة، وأصبح في حالة شلل تام، كانت أذناه تلتقطان دقات الساعة التي تمضي متسارعة، وتتحرك في مشهد سينمائي رقاصاتها عكس الدوران الطبيعي لها نحو نهاية كُتِبَ عليها: ثلاثون دقيقة. وخلفه ليس ببعيد عن ظهره يجلس أعضاء المحكمة على الأرض، يحتسون العرق ويطلقون الضحكات: كانوا عراة تماما، كما ولدتهم أمهاتهم.

استيقظ مبكرا كعادته، عند الخامسة والنصف صباحا، تسلل إلى الحمام، كان قلقا، ليست لديه أية رغبة في أن يقابل أى مخلوق كان، خصوصاً صلاح سعد، ولكن كان الرجلُ موجودا على الكنبة يدخن سيجارة بهدوء في ذات الوضع الذي تركه عليه بالأمس، وكأنه لم يذهب للنوم أو أنه  يسكن في المكان بل جزء من أثاثاته القليلة، ألقى عليه التحية بحركة من يده، وقبل أن يتبين رد الرجل حشر نفسه في غرفة الحمام، خلع جل ملابسه بسرعة، أحس بأن دقات قلبه تتلاحق، وأنه خائف، خائف من كل شيء، لماذا يخاف، ما هو أسوأ ما سيحدث له: الموت؟ هو سيموت في يوم ما مثله مثل كل المخلوقات، حتى القتلة العتاة سيموتون، مات هولاكو، مات جنكيزخان، مات هتلر، مات نيرون، مات فرانكو، مات الحجاج بن يوسف، وغيرهم ممن لم تعنه الذاكرة على استحضارهم الآن، مر بخاطره شطر بيت شعر لا يدري لمن هو، حفظه منذ أيام الدراسة:

 “إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العار أن تموت جبانا”.

ما الذي أتى بذكرى الموت الآن، من هو ذلك الجبان؟ كان مرتبكا جدا، ويبدو أن آثار حلم الليلة السابقة مازالت تحركه من اللاوعي. عليه أن يفعل شيئا من أجل نفسه. من أجل إنسانيته المهدرة. فتح الدش بأقصى طاقة، فتح فمه واسعا، جذب أكبر قدر من الهواء، ملأ به رئتيه جيدا، ثم لم يتردد لحظة واحدة، ولم يفكر أيضا: غنى، نعم غنى بأعلى صوت وهبه إياه الخالق وباركته الملائكة في تلك اللحظة، أول أغنية خطرت بباله:

“No women

No cry

Do you remember

 when we use to sit

In the government yard.

of Trench town?”

إلى أن سمع طرقات عنيفة في باب الحمام، فخرج عارياً، ليجد صلاح سعد والمرأة وطفليها، سيدة أخرى سمراء سمينة، شخصين آخرين غريبين في ملابس النوم، كانوا مندهشين ينظرون في استغراب إلى الرجل الأبكم الذي يغني الآن. ابتسم، ابتسامة واسعة تكفي الجميع، أغلق الباب، أكمل حمامه في صمت، خرج، مضى نحو حجرته. صلى صلاة الصُبح في قِبْلَةٍ اختارها عشوائياً، جمع أشياءه، أصلح السرير، حملق في ساعة الغرفة، كانت السادسة إلا دقيقة واحدة، خرج ينتظر راشد أو من يسأله: هل لديك حبوب منوم وحبوب لقاح.