د.عمر القراي عندما تبلغ الأنظمة الدكتاتورية الغاشمة، نهاية بطشها، وظلمها، وقهرها لشعوبها، ويكون الفساد قد إنتشر في كافة مفاصلها، وانهارات كل دعاويها الدينية، والاصلاحية، ولم يعد لديها شئ تقدمه لشعوبها، تصبح مفارقة السلطة، 

 لا تعني لديها إلا المحاسبة على جرائم لا حد لها .. فهي ترتجف من الثورة، التي تتوقع أن تطيح بها، في كل لحظة، وتسعى، بكل سبيل، إلى تأخير تلك الثورة القادمة، أو إفشالها .. وحتى تضمن على ذلك، تتخلى عن القوانين، واللوائح، وتلجأ الى خلق مجموعات من الدهماء، و (البلطجية)، تبذل لهم ما شاءوا من المال، لينفذوا لها أعمالها القذرة، ويزرعوا الإرهاب في نفوس المواطنين، بالقتل العشوائي، والاعتداءات المتخفية، الجبانة، التي لا تطالهم فيها المحاسبة .. ولقد رأينا ذلك في أخريات حكم الرئيس مبارك، والقذافي، ونراه الآن عند الرئيس الأسد، حيث اضطر المواطنون لحمل السلاح، لحماية أنفسهم، حتى تقسمت سوريا، وتحولت  الى مناطق متناحرة، تشتعل فيها الحروب الأهلية، التي تتزعم بعضها، جماعات دينية، مهووسة، جاءت الى سوريا، من كل حدب وصوب.

إن الإعتداء الغادر، على الصحفي الأستاذ عثمان ميرغني، والشروع في قتله، عند طريق الضرب العشوائي، لا يمثل إهانة للحريات العامة، ولمهنة الصحافة، فحسب، وإنما هو إهانة متعمدة، لكل السودانيين الشرفاء، ومحاولة مقصودة، ومدبرة، لإرهاب حملة الإقلام، وتخويفهم، من نقد النظام المتهالك، العاجز عن تقديم مفكر واحد يستطيع ان يرد على النقد بصورة موضوعية في وسائل الإعلام التي يهيمن عليها النظام . جاء عن هذا الحادث المشؤوم، الذي يمثل أبلغ صور إنحطاط الأخوان المسلمين، وحكومتهم الفاسدة، الفاشلة :(اعتدى مسلحون على الأستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة “التيار” ، مما أدى إلى نقله للمستشفى مغمى عليه، أمس السبت 19 يوليو. وقال صحفي يعمل بالصحيفة كان شاهداً على الجريمة لـ “حريات” انه وفي حوالي الساعة السادسة ونصف من مساء أمس، حضرت مجموعة ملثمة تحمل بنادق وعصى إلى مقر الصحيفة وسط الخرطوم، وعرفت المجموعة نفسها في الإستقبال بأنها من الأمن الإقتصادي وعند السماح لها بالدخول عرفت نفسها في صالة التحرير بانها من الأمن السياسي، بعدها دخل أفراد المجموعة لمكتب الأستاذ عثمان ميرغني رئيس التحرير، وأضاف: “سمعنا بعدها أصوات ضرب وتحطيم فهرولنا لنجدة الأستاذ عثمان الذي وجدناه ملقياً على الأرض وملابسه ملطخة بالدماء، عندها أشهر بعض أفراد المجموعة أسلحتهم في وجوهنا ثم بدأوا ضربنا عشوائياً بالعصى التي كانوا يحملونها، واصابوا الصحفي عبدالله اسحق” . وقال “عندما توقفوا عن الضرب طلبوا منا وهم يشهرون أسلحتهم في وجوهنا الجلوس على أرضية صالة التحرير، وحطموا غالبية أجهزة الكمبيوتر بالصالة وأخذوا بعض الهواتف”موبايلات” الخاصة بالصحفيين ، وكانوا يرددون احاديث عن غزة واسرائيل، ثم خرجوا، ولم تستغرق كل العملية الإجرامية أكثر من ثلث الساعة” واضاف “ان المجموعة المكونة من حوالى  10  أفراد حضرت إلى مقر الصحيفة بعربتى “تاتشر” لا تحمل ارقاما وتشبه العربات التي تستخدمها القوات الخاصة فى جهاز الأمن خصوصاً مليشيا الدعم السريع، الامر الذى أكده صحفى اخر بالصحيفة….)(حريات 20/7/2014م).

فالاعتداء على عثمان ميرغني، قد تم بواسطة حكومة الأخوان المسلمين، وإن نفذه نيابة عنها، مجموعة من (البلطجية)، الذين تستخدمهم لمثل هذه الجرائم الخائرة. ولم يشفع لعثمان ميرغني أنه من حيث افكاره، ومعتقداته، يعتبر أحد أفراد الإتجاه الإسلامي .. وأنه ليس من ضمن المعارضة، التي تسعى الى إسقاط النظام، ولم يتعد نقده، نقد كثير من الإسلاميين، الناقدين لتجربتهم، الساعين لإصلاحها، وتقويمها. ومع ذلك، لم يترددوا في إنكار كل تاريخه، وسعوا للقضاء عليه، بأسلوب لا يقره الإسلام. فليس من الإسلام، أن تهاجم مجموعة من المسلحين، مجموعة من العزل !! وليس من الجهاد، أن يعتدي عدد، على فرد واحد !! وليس من الدين في شئ، أن تباغت عدوك، خارج ميدان المعركة، أو تهجم عليه، قبل ان تنذره ليأخذ حذره .. والمجاهدون لا يأتوا ملثمين، حتى يخفوا شخصياتهم، ولا يكذبوا ويزيفوا هويتهم، ولا يهربوا بعد المعركة، حتى لا يطالهم القانون، ولكن الاخوان المسلميين، والمجموعات التي يستخدمونها، مردوا على كل هذه المخازي!!

 ومما يدل على تآمر السلطة في هذه القضية، عجزها عن القبض على الجناة، وإدانتها للجريمة على استحياء، وفي تردد يكاد لا تنفي علاقتهم بالموضوع .. وهذا في حد ذاته أمر مقصود، لأن الحكومة لو أبدت إدانة واضحة للحادث، حتى صدق الناس، أنه لا علاقة لها بالأمر، فإن الموضوع  يفقد قيمته، لأن المثقفين حينئذ لن يخافوا من الحكومة، مما يجعل الإعتداء على عثمان ميرغني، يصبح بلا جدوى !! لهذا أدان مسؤول أو اثنين الحادث، حتى تخلي الحكومة نفسها رسمياً من المسؤولية، ولكن في نفس الوقت، حرصت الحكومة، على الهجوم على عثمان ميرغني، والتحريض على قتله، من منابر أخرى، تابعة لها، مثل الصفحة الرسمية للقوات المسلحة، فقد جاء ( نشرت صفحة القوات المسلحة الرسمية تعليقات تصف الصحفي المعتدى عليه الأستاذ عثمان ميرغني بـ “الخنزير اليهودي” مطالبة بذبحه من “الوريد إلى “الوريد”. واللافت ان الصفحة الرسمية للقوات المسلحة وبعد أكثر من عشر ساعات على نشر التعليقات المحرضة على القتل لم تحذفها أو تعلق عليها، واذا كان هذا مفهوماً إذا ورد في صفحة تواصل إجتماعي عادية إلا انه لا يمكن تفسيره في صفحة رسمية لمؤسسة رسمية إلا إذا كانت مثل هذه التعليقات تعبر عن “المزاج العام” لمسؤولي الصفحة. وفي ذات السياق نشرت الصفحة الرسمية لقوات الدعم السريع التي تثور شكوك قوية حول تنفيذها للإعتداء الإرهابي على عثمان ميرغني تعليقات شبيهة بصفحة القوات المسلحة)(حريات 21/7/2014م).

ولقد صدر بيان، من جماعة سمت نفسها “جماعة حمزة” ، تتبنى فيه، دون حياء، الإعتداء الآثم، على الصحفي عثمان ميرغني، بدعوى أنه أشاد بأسرائيل. ولو كان هؤلاء الرعاع مجاهدين، لذهبوا الى غزة، وحاربوا اليهود، الذين قتلوا الفلسطينيين، بدلاً من الجهاد في فرد، إتهموه بأنه من ( الذين تعاطفوا بالكلمة مع اليهود والنصاري) !! لقد فشلت الحكومة، في خداع الشعب، فلا أحد يصدق ان مجموعة دينية متطرفة، تملك عربات “تاتشر” ، التي تستخدمها “قوات الدعم السريع”  .. ولو كانت هذه المجموعة، غير تابعة للحكومة، ولو كانت توجهها المفاهيم الإسلامية السلفية، التي ظهرت في بياناتها، لبدأت جهادها برموز الحكومة أنفسهم، لأنهم لم تركوا موبقة لم يأتوها !! ولكن مجموعة “حمزة” لا تهدد إلا من يعارض الحكومة بالرأي، أو بالموقف. فقد هددت السيد محمد المرضي، عضو مجلس إدارة مشروع سكر كنانة، لأنه في خلاف مع الحكومة، وتوافق مع الخليجيين المساهمين في المشروع، وأتهمته بأنه شيعي!! (حريات 12/72014م). ولم تقل كلمة ضد حكومة الاخوان المسلمين الحاضرة، التي هي الآن في تحالف سياسي، وتعاون عسكري، مع نظام أيران الطائفي الشيعي، جلبت بموجبه الأسلحة الايرانية، والسفن الحربية الايرانية، وفتحت البلاد في المقابل للفكر الشيعي !!

أما التهم التي اشيعت ضد الأستاذ عثمان ميرغني، لتبرر العنف به، فليس لها أي أساس.. ففي حلقة برنامج ” قيد النظر”، الذي يقدمه السيد الطاهر التوم، التي اذيعت يوم 13/7/2014م، عن موضوع تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وشارك فيها الى جانب عثمان ميرغني، د. ناصر السيد، والسيد مكي المغربي، لم يقل عثمان أنه يحب أسرائيل، أو يكره الفلسطينيين .. ولم يثن على دولة إسرائيل، ولكنه ذكر أنها تعتبر دولة ديمقراطية، بينما دولة السودان دولة شمولية !! ولقد خالفه المشاركان الآخران الرأي، وركزا على تآمر أسرائيل ضد السودان .. بينما كان عثمان يرى أن مشاكل السودان داخلية، سببها اخطاء الحكومه. وضرب مثلاً بمأسآة دارفور، وكيف أنها بدأت كصراع بين الإسلاميين، ولم تحدث بسبب إسرائيل. لقد كان نقد عثمان للحكومة قوياً، ولا بد أن قد أثر على كثير من المشاهدين، وهذا ما أغضب عليه قيادات نافذة في المؤتمر الوطني، هي التي وجهت جهاز الأمن، باستخدام مليشيات الجنجويد المرابطة في الخرطوم، بالاعتداء عليه، وافتعال مسرحية “جماعة  حمزة”  التي لم يصدقها احد.

وقوات الجنجويد لا ترعى حرمة، ولا تؤمن بأي قيمة، وليس لديها أي تقدير لشهر رمضان، وما يجب ان يلزم المسلم به نفسه، في هذا الشهر المبارك .. فقد جاء (إغتصبت مجموعة أفراد يتبعون لمليشيات الجنجويد 3  فتيات شقيقات أمام أعين والدتهن، بمنطقة  “أم عسل” غرب مدينة قريضة بولاية جنوب دارفور، أمس الاثنين 21 يوليو. وقال شاهد لـ “راديو دبنقا” ان 8 من عناصر المليشيات الحكومية “جنجويد” على ظهور الإبل، يرتدون زيا عسكريا، هاجموا فى الثامنة من صباح أمس الاثنين الفتيات ووالدتهن أثناء عملهن فى الزراعة بمنطقة “أم عسل”، وقاموا بضرب والدة الفتيات الثلاثة وربطها بالحبال عندما حاولت الدفاع عن بناتها، ثم قاموا بإرتكاب جريمتهم حيث إغتصبوا الفتيات الثلاثة بالتناوب لمدة لمدة 8 ساعات متواصلة. وأضاف الشاهد بأن الأهالى نقلوا الفتيات الثلاثة ووالدتهن التي أصيبت بجروح بالغة الى مستشفى قريضة لتلقى العلاج، بينما فر الجناة إلى جهة غير معلومة)(حريات 22/7 /2014م).

فإذا إدعت الحكومة، أنها لا علاقة لها بما حدث للصحفي عثمان ميرغني، فهل تستطيع أن تدعي أنها لا علاقة لها، بجرائم مليشيات الجنجويد المسماة بقوات الدعم السريع في دافور ؟! ألم تقم نفس هذه القوات، بالنهب، والسلب، والإغتصاب، في مدينة الأبيض، حتى خرج سكانها في مظاهرات تطالب بطردهم ؟! ألم ينسب إليهم السيد أحمد هارون، والي شمال كردفان، وأحد قادة المؤتمر الوطني، أفعال النهب والاغتصاب، ويقرر انهم يتبعون لجهاز الأمن؟!

إن حكومة المؤتمر الوطني تستعد الآن للإنتخابات، وهي تأمل في أن تحقق فوزاً ساحقاً، يخفف عليها ضغط المجتمع الدولي، ويباعد بين قادتها والمحكمة الجنائية الدولية. ولكنها لا تريد فوزاً يقوم على تزوير الإنتخابات، بصورة مكشوفة، كما حدث في الإنتخابات الماضية، وسجل ضدها بالصورة في عملية (الخج) المشهودة. لهذا ليس أمامها، غير إستعمال سياسة ذات شقين : الشق الأول: استغلال النفوذ، وبذل الأموال لشراء اصوات البسطاء، والمحتاجين، وتزوير إرادتهم، بدلاً من تزوير أصواتهم .. والشق الثاني : ارهاب المثقفين، والكتاب، واصحاب الرأي، حتى لا يكشفوا للبسطاء المضللين، حقيقة حكومة الاخوان المسلمين، ويؤثروا على الخطة. وهذا الجانب، هو الذي أدى لما حدث للصحفي عثمان ميرغني، وهو بداية لقائمة طويلة، يظن قادة المؤتمر الوطني، أنها هي التي تشكل الرأي العام المناهض لحكومتهم.

 وحتى يبدو جو الإنتخابات ديمقراطياً، أعلنت مفوضية الانتخابات، أنها ستعطي الأحزاب فرصة متكافئة في وسائل الإعلام !! فقد جاء ( الخرطوم (سونا)- إطمأنت المفوضية القومية للانتخابات برئاسة بروفسير مختار الاصم علي استعدادات وزارة الاعلام واستجابتها لاتاحة فرص متكافئة لجميع المشاركين في عملية الانتخابات في الاجهزة الاعلامية القومية ووقفت مفوضية الانتخابات علي الجهود التي تضطلع بها الوزارة في هذا الصدد. جاء ذلك في الاجتماع الذي عقدته المفوضية اليوم مع وزارة الاعلام بحضور د.احمد بلال عثمان وزير الاعلام والاستاذ ياسر يوسف وزير الدولة بالاعلام والاستاذ عبدالماجد هارون وكيل الوزارة … من جانبه قال بروفسير مختار الاصم رئيس المفوضية ان الاجتماع تناول عملية اتاحة الفرص المتكافئة للاحزاب السياسية لكي تنال حظها في اجهزة الاعلام ، واوضح ان المفوضية لمست خلال هذا الاجتماع جدية من الوزارة لاتاحة هذه الفرص لكل الاحزاب حتي تجد حظها من التواصل مع منسوبيها ومخاطبة الشعب السوداني عبر الاجهزة الاعلامية القومية)(الراكوبة 22/7/2014م). فالحكومة تريد أن تعطي خصومها فرصة في وسائل الإعلام، ولكنها في نفس الوقت، لا تريد أن تسمع منهم، ما يؤلب الشعب عليها، خاصة وهي منقسمة على نفسها، وتعاني إنقساماً جديداً كل صباح جديد .. ثم هي لا تستطيع أن تحرك القانون ضدهم، أو تعتقلهم تعسفياً، وهي تدعي إشاعة جو الديمقراطية، المصاحب للإنتخابات !! فالحل إذاً أن يتحدث المعارضون لها، وهم خائفون منها، ومرعوبون من مجرد نقدها .. ولا يمكن أن يتأتى مثل هذا الإرهاب، إلا من جماعات متفلتة، لا تتقيد بالقانون، وتشكل الحكومة لها حماية، من أي مساءلة، وهنا يأتي الدور القذر، الذي تلعبه عصابات الجنجويد.

لقد دعا السيد رئيس الجمهورية للحوار، ولكن تلك الدعوة أجهضت في المحك العملي، حين قامت قوات الأمن بالاعتداء على طلاب الجامعات، واعتقالهم، وتعذيبهم، داخل المعتقلات .. وحين تم إعتقال السيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، والسيد ابراهيم الشيخ، رئيس حزب المؤتمر السوداني، وقد أطلق سراح السيد الصادق المهدي، وظل ابراهيم الشيخ، وبعض أعضاء حزبه،  رهن الإعتقال !!

وإنه من العار الذي لا يمحى، عار خيانة الوطن، أن يواصل زعماء الأحزاب في الحوار مع حكومة المؤتمر الوطني، وأحدهم لا يزال معتقلاً، لمجرد أنه انتقد قوات الجنجويد، رغم ما ارتكبت من فظائع. إن واجب أي زعيم حزب يحترم نفسه، ويحترم أعضاء حزبه، ويحترم الديمقراطية أن يعلن الآن مقاطعة حزبه للإنتخابات القادمة. كما أنه من خيانة أمانة القلم، أن يهادن الصحفيون، وحملة الأقلام، والمثقفين، حكومة الاخوان المسلمين، أو يترددوا في نقدها، بعد ما حدث للصحفي الشجاع عثمان ميرغني.