عبد الله الشيخ  في ظل التشويش المتعمد للوعي الشعبي إزاء القضية الفلسطينية، من قبل سياسيين ومثقفين وإعلاميين في المنطقة العربية ككل،

وبعض الكتاب السودانيين المرتبطين بخطابات فكرية مشوهة أو أجندات تبعد كثيرًا عن عظمة القضية وحجمها وبعدها الإستراتيجي، يبدو أنه من الأجدر أن يطلق كل صاحب ضمير حي ووعي متقد، نداءً يشملهم جميعًا ولا يستثنى منه صاحب هذه الزاوية الموسومة بـ”خط الاستواء”، أن أخرجوا القضية الفلسطينية من دائرة حواراتكم وتنظيراتكم السياسية واتركوها لمقاتلي غزة البواسل، فمواقفكم أدت لحيرة فريدة من نوعها، لازمت تلابيب الرأي العام العربي منذ بداية العدوان الصهيوني الأخير، فحركته كالسفينة التائهة في عرض البحر.

كان من المفترض أن تظل القضية الفلسطينية بوصلة الوطنية وعنوانها للحاضر والمستقبل، وتعبيرًا حيًا عن روح انتفاضات الربيع العربي وشعاراتها التحررية، ومعركة الضمير الإنساني المتواصلة ضد جرائم الاحتلال الصهيوني، لكن يبدو أننا وعلى المستويين الرسمي والشعبي ما زلنا لا نعرف غير ممارسة الأدوار الصغيرة في ظل ما تواجهه فلسطين وشعبها.

ويبرز ذلك في ظل ما تشهده وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي من نقاشات عن أحقية حماس في الدفاع عن نفسها، وعن أهمية القضية برمتها بالنسبة لنا، وهو ما يظهر في أغلب البرامج السياسية العربية في هذه الفترة، غير أن أكثر موقف عبر بجلاء عن حالة انقلاب المعايير الوطنية والأخلاقية رأسًا على عقب، كان حينما احتدّ النقاش في برنامج عرض على قناة “فرانس24 ”  بين ناشطة حقوقية إسرائيلية شددت على ارتكاب الكيان الصهيوني لجرائم حرب في غزة، وباحث مصري نفى وقوع تلك الجرائم ودافع عن قصف مستشفى غزة بحجة أن حماس تخبئ بداخله أسلحة، ما حدا بالحقوقية الإسرائيلية بأن تقول بغضب وحسرة للضيف العربي: “عَيبٌ أن تكونَ عَربي وتتحدث هكذا”.

 في غضون ذلك، يطرح الموقف الرسمي العربي مبادرات تساوي بين القاتل والضحية، ولا تنتصر لقيمة وشرعية المقاومة وحقوقها، صحيح أن المراهقة السياسية لحركة حماس، التي باتت عنوانًا لمجمل مواقفها في الداخل الفلسطيني وفي تعاطيها مع قضايا المنطقة، والمتمثلة بارتباطها بسياسة المحاور والصراعات الإقليمية وتحييدها لبقية فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة من أجل فرض سيطرتها على القطاع، ولدت تجاهها خصومات مع بعض الحكومات العربية مدعومة بمشاعر شعبية غير ودية، إلا أن فعل المقاومة نفسه هو الذي من شأنه إعادة الاعتبار لحركة حماس وإرجاعها لنقائها الأول وتوفير حاضنة شعبية لها في الداخل الفلسطيني وتبييض وجهها أمام الرأي العام العربي، وهذا ما لا يريده خصومها “الساداتيون الجدد” في مصر بقيادة المشير عبدالفتاح السيسي.

في المقابل، فإن إسلاميي السودان ومصر يوظفون بأساليب المزايدة الرخيصة؛ المقاومة في غزة لمصلحة صراعاتهم السياسية الداخلية، ويتناسون أن سقف الهدنة المطروح لحماس والكيان الصهيوني بدعم دولي، يعود لاتفاق التهدئة المبرم عام 2012م إبان حكم مرسي، ويعتبر ذلك من الإنجازات الكبيرة، التي قدمها الأخير لـ”صديقه الوفي” شمعون بيريز المنتهية رئاسته بالتزامن مع انتهاك الكيان الصهيوني للاتفاقية، فهؤلاء المتأسلمون يجيدون كعادتهم تصفية القضية الفلسطينية بوصفها العامل الأمثل للوحدة الوطنية، التي يناهضونها بأفكارهم الخربة ومشاريعهم “الداعشية”، فأطفال غزة لا شأن لهم بعلامة رابعة التجارية، وشباب فلسطين يلتفون حول المقاومة وليس حول تخرصات سيد قطب وهرطقات القرضاوي والسويدان وعصام أحمد البشير.

متى يدرك المجتمع العربي بأن الصراع مع الكيان الصهيوني لا يحتمل أي إسقاطات سياسية من قضايانا الداخلية، وأن مواجهة هذا العدو الإستراتيجي تستدعي التعالي على كل الخلفيات واللافتات والشعارات، لكي لا يعلو صوت غير صوت المقاومة، هذه الإسقاطات السياسية التي ُطرحت بنزعة جهوية وعقلية ضيقة في المناقشات العامة بين السودانيين في الفترة الأخيرة، من خلال مقابلة مخاتلة للقضية الفلسطينية بقضيتي دارفور وجبال النوبة، مقابلة قللت – بوعي أو بدون وعي – من شأن شعبنا السوداني الكريم، لأن عدالة قضايانا وإنسانيتها لا تحتاج لمثل ذلك، ودماء شهدائنا أطهر من محاولة تزكيتها عبر بخس قيمة القضية الفلسطينية بالنسبة لنا، هذه المقابلة المخاتلة تحاول عزل قضيتي دارفور وجبال النوبة من عمقهما الوطني وبعدهما الإقليمي، وتغض الطرف عن عدد من أبناء شعبنا انتهى بهم المآل تحت وطأة القهر والضياع الوطني، بمحاولة الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني، الذي انتقص من كرامتهم وإنسانيتهم وعنفهم عنصريًا، وغضوا الطرف عن حلم الكيان الصهيوني بدولة من الفرات إلى النيل، وعن مباركته لانفصال جنوبنا الحبيب.

                                            عبدالرحمن فاروق صحفي مقيم بالرياض