د.ناهد محمد الحسن يتضح من نقاشنا السابق  حول الأنظمة البيئية التي تسمح بإستغلال الأطفال ،أنه كلما كان الطفل تحت رعاية والدين ناضجين ومسئولين وحساسين تجاه حقوق الطفل واحتياجاته تضاءلت فرص تعرضه للإستغلال.

لذلك علينا أن نكون أكثر حسما في مواجهة أنفسنا فالطفل الذي تم بيعه في الجانب الاخر من الحدود هو طفل تعرض لبيع من قبل اسرته ومجتمعه وسياسات دولته قبل ان تبيعه المافيا او تجار الأطفال..! في دراسة اجريت على صناعة الجنس في الولايات المتحدة ذكرت النساء ان أزواجهن كن متواطئين في عملية استغلالهن والإتجار بهن حيث هنالك 20% من العالم و28% من نساء امريكيات ذكرن ان أزواجهن او خليلهن كان هو قوادهن.  في الدراسة التي اجريت على أطفال الهجن في السودان ،اتضح ان معظم الأسر كانت على دراية بطبيعة عمل الأطفال وإن قالت انها كانت تجهل الملابسات الأخرى التي تحيط بالعمل كالسهر والتجويع والتخويف والضرب فهنالك مثلا 435 أسرة تعلم مقابل 189 اسرة لا تعلم و20 اسرة غير متأكدين. فمجتمعاتنا لازالت تؤمن بأن الأطفال ملك للوالدين يصنعان بهم ماشاءا.وان من حقهم تأديبهم بالصورة التي يرونها مهما كانت قسوتها وعنفها.لقد صدم المجتمع السوداني بقصة الطفلة ام شوايل التي عاقبها والدها بإلقائها في الجب لأنها أضاعت بعضا من ماشيته.

يمكن استخدام النموذج البيئي السابق لمعرفة اي فرد او اسرة او مجتمع ذاك الذي ينتج افرادا بهذا العدوان.  وفي كثير من الحالات يكون الجاني هو صنيعة ظروف اجتماعية محددة تعهدته منذ طفولته بالإهمال والإستغلال والإساءة وعاد ليمرر تاريخ القهر الطويل للآخرين وقديما قيل كل اناء بما فيه ينضح .في دراسة حالة وصف الجاني بأنه سفّاح الأطفال حيث كان يستدرج الأطفال الذكور ليشوه العضو الذكري لديهم او يسبب لهم اخصاء. قد تكون دوافع بعض الأشخاص مرضية كاولئك الذين يعانون من الإكتئاب والفصام والهذيان والإضطرابات المتعلقة بتعاطي المواد المخدرة،والإضطرابات المعادية للمجتمع،الإضطرابات الجنسية،واضطرابات التوافق .فهؤلاء قد يكونوا مدفوعين بهلاوسهم وهذيانهم وخيالاتهم المشوهة.كما ان الجرائم ضد الأطفال قد ترضي النزعات السادية عند البعض.

يتضح مما سبق ذكره أن محطة الإتجار والإستغلال لدى الأطفال الضحايا في الغالب نادرا ماتكون أولى محطات الإستغلال والإساءة.فالضحايا في الغالب عاشوا طفولة مشردة او محرومة او معنّفة ولديهم في الغالب اختلاط للقيم والمفاهيم وسوء تقدير الذات.وإذا تأملنا أوضاع الإتجار او مالات الإتجار فجميعها مصايد خطرة لا فكاك منها تطبق على طفل لم يكتمل بعد نموه النفسي والجسدي والعاطفي وبالتالي قدرته على التعامل مع الضغوط لم تنضج بعد فمابالكم بالضغوط التي تحمل التعذيب والصدمات في طياتها. فبين ويلات الحروب ومعاناتها ومخاطرها والتي تصيب الكبار الناضجين المختارين والمدعومين بقناعاتهم او مبادئهم باتجاه الحرب يعاني البعض منهم من اضطراب مابعد الصدمة وبالتالي يمكننا ان نتخيل وقع هذه الصدمة على الأطفال بالضرورة.عدا الكسور والجروح الخارجية عاد اطفال الهجن بمعاناة نفسية تمظهرت في التبول اللاارداي لدى البعض ونوبات الصرع لدى آخرين كما سبق واوردنا. اما الأطفال ضحايا الإستغلال الجنسي في الحروب وغيرها فإن واقعهم ادهى وأمر.إذا لدينا طفل لم ينضج بعد يواجه منعزلا اوضاع خطرة يرتعد منها الكبار في الغالب تتباين من التهديد والضرب والإهمال والإساءة العاطفية والجنسية والتعذيب. في مصيدة يصعب الفكاك منها في غالب الأحوال.يقول الدكتور مصطفى حجازي:(ان هنالك محورين أساسيين تدور حولهما الحياة النفسية للإنسان المقهور ،هما علاقة التسلط –الرضوخ من ناحية واعتباط الطبيعة من ناحية ثانية.ويلازمهما معا في تفاعلهما،الإنعدام الأساسي للشعور بالأمن.وسيطرة حالة من العجز أمام الطبيعة وأمام المتسلط).

تجتمع عوامل كثيرة لتضع مجموعة من الأطفال قليلي الحظ في وضع الإتجار.مما يجعل كثير من الأيادي متورطة في هكذا فعل. وقد أثبتت الكثير من الدراسات أن الأطفال الذين يتعرضون للإساءة غالبا مايتحولون الى مسيئين هم انفسهم فكما يقول د.مصطفى حجازي ،ليفلت الشخص المقهور من تبعات القهر على الذات والتي تهددها بالتلاشي وخطر الإنفجار يستجيب الشخص المقهور بإحدى طريقتين :اما ان يمرر هذا القهر الى خارجه فيتحول الى العنف والإعتداء او يرتد بهذا القهر الى ذاته فينسحب من المجتمع ويتماهى مع قاهره ويلقي اللوم على نفسه وقد يتحول الى الإدمان وغيره من المخاطر .وبالتالي فإن علينا تجفيف منابع الإتجار بالأطفال في شتى مواردها الشخصية والأسرية والإجتماعية والثقافية والسياسية حتى لا نكون كما قال أحد الكتاب نصنع المجرمين لنعاقبهم.

حين نضع سياسات لمواجهة قضية الإتجار بالأطفال علينا أن نفكر بالعديد من الشركاء الذين يتوزعون على قطاعات المجتمع المختلفة ويخاطبون جذور هذه الأزمة.التي لا تكفي القوانين الرادعة فقط في الحد منها.لأنها بحاجة لأفق سياسي يعتني ببنى تحتية تدعم هذه القوانين وتجعلها قابلة للتنفيذ والمتابعة والمراقبة والتطوير. كما على هذه السياسات ان تنبني على بحوث جادّة ومسئولة تحلل المشكلة في كافة ابعادها وتبحث في عوامل الخطورة فيها وتخضع الضحايا لدراسات نفسية طولية تتابعهم لسنوات للوقوف على أثر هذه الممارسات بالكامل.ومن المهم جدا أن يشرك جميع الناس عبر وسائل الإعلام العديدة في حوارات من هذا النوع ترفع الوعي وتزيد الحساسية .وبالأخص اذا اهتمت المدارس والجامعات بمشاريع المسئولية الإجتماعية التي يتطوع فيها التلاميذ والطلاب في برامج تقديم العون لأطفال آخرين.مما يرفع حساسيتهم تجاه معاناة الاخر.

وأخيرا :ان ماانتهى بسيد اسود في البيت الأبيض ،ليس مجموعة من قوانين تحريم الرق والحريات المدنية وسياسات ايقاف العزل والتمييز ولكنها المواجهة والإعتراف بالأزمة والحكايات العديدة التي تناولتها الدراما والأشعار والأغاني والرقصات والموسيقى والرياضة والكوميديا وغيرها من الرسائل المتكررة الملتزمة بإحترام الاخر والتي كانت تصب في إذن وعين المواطن الأمريكي صباح مساء مايزيد حساسيته تجاه الآخر ويفاقم نفوره من الشوفينيات على اتساعها ويدير وجه الرق الكالح من كل زاوية ليريهم كوامن قبحه مشفوعا بالحكايات الحية للذين ماتوا وعانوا ليكون هنالك سود في المدارس و الجيش او في المارينز او في الطيران او في مقدمة البص او في المسابح او في الأحزاب السياسية ..الخ علينا اذا ان نتسلح بذات اليقين والإيمان والإلحاح،حتى نتأكد من أن العامّة في بلادنا سيصدمون بعمالة الأطفال وتشردهم وفقدهم للرعاية وتسولهم واهمالهم والإساءة لهم بكل اشكالها عاطفية كانت او جسدية ،جنسية او حتى اهمال.دون هذا سيظل الآف الأطفال في بلادي وبلاد أخرى عرضة لإنتهاكات تجد طريقها دائما لإعادة انتاج ذاتها في الثغور التي تسربت منها.