خالد فضل بحسب الاحصاءات هنالك حوالي 1700مدرسة خاصة في ولاية الخرطوم , تضم اكثر من 200الف تلميذ /ة في مرحلتي الاساس والثانوي , وقوة تدريس قوامها يربو على ال18الف مدرس /ة وحوالي 8الآف عامل وموظف , 

يقدر ما تدره من مال لخزانة الولاية ب3 مليار جنيه (بالقديم) , ذلك حسب افادة رفدتني بها الزميلة الصحفية نوال شنان المهتمة بالشأن التربوي. قبل أيام ظهرت نتائج امتحانات الشهادة الثانوية وهي مناسبة سنوية للتعليق على مسار التعليم وحاله في بلادنا , ثمة وقائع مزرية في هذا الحقل ففي ولاية الجزيرة مثلا تتحدث وزيرة التربية والتعليم عن نقص حاد في عدد المعلمين بولايتها يقدر ب7الآف فإذا كانت الجزيرة وهي من ولايات الوسط المستقرة والتي نشأت فيها المدارس البكر في السودان منذ أن خط التعليم النظامي في بلادنا دروبا تعاني مثل هذه المعاناة الفادحة فكيف حال جنوب كردفان ودارفور الكبرى والشرق المنسي والنيل الازرق القصي ؟ الصورة تبدو أكثر قتامة في معسكرات النزوح واللجؤ التي تأوي ملايين الأسر السودانية والأطفال الذين يكبرون بسرعة وينمون ويفوتهم قطار التعليم ليتأهلوا بجدارة الى صفوف الفاقد التربوي وانسداد الآفاق وبالتالي يسهل استخدامهم كوقود لحروب السودان الأهلية المستمرة وغارات القبائل المستعرة وغبائن العشائر المتقدة , الاستخدام المزدوج عبر التجييش النظامي والمليشيات الحكومية أو في صفوف الثوار أو حتى في عصابات النهب والسلب , ففي المجتمعات التي لم تتذوق طعما للاستقرار منذ عقود من الزمان الملتبس تبقى مسألة ارسال الاطفال للمدرسة إن وجدت عبثا لا طائل من ورائه وهنا تتعمق المأساة بنشؤ أجيال متعاقبة من السودانيين الذين يشكلون عقبة كأداء في سبيل أي مشروع تقدمي قادم وهذه من محن السودان بعد 25سنة من السير في الاتجاه المعاكس للاستقرار والتقدم والتنمية , تحت راية حكم جماعة الاسلام السياسي التي انحصر همها طيلة هذه السنوات الطويلة في شيئين اثنين التمركز في السلطة والزود عنها .

      الهم طويل وعريض وفسيح في هذا المضمار , لذا سأحاول في هذا المقال العودة للعنوان أعلاه كجزء من الانشغال بهذا الحقل , وأعني التعليم الخاص , في الواقع نجد أن تاريخ التعليم في العالم يحدثنا أن بدايات تلقي التعليم تمت عبر التعليم الخاص وذلك قبل ميلاد الدولة كمفهوم حديث نسبيا , تقول روايات الفاعلين في التاريخ البشري منذ القدم أنهم تلقوا العلم على أيدي معلمين خاصين , في اوربا العصور الوسطى وفي الدولة الاسلامية في أوج عنفوانها , والى تاريخنا السوداني القريب , فكما هو شائع أن الطيب السراج (يرحمه الله) كان المعلم الخاص لآل المهدي , وأبناء المراغنة لم يذكر في سيرهم الذاتية التحاقهم بمدارس حكومية , وهي صورة تكاد تطابق واقع اليوم على الأقل في ولاية الخرطوم حيث تتجه كل أو معظم أسر النخب السائدة اليوم الى المدارس الخاصة والجامعات الخاصة , ليس لدي احصاءات ولكن أكاد أجزم أن معظم إن لم يك كل أبناء وبنات السادة أعضاء مجلس الوزراء الاتحادي والولائي وطاقم المديرين العامين وقادة المصارف وأجهزة الدولة المدنية والعسكرية وأساتذة الجامعات والمحامين والقضاة والمهندسين والزراعيين وحتى المعلمين والصحفيين وهلمجرا , جميع هولاء يرسلون ابناءهم وبناتهم الى التعليم الخاص , كما نلاحظ جميعنا أن المدارس الخاصة ولافتاتها تملأ نواصي معظم الشوارع الكبيرة في ولاية الخرطوم إذ يمكن احصاء عشرات العناوين على شارع الكلاكلات الرئيس , وشارع عبيد ختم وكذا شارع الحاج يوسف وشوارع الثورات وأمبدات ومايو وشارع المعونة وشرق النيل الى ام ضوا بان , مما يعني اتساع الرقعة الجغرافية لتمدد هذه المدارس واحتلالها لمواقع قريبة أو يسهل الوصول اليها لمعظم الأسر فلا غرابة أن نجد الكادحين ومتوسطي الدخل يبعثون اطفالهم للتعليم الخاص , هذا كله في باب الشؤون , والمتابع لإعلانات المدارس عبراجهزة الاعلام وفي أوقات البث الحية يلحظ نفوذ المدارس الخاصة , كما نجد أن النجومية الاعلامية تضم ضمن منسوبيها المعلمين الذين باتوا يتنقلون مثل لاعبي كرة القدم (وأخيرا ظهرت موضة أئمة المساجد كذلك)وحتى المدارس التي تعرف بالنموذجية وهي في الاصل مدارس حكومية تقبل الطلاب المبرزين في امتحانات شهادة الاساس بحدود دنيا لا تقل عن 170 الى 165 درجة توجد بها فصول خاصة تستوعب من احرزوا درجات أقل من ذلك نظير رسوم دراسية اسوة بالمدارس الخاصة , أي مدارس خاصة تحت غطاء مدارس حكومية , بل أعرف مدارس خاصة خاطفة لونين كما يقال يتم انتداب معلمين واداريين لها من العاملين في وزارة التربية والتعليم الولائية , ولأننا في عهد أشباه الاشياء فلا غرابة عندئذ !!

      هذا أيضا من باب الشؤون , فالتعليم صار استثمارات ناجحة تدر المليارات كما هو واضح , ولأن الطلب في الحضر على الأقل متزايد عليه فقد دخله بقوة ثلة من أصحاب الأموال أو أصحاب النفوذ والتسهيلات ولأننا في عهد تنعدم فيه الشفافية وتسوده العتمة والدغمسة والمحسوبية والفساد والافساد فلا يمكن الجزم بنجاعة ما يجري ولا يمكن الزعم بمآلات الحال لكن المؤشرات تشير الى تقليص تدريجي للتعليم الحكومي حتى بلوغ مرحلة رفع اليد تماما , وبالفعل فإن الهجمات على ساحات المدارس وميادينها صار ممارسة راتبة , وكثيرا ما تداولت الصحف مثل هذه الأخبار وصور لمقاومة أهالي الأحياء لهذه المخططات ولعل آخر ما حدث في بورتسودان يشير الى عموم المخطط .

   من شجون التعليم الخاص , وضعية المدارس وعمرانها ثمة مدارس معلقة على شقق في الطوابق العليا , وبالتالي لا ساحة ركض للأطفال ولا نسمة هواء طبيعي ولا لسعة شمس دافئة وهنا تغيب المناشط المصاحبة وتتخرج أجيال مكبوتة المواهب سهلة الانقياد وراء التعصب أو الملاهي بذات الدرجة , شجن آخر , الاشراف التربوي والمتابعة  التربوية حيث تسود لغة السوق تماما من حشو الفصول الى حشو الدروس وآلية الحفظ والاسترجاع . وتسليع التعليم وغياب الهيبة للمعلم الأجير , وأثر ذلك في التقويم والثواب والعقاب . هنالك مدارس خاصة ذات وضعية خاصة حيث تقدم خدماتها التعليمية لتلاميذ متعددي اللغات والأديان , هنا يتبدى الاهمال وغياب أي خطة واضحة للتعامل مع هذا الواقع , حيث يسود التخبط ودفن الليل (أب كراعا بره),وترك الأمر لهذه المدارس لتتصرف (كما في عبارة منسوبة لوزير الصحة الولائي لذوي المرحومة الحاجة الزينة التي لقيت ربها اثرمضاعفات عملية جراحية بمستشفى الزيتونة ملك الوزير نفسه) عقلية اتصرفوا هذه , جعلت هذه المدارس تتولى ترجمة المنهج الى اللغة الانجليزية بمعرفتها , لحسن الحظ صدف وجود بعض المعلمين البارعين في اللغتين فتصرفوا , ثم جاءت مدارس أخرى شبيهة أخذت تلك الترجمات ونزعت عنها الغلاف وثبتت في مكانه غلافاتها هي في عملية سطو في وضح النهار , ولكنها عقلية اتصرفوا فتصرفوا ولا عتب , بل حتى وضع امتحانات الشهادتين الاساسية والثانوية وبعد ذلك التصحيح يتم بذات منهج اتصرفوا التربوي فتأمل في هذا الشجن !!! ثم التخبط في وضعية طلاب المسار الانجليزي , تارة يصدر قرار باعتماد منهج خاص للغة العربية والدين الاسلامي , يتم وضع مقرر يوزع على هذه المدارس من جانب وزارة التربية والتعليم ليتم تداركه مع بدء العام الدراسي بالإلغاء وفتح خيارات لمواد بديلة (فنون , علوم أسرية ) ليأتي ما يجب ذلك بالزامية الدين الاسلامي للمسلمين منهم , وليحدد القرار عام دراسي 2011 /2012م ثم يمدد لعام آخر وآخر ولا يعلم أحد حدا لهذا التخبط الذي يلازم بداية كل عام دراسي.  وقد بلغ التخبط حدا في نتيجة الشهادة السودانيةهذا العام جعل بعض الطلبة تظهر نتائجهم رسوب ليتم تدارك الامر باضافة المادة البديلة للغة العربية التي كانت قد اسقطت جراء الاهمال والتخبط وتكون المفارقة أن بعض الذين نالوا صفرا قفزوا الى اكثر من 80 بالمائة نجاح فأي تخبط أكثر من هذا وأي احباط نشروه , وهب أن أحدهم كانت نتيجته تؤهله بعد تصحيح الأوضاع للمركز الأول هل كان سيعقد مؤتمر صحفي ملحق كذلك ؟

 

 

 

 

 

 

 هذا شجن أليم لو تعلمون للتلاميذ وأسرهم وللمعلمين وادارات المدارس . ثم هاك يا شجون أوضاع المعلمين من ضعف المرتبات الى غياب فوائد ما بعد الخدمة والضمان الاجتماعي والصحي والفصل التعسفي وتغييبهم المتعمد من اضابير الوزارة إذ لا ينالون ادنى حقوقهم كمعلمين باشراكهم في عمليات التصحيح والكنترول وغيرها من ممارسات تربوية تزودهم بالخبرات  وهكذا يصبح التعليم الخاص ضرورة وملاذ وفي ذات الوقت مجال للازدراء والتخبط والإهمال ضمن سبط الاهمال المنشر على كل الوطن مثل سحابة داكنة من الغبار الكثيف فمتى الاصباح متى وقد طال ليل الشجن . وكل عام وانتم بخير .