د.ناهد محمد الحسن نظرت في الخريطة بيأس الى المكان المعلن لورشة العلاج النفسي بكيب كود على الاتلانتيك بالولايات المتحدة الأمريكية. شعرت بغربة شديدة وأنّا أتّخذ الباص المتحرك من مطار لوقان بمدينة بوسطن الى هيانز احدى مدن الكيب. 

نظرت الى الطريق المخضر وانا اتنسم خواتيم رمضان. غدا العيد وأنا في غربة شبيهة بتلك التي جرحت خاطر صلاح أحمد ابراهيم: ( والنيل بعيد/ النيل بعيد/ الناس عليهم كل جديد/ وأنا وحدى/ منكسر الخاطر يوم العيد/ تستهزئ بى أنوار الزينة والضوضاء/ تستهزئ بى أفكارى المضطربة/  وأنا وحدى/ فى عزلة منبوذ هندى/  أتمثل أمى، اخوانى،/ والتالى نصف الليل طوال القرآن/  فى بلدى/ فى بلد اصيحابى النائى/ الأعصم خلف البحر وخلف الصحراء/ ).حين توقفت المركبة في محطتها الأخيرة شعرت بخوف شديد فالوقت على مشارف الليل ولازال بإنتظاري مسيرة ساعة ولا يبدو أنّ هنالك أي مركبة متوفرة لتأخذني الى وجهتي. المحطة مقفرة والجميع يغادر بسرعة وأنا لا أين لي يسند رأسي كما قال المسيح. راودتني كوابيس مختلفة عن أمسية ممطرة وباردة وأنا في المحطة مع قطاع الطرق ومصاصي الدماء. السائق ذو الملامح البرازيلية همّ بإخراج حقيبتي من المركبة. قلت له هل ستتركني في منتصف اللاشيء؟ ضحك وسألني عن وجهتي . قلت له إيسثام. قال لي إنني كنت فعلا سأنتهي الى اللاشيء حيث لا توجد مركبة في هذا الوقت وعلي أن أبحث عن تاكسي. قال إنه مستعد أن يوصلني بقيمة أقل من التاكسي. استغربت المبلغ وأصبحت أحدق فيه. حاول أن يدافع عن موقفه ظنا منه انني لا أصدقه والحقيقة انني مع المبلغ المطروح كنت أحاول أن أبحث له عن أنياب أو ملامح لجاك السفاح أو شيء من هذا القبيل. قلت لنفسي (اذا نزل القضاء على امريء فلا أرض تقيه ولا سماء). أخذ الرجل هاتفه واتصل بزوجته ليعتذر لها عن التأخير. شعرت ببعض اطمئنان لاسيما وهو يواصل ثرثرته عن ضياع الكأس من البرازيل والتفرقة العنصرية الى أن بلغت المركبة مدينة إيسثام وولجنا الى نزل السيدة قلوريا.

استقبلتنا السيدة قلوريا بإبتسامتها الرحبة وهي تسأل السائق اذا كان هو قائد المركبة التي أقلتني من بوسطن وبدا عليها التأثر الشديد وهي تنظر لوافدة أفريقية ألقت رحالها على رحابة الاتلانتيك. ظل أصدقائي السودانيون بشهامتهم وكرمهم المعهود يطاردون السيدة قلوريا طوال اسبوعين ليتأكدوا انني سأكون بخير . ظلّت قلوريا تحاكي طريقتهم في الكلام نساءا ورجالا قبل أن تنظر بطيبة وتقول: صغيرتي هناك ملاك حارس يتبعك لقد حلّت علينا البركة . ضحكت وأنا أقول لها هنالك الكثير من الملائكة يتبعون رحلتي ويسهرون على راحتي فأنا سودانيّة. صباح اليوم التالي حكت لي السيدة قلوريا على مائدة الافطار شيئا عن زيارتها لهذه المدينة قبل ستة وثلاثين عاما. وكيف أنها  ووالدتها وقعتا في غرامها من أول لحظة وقررا أن يشتريا النزل خلال أربعة وعشرين ساعة فقط. كانت قلوريا يومها في السادسة والعشرين واليوم وهي في العقد السادس من عمرها وبعد رحيل والدتها استمرت تدير النزل بمفردها وتقوم بكل شيء دون مساعدة من أحد. تقضي نهارها في تدريس اللغة الايطالية للناضجين وفي الشتاء تعطي الاسر التي بها أطفال ذوي احتياجات خاصة اجازة برعاية اطفالهم. وما تقدمه قلوريا لزوارها أكثر من الضيافة. فهي تغدق عليك من محبتها الكثير. في المساء انتظرتني مع أصدقائها الذين جاؤا يحملون البيتزا النباتية فقد حرصوا على أن تكون  موافقة للتعاليم الاسلامية ولا تحتوي اللحم. وبعض العصير. ثم خرجت قلوريا مسرعة تبحث لنا عن الايسكريم وتركتني للاسرة التي أغرقتني بالاسئلة يريدون ان يعرفوا ماهو السودان ؟ تحدثت كثيرا عن بلدي وهم مندهشين فقد كانت اول مرة يسمعون فيها عن أهرامات خارج مصر. غمرتني قلوريا واصدقاءها بمحبة الوطن وودعوني وهم ينتظروا أن أرسل لهم علم السودان ليضيفوه الى قائمة الذي زاروا النزل. فإذا كنتم قريبين من الكيب كود وتودون قضاء اجازة خاصة بطعم الكرم السوداني ورائحة البن فعليكم بنزل السيدة قلوريا. المرأة التي تلتقي عندها البحار وتنام على أسرار الأرض.

محطة أخيرة:

(وأخذت أغنى فى شجو، ألمى ظاهر/ يا طير الهجرة..يا طائر/يا طيراً وجهته بلادى/ خذنى بالله أنا والله على أهبة/ قصت أقدار أجنحتى/ وأنا فى زاوية أتوسد أمتعتى/ ينحسر الظلُ فأمضى للظل الآخر/ لكن الطير مضى عنى/ لم يفهم ما كنت أغنى) صلاح أحمد ابراهيم