اعداد/ رشا عوض مقدمة: شهدت بدايات القرن العشرين ومنتصفه مولد حركة تنويرية في الإسلام، تعدد روادها وتعددت منطلقاتهم ولكنهم جميعا اشتركوا في التعبير عن حاجة المجتمعات المسلمة لفكر إسلامي جديد يتجاوز بشكل حاسم الموروث الفقهي 

الذي أصبح معوقا لحركة المسلمين وتقدمهم في العصر الحديث، وقد كانت قضية المرأة ووضعيتها في المجتمع من أهم القضايا التي شغلت بال رواد التنوير الإسلامي إن جاز التعبير،

 حيث كان تخلف المرأة وحرمانها من حقوقها الاجتماعية والسياسية والثقافية التي هي جزء من صميم إنسانيتها، كان هذا التخلف من أبرز وجوه الازمة الحضارية الشاملة في مجتمعات المسلمين، فيما يلي نستعرض آراء ثلاثة من المفكرين الإسلاميين الذين تمثل أفكارهم نقلة نوعية على الافكار المستوطنة في عقول المسلمين قرونا طويلة، نستعرض آراءهم في قضايا الزواج والطلاق والحجاب، فهذه قضايا تمس كل النساء وتعكس بدقة نظرة المجتمع للمرأة، سنستعرض آراء كل من قاسم محمد أمين (1 ديسمبر 1863م – 23 أبريل 1908م) رائد تحرير المرأة في مصر، ومؤلف كتاب(تحرير المرأة)، والشيخ الطاهر الحداد،  (4 ديسمبر 1899م – 7 ديسمبر 1935م)، وهو مفكر تونسي ، مؤلف كتاب (امرأتنا بين الشريعة والمجتمع) وقد تم تكفيره بسبب هذا الكتاب،والأستاذ محمود محمد طه(1909- 1985)، صاحب (الفكرة الجمهورية) التي لخصها في كتاب(الرسالة الثانية) ومؤلف كتاب (تطوير شريعة الاحوال الشخصية) وقد تم تكفيره وإعدامه في عهد الرئيس السوداني جعفر نميري.

هذه الآراء التجديدية تؤكد إمكانية اجتراح أفكار تحرير المرأة من داخل الإسلام، وتؤكد عدم وجود مشروعية لمصادرة حقوق المرأة باسم الإسلام، لان الإسلام نفسه تختلف تفسيراته والأحكام المستنبطة من نصوصه بين المسلمين في كل القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها قضية المرأة التي أفردنا لها هذه المساحة. 

الزواج: ثورة على الموروث الفقهي والتقاليد الاجتماعية:

اتفقت آراء المفكرين الثلاثة على ضرورة تعريف الزواج تعريفا يعلي من القيمة المعنوية والروحية لهذا الارتباط ، وتجاوز التعريف التقليدي الوارد في كثير من كتب الفقه والذي تأثرت به قوانين الاحوال الشخصية، وهو التعريف الذي يحصر الزواج في مسألة الاستمتاع الجنسي، فنجد قاسم أمين يعترض في كتابه(تحرير المرأة)  بشدة على تعريف الزواج بأنه “عقد يملك به الرجل بضع المرأة”، ويذكر الآية:

“وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً”[1]ثم يقول(الذي يقارن بين التعريف الأول الذي فاض من علم الفقهاء علينا، والتعريف الثاني الذي نزل من عند الله، يرى بنفسه إلى أيِّ درجة وصل انحطاط المرأة في رأي فقهائنا، وكان من نتائج ذلك أن يتم عقد الزواج قبل أن يرى كلٌّ من الزوجين صاحبه، كيف يمكن لرجل وامرأة سليمي العقل، قبل أن يتعارفا، أن يرتبطا بعقد يلزمهما أن يعيشا معاً، وأن يختلطا كمال الاختلاط؟) . ثم يمضي قاسم امين في الهجوم على التقاليد الراسخة في المجتمعات المسلمة التي تحرم الاختلاط بين الرجال والنساء مما يحرمهم من فرصة التعرف العميق على بعضهم البعض مما يكفل لهما حرية الاختيار في الزواج وهذه التقاليد تحتمي بالدين وتقاوم التغيير باسمه، فذكر في كتابه ان رؤية الخطيبة للخاطب من النافذة خلسة أو سماع الخاطب لاوصاف مخطوبته من قريباته طريقة غير مجدية، حيث يقول ( لا يمكن أن ينبعث عنها ميل إلى طلبها لتكون عشيرة تطمئن لصحبتها النفوس وتتعلَّق بها وبنسلها الآمال. وإنما الذي يهم الإنسان البصير هو أن يرى بنفسه خلقاً حياً يفتكر ويتكلَّم ويفعل؛ خلقاً يجمع من الشمائل والصفات ما يلائم ذوقه، ويتَّفق مع رغباته وعواطفه)

ويؤكد قاسم امين  ان حق الاختيار عن معرفة واقتناع  حق للمرأة كالرجل تماما حيث يقول( وكل ذي ذوق سليم يرى من الصواب أن يكون للمرأة في انتخاب زوجها ما للرجل في انتخاب زوجته، فإنه أمر يهمها أكثر مما يهم ذوي قرابتها. أما حرمانها من النظر في كل ما يختص بزوجها وقَصْر الرأي في ذلك على أوليائها دون مشاركة منها لهم، فهو بعيد عن الصواب.)، ويؤكد قاسم أمين ان آراءه هذه والتي كانت ثورة في عهده من صميم الشريعة حيث يقول( منحت شريعتنا السمحاء للنساء حقوقاً لا تنقص عن حقوق الرجل في الزواج، فلها الحق مثله في أن تتأكَّد من إمكان تحقيق آمالها، وما علينا إلا أن نسمع صوت شريعتنا ونتبع أحكام القرآن الكريم وما صحَّ من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعمال الصحابة لتتم لنا السعادة في الزواج)

وفي ذات الاتجاه يمضي الشيخ الطاهر الحداد مؤكدا حق المرأة في قبول الزوج او رفضه حيث يقول في كتابه(امرأتنا في الشريعة والمجتمع) ما يلي

( قال جماعة من العلماء -منهم أبو حنيفة النعمان- بحق اختيار المرأة لزوجها كالرجل، متى كانت رشيدة، تحقيقاً لمعنى الآية السالفة [“وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ”، سورة البقرة، الآية: 222.]، خلافاً لمن يرون جبر البكر على من يختاره لها وليُّها، اعتباراً لعجزها عن تمييز من يصلح لها.

وقد أعطى الأولون لمن زوِّجت قبل البلوغ أن تفسخ نكاحها بعده إذا رأته غير صالح لها) وتأكيدا لتمسكه بحرية الاختيار يرفض الشيخ الطاهر الحداد الزواج المبكر، ويعلق على مسألة(حق من زوجت قبل البلوغ ان تفسخ نكاحها بعد ان تبلغ) بقوله: يقول( وهذا المذهب وإن كان قد قدّر حرية الاختيار في أحكامه إلا أنه في إجازته للأولياء أن يزوجوا البنت قبل بلوغها قد فوَّت عليها حقها في الاختيار. إن الواجب انتظار بلوغها حتى يمكنها أن تستعمل حقها في وقته المناسب، وحتى لا تضر بمصالح زوجها التي بناها على زواجه بها، وتكون هي أصح اختياراً وأوفر صحة واستعداداً للحمل. ولعلنا نجد القرآن يؤيد هذا كما في الآية: “وَاْبْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ”[2].) والذين يحتجون على سلب حق الاختيار من المرأة لجهلها وضعف تجربتها يرد الطاهر الحداد بقوله( نثقِّف المرأة بدروس الحياة وأصول التربية الفاضلة لتتدارك هي بنفسها ما ينقصها من البصيرة في استعمال حق الاختيار)

أما محمود محمد طه فهو يختلف في المنهج الفكري عن كل من قاسم أمين والشيخ الطاهر الحداد حيث يرى الأخيران إمكانية كفالة حقوق المرأة باجتهادات جديدة  في الشريعة الإسلامية، بينما يرى محمود ان لا مساواة بين الرجل والمرأة في الشريعة لان الشريعة فيها تعدد الزوجات وتمنح المرأة نصف ميراث الرجل وتجعل الرجل قواما على المرأة، ولذلك فان نصوص الشريعة عند محمود منسوخة وتمثل ما يسميه (نصوص الفروع) التي كانت صالحة للتطبيق في ظروف القرن السابع الميلادي في مقابل (نصوص الأصول) الصالحة للتطبيق الآن، ولكن لا خلاف جوهري بين آراء محمود محمد طه وآراء قاسم أمين والطاهر الحداد في القضايا التي نناقشها هنا، ففي الزواج يقول محمود(والأصل في الإسلام أن المرأة كفاءة للـرجل في الزواج، فالرجل كله للمرأة كلها، بلا مهر يدفعه، ولا طلاق يقع بينهما، والأصل في الإسلام ديمومة العلاقة الزوجية بين الزوجين، ذلك بأن زوجتـك إنما هي صُنْو نفسك. هي انبثاق نفسك عنك خارجك. هي جماع آيـات الآفاق لك في مقابلة نفسك، على فحوى آية: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”[سورة فصلت، الآية: 53]. ) ويقول (ومن حسن الترشيد للزوجات إعدادهن ليبلغن مرتبة النضج التي بها يشاركن أزواجهن في حقـوق، وواجبات الزوجية، مشاركة الأكفاء. ومن حقـوق، وواجبات، الزوجية، الدخول فيها بكامل الاختيار، والخروج منها بكامل الاختيار أيضاً).

الطلاق: أبغض الحلال ولا طلاق إلا بحكم المحكمة

وذات الروح التجديدية  لهؤلاء المفكرين نجدها تنتظم آراءهم في قضية الطلاق، وقد استقر في الأعراف والتقاليد في المجتمعات المسلمة انه حق مطلق للرجل، يمارسه كيفما شاء، وليس للمرأة حقا مماثلا فيه، ورغم ان بعض الآراء في الفقه التقليدي نفسه تكفل للمرأة تطليق نفسها إذا تضررت من استمرار الزواج، ورغم ان العدل من القيم الكلية للإسلام وهذا العدل يقتضي ان يكون الطلاق مبنيا على إرادة الطرفين واتفاقهما ما دام الزواج قائما على ذلك، نجد ان القوانين في البلاد المسلمة تجسد العادات والتقاليد الراسخة في المجتمع الذكوري، فتجعل من الطلاق حقا انفراديا للرجل يعبث به كيفما شاء، وهذا ما دعت آراء مفكرينا الى تصحيحه، حيث اعتبر ثلاثتهم الطلاق آفة اجتماعية يجب حصارها، ولكن إذا اقتضته الضرورة كحل لمشاكل مستعصية، فلا بد ان تحكمه ضوابط قانونية حيث لا يقع الطلاق لمجرد تلفظ الرجل به كما يرى الفقهاء القدامى، لان في ذلك استهتار برباط الزوجية وظلم للمرأة التي يمكن ان يقع عليها الطلاق رغم إرادتها وأحيانا دون علمها ودونما التفات لابسط حقوقها، في شروط صحة الطلاق يقول قاسم أمين (   لا يمكنني أن أفهم أن الطلاق يقع بكلمة، لمجرَّد التلفظ بها، مهما كانت صريحة. نعم إن الأمثال الشرعية لا تستغني عن الألفاظ، إذ لو حلَّلنا أي عقد لوجدناه مركَّباً من ظهور إرادة أو مطابقة إرادتين حصل الاستدلال عليها أو عليهما من ألفاظ صدرت شفاهياً أو بالكتابة، ولذك فليس الغرض الاستغناء عن الألفاظ، وإنما مرادنا أن اللفظ لا يجب الالتفات إليه في الأعمال الشرعية إلا من جهة كونه دليلاً على النية.

فينتج من ذلك أن يجب أن يفهم أن الطلاق إنما هو عمل يقصد به رفع قيد الزواج، وهذا يفرض حتماً وجود نية حقيقية عند الزوج، وإرادة واضحة في أنه إنما يريد الانفصال من زوجته، لا أن يفهم كما فهمه الفقهاء وصرحوا به في كتبهم أن الطلاق هو التلفظ بحروف (ط ل ا ق))  وفي إجراءات الطلاق يقترح قاسم أمين ان لا يتم الطلاق إلا في المحكمة أمام القاضي أوالمأذون، وبحضور شاهدين، ولا يقبل إثباته إلا بوثيقة رسمية.

وقد طالب قاسم أمين بان يكون للمرأة حق الطلاق حيث قال(ولما كان تخويل الطلاق للنساء مما تقتضيه العدالة والإنسانية لشدة الظلم الواقع عليهن من فئة غير قليلة من الرجال لم تتحمّل أرواحهم بالوجدانات الإنسانية السليمة، كان لي الأمل الشديد في أن يحرِّك صوتي الضعيف همة كل رجل محبٍّ للحق من أبناء وطني، خصوصاً من أولياء الأمور، إلى إغاثة هؤلاء الضعيفات المقهورات الصابرات). وفي كيفية تطليق المرأة لنفسها يقول قاسم أمين:(الوصول إلى منح المرأة حق الطلاق يكون بإحدى طريقتين:

الطريقة الأولى: أن يجري العمل بمذهب غير مذهب الحنفية الذي حرم المرأة في كل حال من حق الطلاق، حيث قال الفقهاء من أهله: “إن الطلاق منع عن النساء، لاختصاصهن بنقصان العقل ونقصان الدين وغلبة الهوى”، مع أن هذه الأسباب باطلة، لأن ذلك إن كان حال المرأة في الماضي فلا يمكن أن يكون حالها في المستقبل، ولأن كثيراً من الرجال أحطّ من النساء في نقصان الدين والعقل وغلبة الهوى، وأستدلُّ على ذلك بملاحظة وردت عليّ عند اطلاعي على إحصائية الطلاق في فرنسا. فقد رأيت أنه في سنة 1890م حكمت المحاكم الفرنساوية بالطلاق في 9785 قضية منها سبعة آلاف تقريباً حكم فيها بالحق للنساء، حيث ثبت أمام المحاكم أن العيب كان من الرجال.

ولا يصح في الحق أن شريعة سمحاء عادلة كشريعتنا تسلب المرأة جميع الوسائل التي تبيح لها التخلُّص من زوج لا يستطيع المعيشة معه، كأن كان شريراً، أو من أرباب الجرائم، أو فاسقاً، أو غير ذلك مما لا يمكن معه لامرأة سليمة الذوق والأخلاق أن ترضى بعشرته. وقد وفّى مذهب الإمام مالك للمرأة بحقها في ذلك وقرّر أن لها أن ترفع أمرها إلى القاضي في كل حالة يصل لها من الرجل ضرر. جاء في كتاب (البهجة في شرح التحفة)[3] لأبي الحسن التسولي ما يأتي:

“إن الزوجة التي في العصمة إذا أثبتت ضرر زوجها بها بشيء من الأمور المتقدّمة، والحال أنها لم يكن لها بالضرر شرط في عقد النكاح من أنه إن أضر بها فأمرها بيدها، فقيل: لها أن تطلِّق نفسها بعد ثبوت الضرر عند الحاكم من غير أن تستأذنه في إيقاع الطلاق المذكور، أي لا يتوقَّف تطليقها نفسها على إذنه لها فيه، وإن كان ثبوت الضرر لا يكون إلاّ عنده، كما أن الطلاق المشترط في عقد النكاح، أي المعلَّق على وجود ضررها لها أن توقعه بعد ثبوته بغير إذنه وظاهره اتفاقاً. وقيل: حيث لم يكن لها شرط به لها أن توقع الطلاق أيضاً، لكن بعد رفعها إياه للحاكم وبعد أن يزجره القاضي بما يقتضيه اجتهاده من ضرب أو سجن أو توبيخ ونحو ذلك، إن لم يرجع عن إضرارها، ولا تطلِّق نفسها قبل الرفع والزجر، ومنهم من قال إن الطلاق بيد الحاكم، فهو الذي يتولى إيقاعه إن طلبته الزوجة وامتنع منه الزوج، وإن شاء الحاكم أمرها أن توقفه، فعلى هذا القول لا بد أن يوقعه الحاكم أو يأمرها به فتوقعه، وإذا أمرها به فهي نائبة عنه في الحقيقة، كما أنه هو نائب عن الزوج شرعاً حيث امتنع منه. وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنها توقع الطلاق دون أمر الإمام. قال بعض الموثقين: والأول أصوب”.

الطريقة الثانية: أن يستمر العمل على مذهب أبي حنيفة، ولكن تشترط كل امرأة تتزوج أن يكون لها الحق في أن تطلِّق نفسها متى شاءت، أو تحت شرط من الشروط، وهو شرط مقبول في جميع المذاهب.

وهذه الطريقة أفضل من الأولى من بعض الوجوه، فإن من المضار الحقيقية التي تتفق كل النساء في التحفّظ منها وبذل المستطاع في اتقائها ما لا يكون سبباً يسمح للقاضي أن يحكم بالطلاق في مذهب مالك، وذلك كتزوُّج الرجل بامرأة أخرى وزوجته الأولى في عصمته. فإن الزوجة الأولى لو رفعت شكواها إلى القاضي وطلبت منه أن يطلِّقها لم يجز للقاضي أن يجيب طلبها، فلو اشترطت أن تطلِّق نفسها متى شاءت، أو عندما يتزوَّج زوجها عليها كان الأمر بيدها، ولكن العمل على الطريقة الأولى أحكم وأحزم، فإن وضع الطلاق تحت سلطة القاضي أدعى إلى تضييق دائرته، وأدنى إلى المحافظة على نظام الزواج).

ويتفق الشيخ الطاهر الحداد مع قاسم أمين في ان أمر الطلاق يجب ان يوكل للقضاء ولا يقع الطلاق إلا بحكم المحكمة وذلك صيانة لحقوق النساء والأطفال، وفي كتابه (امرأتنا بين الشريعة والمجتمع) وجه نقدا لاذعا للفقهاء الذين عرفوا الطلاق بأنه (صدور لفظ في غير نوم أو سهو أو إكراه، سواء كان هذا اللفظ صريح الدلالة على الطلاق أو كناية عنه، بل هناك من قال منهم إن الطلاق دون نية الواحدة أو أكثر ينصرف للثلاث احتياطاً لأقصى مدلول اللفظ. وأغرب من هذا أيضاً أن جمهوراً منهم يقرِّرون طلاق السكران المنتشي بخمرته عقاباً له عما أدخل في جوفه من الحرام، ولا يلاحظون أن هذا العقاب نفسه سينزل على زوج بريئة وذرية أبرياء يعيشون في انكسار وخيبة. فهل هم بهذا التقرير يرون سهلاً سائغاً خروج امرأة من بيتها ودخول أخرى مكانها وتشتيت ذرية ضعاف؟. إن الله لا يريد هذا. ومعاذ الله أن يكون الإسلام مصدراً لهذا الشر الفظيع). ويواصل الحداد في نقده للاستهتار بالطلاق قائلا:( يظهر بالاستقراء أن لا علاج لدرء هذه الحالة إلا بوضع مبدأ تحكيم القضاء في كل ما يقع من حوادث الطلاق والزواج، حتى لا يتم منهما إلا الموافق لغرض الشريعة ونصوصها. ولا يبقى مجرّد لغو يصدر من فم رجل ينقض بيتاً بمن فيه من أهله، ليصبح ذلك الرجل هو نفسه بعد قليل شاكياً باكياً على ما فرط منه ومتلمساً أوجه الخلاص مما وقع فيه بجهله واندفاعه أثناء غيبوبته وحمقه الأخرق. ولذلك كان حتماً علينا لو توفّقنا إلى الخير أن نؤسِّس محاكم الطلاق. نحفظ بها مقاصد الشريعة الإسلامية التي تتطَّلب هذه المحاكم بطبيعة الحال لرعاية نصوصها، وحمل الناس عليها، وهذا واجب المسلمين اليوم).

أما الأستاذ محمود محمد طه فهو يرى ان الطلاق حق أصيل للمرأة وهي مساوية للرجل فيه حيث يقول:( الطلاق حـق، في أصل الدين، للنساء، كما هو للرجال. ولكن حق النساء، في الشريعة، في المـرحلة، قد ائتمن عليه الرجـال، ولقد ذهـل عن هذه الحقيقة علماء الإسلام، لما ذهلـوا عن أن الشريعة السلفية إنما هي مرحلية، وليست الكلمة الأخيرة، التي يريدها الدين).

الحجاب ليس من الإسلام في شيء!

أما في قضية الحجاب فقد تبنى كل من قاسم أمين والطاهر الحداد ومحمود محمد طه آراء ثورية ضد الحجاب، وهذا يتسق مع النهج التحرري لثلاثتهم، يقول قاسم أمين:( إن إلزام النساء بالاحتجاب هو أقسى وأفظع أشكال الاستعباد)، وذهب الى ان الحجاب مرتبط بعصور ملكية الرجل للمرأة واعتبر تمزيق الحجاب ومحو آثاره أول خطوة في سبيل حرية المرأة.

أما الطاهر الحداد فيقول:( ما أشبه ما تضع المرأة من النقاب على وجهها منعاً للفجور بما يوضع من الكمامة على فم الكلاب كي لا تعض المارين. وما أقبح ما نوحي به إلى قلب الفتاة وضميرها إذ نعلن اتهامهما وعدم الثقة إلا في الحواجز المادية التي نقيمها عليها. ونلزمها هي الأخرى أيضاً أن تقتنع بما قرَّرنا راضية بضعفها إلى هذا الحد، موقنة بخلوده الآتي من أصل تكوينها).

اعتبر كل من قاسم امين والطاهر الحداد ان الحجاب ليس من الإسلام في شيء، وليس في تركه خروج عن الدين، بل ان الحجاب يعطل حقوقا للمرأة اقرها الدين مثل الشهادة والتقاضي وإدارة ثروتها

أما محمود محمد طه فيرى ان الأصل في الإسلام السفور، (الأصل في الإسلام السفور .. لأن مراد الإسلام العفة .. وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال ، لا عفة مضروبة بالباب المقفول ، والثوب المسدول . ولكن ليس الى هذه العفة الغالية من سبيل إلا عن طريق التربية والتقويم . وهـذه تحتاج إلى فترة انتقال لا تتحقق أثناءها العفة إلا عن طريق الحجاب ، وكذلك شرع الحجاب .)

فيرى محمو الحجاب شرع كجزء من الشريعة المؤسسة على آيات الفروع والتي تناسب مستوى تطور المجتمع في القرن السابع الميلادي، فيقول:( الحجاب عقوبة حكيمة على سوء التصرف في حرية السفور . هـذا في الأصل الإسلامي . ولكنه ، في التشريع الحاضر ، يمثل مصادرة مستمرة لحرية السفور ، لأن الشارع أراد به الى سد الذريعة ، حماية للقصر من مسئولية باهظة ، وثقيلة ، لا ينهض بها المؤمنون ، وإنما ينهض بها المسلمون ، وما لهؤلاء شرع).

 

ختاما: من كل ما سبق نخلص إلى أن حقوق المرأة العالمية يوجد لها مناصرون انطلقوا في مناصرتهم من الإسلام نفسه عندما أقبلوا عليه بعقل مفتوح.

 




[1]– سورة الروم، الآية: 21.

[2] – سورة النساء، الآية: 6.

[3]– هو شرح أبي الحسن علي بن عبد السلام بن علي التسولي، الفارسي، على الأرجوزة المسماة (تحفة الحكام) للقاضي أبي بكر محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي، في الفقه المالكي.