محمّد جلال أحمد هاشم* يقول عبدالله علي إبراهيم هذا دون أن يبيّن لنا ماذا يقصد بالشّريعة في حال رفضه لتحجيمها في قانون الأحوال الشّخصيّة.


 

فهو يتكلّم عنها كما لو كانت شيئاً معروفاً ومحدوداً ومؤطّراً بإطار معلوم غير مختلف فيه، كما هو الحال مع بقيّة القوانين التي يستعرضها، أكان ذلك القانون الإنكليزي، أم الهندي، أم المصري، أم السّوداني؛ أكان ذلك في جانبه الجنائي أم الإجرائي، أم المدني، أم الإثباتي … إلخ. فهو يقول متباكياً: «كان إهمال الشّريعة في تنشئة القانون الحديث في السّودان المستعمَر والمستقِلّ طعنة نجلاء لهذا التّقليد القانوني ظلّت تحقنه بالمرارة. وقد أفسد علينا هذا الاحتقان مساعينا لبناء أمّة مستقلّة حقّاً. فلم تتعوّد الشّريعة على عهد إذلالها أن تكون مصدراً معترفاً به يأخذ منها المشرّعون بقدر وباحترام في استنباط القوانين. ولمّا أفرغنا الشّريعة من هذه العادة، تحوّلت إلى تقليد معتكر المزاج، شجاري، شقاقي فرّقنا في الأمّة إلى مريّد أعمى له وإلى معارض أعمى له. ومهما كان اعتراض البعض منّا على القانون الموضوعي للشّريعة، فلا بدّ من الاعتراف أنّ الشّريعة واحدة من الثّقافات القليلة التي تعطي السّودان الشّمالي معناه ومبناه الرّمزي والرّوحي.» (نفسه: 26). فهو يذهب إلى أنّ الشّريعة قد لحقها الإذلال عندما قرّر المستعمر البريطاني الانصراف عنها كلّيّةً في القوانين، حاصراً إيّاها في الأحوال الشّخصيّة. وعلى ما في كلامه هذا من تعميم فضفاض، من قبيل «… إهمال الشّريعة في تنشة القانون الحديث …»، يحقّ لنا هنا، مسايرةً له، أن نتساءل: عن أيّ شريعة يتحدّث عبدالله علي إبراهيم؟ فمتى كانت الشّريعة، بخلاف الأحوال الشّخصيّة، مطبّقةً في السّودان في جميع تاريخه منذ عهد الفونج إلى عهد الاستعمار المصري البريطاني؟ إنّنا لن نجد فترة طُبّقت فيها أحكامٌ بعينها على أنّها الشّريعة، بخلاف الأحوال الشّخصيّة، أللهمّ إلاّ في المهديّة، أي لمدّة تقلّ عن العقدين من الزّمان. فكيف يجوز، في وضع كهذا، أن تكون عودة الاستعمار بالشّريعة إلى ما كانت عليه الأحوال قبيل المهديّة فيها من الإذلال ما لا يزال يعلق بالشّخصيّة السّودانيّة (على ما في هذه المقولة من اختزال للشّخصيّة السّودانيّة في المسلمين المستعربين). وكيف يجوز في وضع كهذا الزّعم بأن تطبيق القانون الاستعماري قد كان بمثابة طعنة نجلاء لهذا التّقليد؟ فعن أيّ تقليد يتحدّث عبدالله علي إبراهيم؟

 

على ذكر الشّخصيّة السّودانيّة وجبت الإشارة إلى أنّ عبدالله علي إبراهيم في جميع إشاراته وكتابته بعيد 1989م عن هذه الشّخصيّة، لا ينظر إليها إلاّ على أنّها شماليّة مسلمة، بإقصاء تامّ للجنوب وجبال النّوبة والنّيل الأزرق. هذا مع أنّ وتيرة الحرب الأهليّة قد تجاوزت الجنوب لتتمدّد في أصقاع أخرى كاملة الإسلام، مثل دارفور والنّيل الأزرق، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أنّ فقاريّات الشّخصيّة السّودانيّة لا تلتحم وتعتصب عنده إلاّ بالاستعراب والأسلمة. وهذا هو نفسه الخطاب الذي وقف وراء انفصال جنوب السّودان، ويقف الآن وراء المناداة والتّرحيب بفصل أيّ جهة أخرى لا تُظهر إذعاناً وتسليماً بهيمنة أيديولوجيا الأسلمة والاستعراب، مثل المناطق التي اندلعت فيها الحرب مرّة أخرى بعد انفصال الجنوب، أي الجنوب الجديد.

 

هذا ما جعل عبدالله علي إبراهيم عندنا سادناً أميناً للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، مستحقّاً هذا اللقب، بازّاً فيه أقرانه من الإسلامويّين الحوشيّين من جانب والعروبيّين الأقحاح من جانب آخر، كونه صادراً من مشارب اليسار الماركسي العلماني. بهذا تحرّر من الشّباك الأيديولوجيّة التي «تشربكت» بها أقدام المجموعتين، فأصبحت بالتّالي عقبة في سبيل تحقيق مشروع الأسلمة والاستعراب للسّودان. جاء عبدالله علي إبراهيم إلى هذا المجال وهو يملك من الحيل ما جعله يبدو كالسّاحر لمنسوبي المجموعتين، فتقاطروا نحوه يقفون خطاه.

 

من جانب آخر، عندما يتكلّم في طول الكتاب وعرضه عن براعة الشّريعة وإمكانيّاتها العريضة في التّطوّر، نلاحظ أنّه لا يجد من أمثلة غير ما برع فيه قضاة المحاكم الشّرعيّة، أي الذين يُنفذون قانون الأحوال الشّخصيّة. فهو يقول في بكائيّته على الشّريعة، هذه الشّريعة التي لا نعرف لها مكاناً زمنيّاً بأكثر من 14 عاماً: «لقد جعلنا من الشّريعة، التي هي ثقافة وطنيّة وقانونيّة لشمال السّودان، تقليداً منقرضاً فولكلوريّاً وحرمناه من التّفتّح والنّموّ في إطار اختصاصاتها ومرجعيّتها. فنصوص الشّريعة، … قد فُرض عليها أن تعيش في فضاء استؤصلت منه الشّوكة والقدرة على التّطوّر. وقد دفع السّودان الثّمن باهظاً ومكلّفاً للمحنة التي تعرّضت لها الشّريعة على عهد الاستعمار وما بعده …». فقوله بأنّ الشّريعة هي «ثقافة وطنيّة وقانونيّة لشمال السّودان»، لا يسنده أيّ واقع تاريخي بخلاف الحاصل الآن، حيث تجهد حركة الهوس الدّيني إلى أن تجعل الشّريعة (في حال تجلّياتها غير الواضحة)، تراثاً قانونيّاً لشمال السّودان. فعبدالله علي إبراهيم، وهو يعالج مسألة عمليّة مثل القوانين، وليست نظريّة، كما إنّ لها بعدها التّجريبي، أكان ذلك في المهديّة أم في فترة نظام مايو أم في فترة نظام الإنقاذ، يعمد إلى أن يقول كلاماً فضفاضاً، يقبل أكثر من تفسير. من هذا قوله: «… وحرمناه من التّفتّح والنّموّ في إطار اختصاصاتها ومرجعيّتها …». فهذا القول يدلّ على أنّ ما يعنيه بالشّريعة ليس سوى شيءٍ غير مكتمل النّضج باعتبار زماننا هذا، إذ يلزمه التّطوّر، وقبله الانفتاح لينمو. ولكنّه لا يعمد إلى تبيان كيفيّة وكمّيّة هذا التّطوّر، بل يتركه مرسلاً. أمّا جزئيّة «… في إطار اختصاصاتها ومرجعّيتها …»، فلا يقبل وجهاً غير تحديد الشّريعة بأبعاد بعينها ذات محدوديّة Limitations، وهو عين ما يرفضه دعاة تطبيق الشّريعة السّلفيّون بالنّظر إليها كنظام حياة كامل ومكتمل، بحسب وجهة نظر العلمانيّين.

 

يدخل عبدالله علي إبراهيم في مناقشات لولبيّة، مفادها دمغ الفقه القانوني على عهد الاستعمار بكلّ النّعوت الدّالّة على مفارقته لروح المجتمع السّوداني (تُقرأ الشّمالي المسلم). استناداً على النّقد الذي وجّهه بعض دارسي القانون للإرث القانوني الاستعماري بالسّودان، يقول عبدالله علي إبراهيم بأنّ القانون الجنائي على عهد المستعمر الذي ورثته العهود الوطنيّة فيه «… حشو على السّودانيّين وبعض أجزائه على طلاق صريح مع أخلاقهم وأعرافهم الإسلاميّة. ففي تحدٍّ فاسق للشّريعة أباح القانون الزّنا طالما كانت المجامعة مع البكر أو الزّوجة قد تمّت برضى الأطراف. والزّنا ممّا تعاقب عليه الشّريعة بغير اعتبار للرّضى أو عدمه. وأذن القانون باللواط طالما كان الفعل الجنسي مبنيّاً على الرّضى أيضاً» (نفسه: 15). وفي قوله هذا إمّا مغالطة أو مغافلة لما كان عليه الوضع في جميع عصور السّودان. ففي أيّ عصر من عصور السّودان كانت هناك شريعة مطبّقة وتمنع الزّنا قبيل فترة الأربعة عشر عاماً التي سلختها الدّولة المهديّة؟ أولا يحدّثنا بريكهاردت (1987) عن وسط السّودان النّيلي، وبخاصّةٍ مناطق شندي وبربر، أي قلب السّودان الشّمالي المسلم الذي يرفعه عبدالله علي إبراهيم فوق أيّ ملّة أخرى من ملل السّودان بجعله عصب الهويّة السّودانيّة؟ فمتى زار بيركهاردت بلاد السّودان وماذا قال عن هاتين المدينتين؟ لقد كان شرب الخمر شيئاً لا يتحاماه المجتمع بالمرّة، ذلك بالنّظر إليه على أنّه من شيم الرّجولة؛ بل كان وجهاء المجتمع يعقدون لها المجالس، ولهم في ذلك تقاليد راسخة. ليس فهذا فحسب، بل كانت الدّعارة إحدى المهن الرّئيسيّة في المدينتين؛ لم تكن تلك الدّعارة على شاكلة ما عرفناه في زمن المستعمر، من بيوت معزولة، يقوم عليها أناس سقطوا في معيار الوجاهة الاجتماعيّة، فعزلهم المجتمع واعتزلوه، بل كان يقوم بها شيوخ وكبارات رجال المنطقة. فقد كان لكلّ واحدٍ منهم عدد من النّساء الرّقيق اللائي يجعلهنّ يمارسنّ الدّعارة باعتبارها عملاً تجاريّاً مربحاً lucrativebusiness، ليجني هو عائد هذه التّجارة، أي أنّهم كانوا في وضع أقرب إلى وضعيّة القوّادين. لقد كانت تلك تجارة في البشر من وجهين مرذولين: الدّعارة والرّقّ. هذا كان في عهد وطني، وليس عهداً استعماريّاً، إذ إنّه كان واقع الحال قبيل الاستعمار المصري التّركي. فبيركهاردت زار بلاد السّودان في الفترة بين عامي 1813م ـــــ 1814م.

 

أمّا عن الزّنا، فأحيله إلى الحادثة التي رواها عن نفسه بابكر بكري في مذكّراته (مج 1، بدون تاريخ: 27-28)، عندما زني بامرأة لعوب في ذات الحيّ الذي كان يسكن به في قريته بوسط السّودان المسلم المستعرب، وهو حينها يستعدّ للانضمام إلى المهدي، وكان يقرأ بخلوة الفكي محمّد الأزيرق في ود مدني:

 

«رجعتُ لرفاعة، وفي أثناء وجودي بها تزوّج أخي سعيد [من] آمنة بنت الحاج الحسن. ففي يوم أردت زيارته فمررت ببيت جارتنا زهراء، فأمرتني بالمرور عليها وهي راقدة، فقالت لي: ‘بطني توجعني، فاعزم لي يا فكي بابكر’. فلمّا قبضتُها بأُصبعي، انقلبت فوق وركي وغنّجت، فدفعتُها عنّي ومضيتُ لسبيلي، ولمّا رجعتُ لمنزلي، صلّيتُ العشاء إماماً، ولمّا اضطجعتُ للنّوم غالبتني نفسي بالسّير لزهراء وغلب عليّ الهوى فوصلتُها ووجدتُها منفردة، فسُرّت جدّاً بدخولي عليها ومكّنتني من نفسها، ثمّ قالت لي: ‘من أخبرك أنّي زانية؟’، فقلت: ‘أنت نفسك أخبرتني’، فضحكت. في تلك السّاعة ضرب بابها عمّي محمّد علي حمد السّيّد، فخرجَت له. وبعد أن عرفتُه، سعلتُ بصوتي. قال لها: ‘من عندك؟’ قالت: ‘التّميم أخوي’، فانتظرتُها لابساً للخروج. قالت: ‘إلى أين؟’ قلت: ‘هذا عمّي وقد يجيء غيره’، فانصرفت.

 

«وأخبرتُ والدتي حينما أصبحت بكلّ ما حصل منّي ومن زهراء وعمّي محمّد علي، فأخذت والدتي تكرّر قولها: ‘أفّي! أفّي! وحياة محمّد سعيد هي تعمل عمل قيلوبة (فرس البحر) مع وليدها!’ وتتفل (تبصق) في الأرض. ولكنّي لم أرها [أي زهراء] إلاّ بعد رجوعي ووالدتي من أخذ البيعة على المهدي (عم)، فزارتنا ومدّت لنا يدها، فأبيت أن أصافحها، فقالت: ‘تَنْدَخِرْ لَكْ!’، تعجّباً منّي وإنكاراً عليّ. وعلى عهد الله لم أذق امرأة بعدها».

 

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة