رشا عوض نتمنى ان نسمع ذات يوم ان الصراع داخل  أحزاب المعارضة  يدور حول تفاصيل خطة الحزب للاطاحة بالانقاذ، او حول كيفية استخدام رأسماله الاجتماعي في عملية المصالحة الوطنية ورتق النسيج الاجتماعي 

والتصدي الواعي لمخطط التمزيق بل التفتيت الذي ينفذ مع سبق الاصرار والترصد لنسف الحد الادنى من “الوحدة الوطنية”،  او حول برنامج الحزب الاقتصادي وخططه التنموية سواء على المستوى الإسعافي العاجل أو على المستوى الاستراتيجي متوسط وبعيد المدى، او حول ما سوف يفعله الحزب خدمة لمصالح قاعدته الجماهرية في حالة  صعوده الى الحكم، او حول خططه الحزبية للارتقاء بكوادره وتأهيلها بشكل جدي في مجالات الادارة العامة والاقتصاد والعلاقات الدولية والقانون والتنمية الريفية والإعلام، او في علوم وفنون ادارة المراحل الانتقالية في الدول المنكوبة بعهود متطاولة من الاختطاف الشمولي والحروب الأهلية كحال السودان، الذي لا نعلم لو غادرته عصابة الإنقاذ الآن طوعا واختيارا ماذا سيفعل النظام الجديد للامن والجيش والشرطة والخدمة المدنية والقضاء والإذاعة والتلفزيون .. وكلها مؤسسات  أفقدها نظام الإنقاذ مع سبق الإصرار والترصد القومية  والكفاءة والمهنية، وماذا سيفعل لإصلاح التعليم والصحة والزراعة، وماذا سيفعل  للمليشيات المسلحة المنتشرة في البلاد من اقصاها الى اقصاها؟

إن تحديات الحكم بعد عصابة الانقاذ تختلف تماما عن تحديات  الحكم بعد عهدي عبود او نميري، ولذلك يحتاج سودان ما بعد الإنقاذ الى احزاب مختلفة تماما! .. ولكن بكل أسف الاحزاب ما زالت هي الاحزاب! وتظن الاشياء هي الاشياء!  فما زال  محور الصراعات في هذه الاحزاب حول من هو الاحق بزعامة الحزب او بالاحرى وراثته! وكأنما زعامة الاحزاب كما كانت في السابق غنيمة صغرى تمهد للغنيمة الكبرى وهي الوصول الى السلطة في الدولة!صراعات عبثية وشخصانية تفتقر الى الفكر والبرنامج والمواقف المبدئية والقيادات الملهمة(بكسر الهاء) والأهداف الكبيرة! صراعات غافلة عن حقيقة ان السودان مهدد جديا بالدخول في حالة اللادولة وبالتالي فانه لا يحتاج الى الباحثين عن الغنائم بل يحتاج الى الباذلين للتضحيات.

من الطبيعي جدا ان يكون المتنافسون على القيادة في الاحزاب أشخاص، والتنافس على القيادة في حد ذاته أمر مشروع، ولكن من المفترض ان يطرح  كل شخص من المتنافسين على قاعدة الحزب الأسباب الموضوعية التي تجعل من توليه لزعامة الحزب “قيمة مضافة” للحزب وللوطن وليس لذاته الفانية. وان يكون الصراع منطلقا من قاعدة فكرية وبرنامج سياسي.

وبما ان الاحزاب تسعى للسلطة عبر  كسب أصوات جماهير الشعب السوداني العريضة وليس فقط أصوات عضويتها فإن أهم ما يجب ان تضعه نصب عينيها وهي تخوض صراعات التغيير داخلها هو “نبض الجماهير في الشارع العريض” ما هي أشواقها؟ ما هي تطلعاتها؟ وما هي طرق مخاطبتها؟

وكذلك يجب ان تضع نصب عينيها طبيعة المرحلة التاريخية التي تجتازها البلاد! فالسودان الآن تشتعل فيه حرب اهلية ضروس تنذر بتفككه، من اهم اسبابها الاحتجاج على احتكار “المركز” ممثلا في الشمال النيلي والوسط للسلطة والثروة على أساس(عرقي، ديني، ثقافي، جهوي) وإقصاء الأطراف المهمشة على أسس عنصرية! وانطلاقا من ذلك فإن الأحزاب لكي تكون  مؤهلة للعب دور إيجابي في التصدى لمعالجة إشكالات واقع كهذا لا بد ان تسعى لأن تكون احزابا قومية بحق وتجهد نفسها في التعبير عن كافة مكونات الشعب السوداني ، ولكن المؤسف ان القيادة  داخل الأحزاب السودانية الكبيرة ما زالت محتكرة ليس لاثنية او جهة بل  ل”أسر”!!! إذا أرادت الأحزاب ان تكسب ثقة الشعب وتقنعه بجدواها فلا بد ان تبرهن بسيرتها العملية على  أنها مؤهلة لقيادة البلاد بطريقة مختلفة ، ومستعدة لدفع استحقاقات الديمقراطية داخلها واهمها “تداول القيادة العليا” وهو ما أخفقت فيه  كل الأحزاب الكبيرة في البلاد، التقليدي منها، والحديث، على حد سواء! 

ولا بد ان نظل نسأل ونلح في السؤال هل من إنجازات  استثنائية غير مسبوقة  حققها زعماء أحزاب السودان تبرر خلودهم في مواقع القيادة؟ مع العلم ان من حققوا لشعوبهم المعجزات التنموية والمعجزات السياسية، مثل مهاتير محمد الذي حول ماليزيا من دولة فقيرة تصدر المواد الخام الى دولة صناعية يحتل اقتصادها الموقع رقم 17 عالميا، ومثل نلسون مانديلا الذي حقق معجزة سياسية في الانتقال الديمقراطي والسلام الاجتماعي، تنحوا عن القيادة طوعا واختيارا مفسحين المجال لأجيال جديدة.   

أما بخصوص نبض الجماهير فان أخطر شيء تتجاهله هذه الأحزاب هو حالة فقدان الثقة الجماعي فيها واليأس من قابليتها للتطور من قبل عموم الشعب السوداني، فلا احد يتمنى عودتها إلى الحكم! بل ان الناس يتوجسون خيفة من التغيير لا لسبب الا خوفا من تكرار تجربة الاحزاب التي يقرنها الناس بالفوضى والأداء الضعيف في الحكم وعدم القدرة على المحافظة على الديمقراطية، وهذا الصوت رغم اننا نسمعه بالأذن المجردة من خلال مخالطتنا لغمار الناس في الأسواق، في المركبات العامة، في المناسبات الاجتماعية، وكذلك في اوساط الشباب المسيس في الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، والأدهى والامر نسمعه حتى من عضوية هذه الأحزاب!!

رغم أن كل الكوارث والتحديات الماثلة تستوجب من الأحزاب ان ارادت لنفسها حياة في المستقبل ان تجري مراجعات جذرية نجد ان هذه المراجعات “الجذرية” لا وجود لها بكل أسف.

عند ذكر كل هذه الحقائق عن الأحزاب لا نغفل حقيقة ما تعرضت له من قمع وتخريب ممنهج بفعل الأنظمة الشمولية وحقيقة ان البيئة الطبيعية لتطور الاحزاب ممثلة في النظام الديمقراطي ظلت معدومة جل عمر الاستقلال، ولكن هذه الحقائق الموضوعية لا يجب ان تكون ذريعة لمصادرة التفكير النقدي في الأحزاب، لأن ضعف الكفاءة الحزبية هو احد اسباب انهيار التجارب الديمقراطية في السودان، وبالتالي فإن هناك حد أدنى من الكفاءة السياسية ومن المسئولية الوطنية يجب ان يتوفر في الأحزاب حتى تستطيع حماية النظام الديمقراطي نفسه من الانهيار ومن ثم تحافظ على البيئة المواتية لنموها وتطورها عندما تكون حاكمة، وتستطيع ان تنتصر في معاركها ضد الانظمة الاستبدادية عندما تكون معارضة.