بابكر فيصل بابكر كتبتُ مقالاً في شهر أبريل الماضي بعنوان "سياسة التمويه والبرنامج رقم 14" تناولتُ فيه سياسة التضليل وإخفاء الحقائق التي تمارسها الحكومة مع الشعب السوداني فيما يخصُّ الأوضاع و البرامج الإقتصادية.

وقد إستشهدتُ في ذلك المقال بتصريحات للممثل المقيم لإدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي في السودان, لويس إرسموس, قال فيها إنَّ الصندوق ينفذ مع الحكومة السودانية حالياً برنامجاً للإصلاح الإقتصادي يُعرف بالبرنامج رقم (14), والذي سبقه تنفيذ ثلاثة عشر برنامجاً خلال العقدين الماضيين, وعندما سئل عن طبيعة ذلك البرنامج أجاب بالقول :

( غير متاح لى الإفصاح عن البرنامج رقم (14) بالتفصيل، كما تعلم فإن الحكومة وافقت عليه لكن لم توافق على تمليك معلومات تفصيلية حوله لعامة الناس بعد، ولذلك أكتفي بما أعلنته الحكومة في موقع البنك المركزي الالكتروني، وما تم نشره على لسان مسؤولي المالية بوسائل الإعلام المختلفة ). إنتهى

قلتُ أنَّ أحد أسباب التحفظ الحكومي على “تمليك الشعب” معلومات مفصلة عن طبيعة البرنامج رقم 14 هو إتجاه الحكومة نحو “الرفع التام للدعم” عن السلع, وذلك كما هو معروف بندٌ ثابت في روشتة برامج الإصلاح الهيكلي التي يتبناها صندوق النقد الدولي.

من الواضح أنَّ الحكومة قد قرَّرت السير في طريق الرفع الكامل للدعم على أن يتم ذلك في ثلاثة مراحل, كانت أولها في يونيو 2012, وجاءت الثانية في سبتمبر 2013, وستكون الثالثة بنهاية هذا العام أو مطلع العام المُقبل.

في هذا الصدد, إعتادت الحكومة التمهيد لقرار رفع الدعم بإطلاق “بالون إختبار” يحتوي على تصريحين يقول أحدهما أنَّ الحكومة لن تستطيع المواصلة في الدعم الكبير للسلع بينما ينفي الآخر أية إتجاه لرفع الدعم.

قال رئيس القطاع الإقتصاى بالمؤتمر الوطني الدكتور “حسن أحمد طه” في تقريره أمام مجلس الشورى القومي لحزبه في 26 يوينيو الماضي أنَّ حجم الدعم الذي تقدمه الحكومة لسلعتى القمح والبترول ( لا يمكن أن تستمر فيه أي دولة من دول العالم ), وأضاف أنَّ ( إستمرار الحكومة في دعم السلع الاستراتجية شكل ضغطاً كبيراً على موارد البلاد من النقد الأجنبي ومن موارد الموازنة العامة للدولة ).

ثم عاد الدكتور حسن وكرَّر حديثهُ خلال ندوة حول الوضع الإقتصادى الراهن أقيمت في 19 يوليو الماضي, حيث قال أنَّ ( دعم المحروقات يمثل 20% من الإيرادات القومية ), وأكد أنَّ ( الحكومة لن تستطيع الإستمرار فى سياسة الدعم لجهة أنه لا يذهب إلى الفقراء ).

من جهة أخرى أكد وزير الدولة بوزارة المالية “عبد الرحمن ضرار” في تصريحات بالبرلمان في 21 يوليو الماضي ( عدم علمه بأي تجاه لرفع الدعم عن المحروقات نهاية العام الجاري ) وقال ( ما عندي علم بكلام زي دا اسألو ناس الوطني ).

قبل الخوض في مناقشة أثر رفع الدعم على الأقتصاد السوداني, أود بداية أن أشير إلى التضارب في أرقام الدعم بين ما قاله الدكتور حسن و الأرقام الحكومية, وهو الأمر الذي يُعزِّز الشكوك في مصداقية كلاهما.

فبينما يؤكد الأول أنَّ نسبة الدعم للمحروقات فقط بلغت (20%) من الإيرادات, فإنَّ الحكومة على لسان وزير الدولة بالمالية, مجدي حسن يس, أنَّ نسبة دعم “الوقود والقمح” معاً ( بلغت 14 % من موازنة هذا العام بواقع 5 تريليون جنيه (بالقديم) للوقود, و ما يزيد عن التريليون للقمح).

الأهم من ذلك هو تأكيد النقطة الأساسية المتمثلة في أنَّ رفع الدعم – كما قلنا مراراً- سيُساهم بصورة محودة في سد عجز الميزانيَّة, ولكنهُ سيؤدي لإرتفاع مُعدلات التضخم بصورة كبيرة, ولن تكون له أية مساهمة حقيقية في علاج أكبر أزمتين تواجهان الإقتصاد السوداني وهما أزمتا الموارد المالية التي نتجت عن خروج موارد البترول من الاقتصاد بعد انفصال الجنوب, وأزمة  تراجع نمو القطاعات الإنتاجية  ( الزراعة والصناعة).

حيث تقف مشكلة ديون السودان الخارجية ( تبلغ حوالى 45 مليار دولار) والحصار الإقتصادي الذي تفرضهُ أمريكا حائلاً دون الإنفتاح الخارجي و الإستفادة من القروض الخارجية المُيسرة لمواجهة أزمة الموارد التي خلفها خروج البترول.

وقد نصح صندوق النقد الدولي في تقريره الذي صدر أواخر الشهر الماضي الحكومة بأنه يتوجب عليها وضع إستراتيجية من أجل إعفاء الديون, هذه الأخيرة – كما يقول الصندوق – يجب أن تنبني على ( مشاريع إستثمارية مختارة بعناية, زيادة الصادرات خصوصاً في القطاع الزراعي, توثيق الصلة مع جنوب السودان, تحسين بيئة العمل, الحُكم بصورة أفضل).

لقد ذكرتُ في مقالات عديدة سابقة أنَّ موضوع الديون الخارجية يرتبطُ إرتباطاً وثيقاً بمحدداتٍ “سياسية” وليست إقتصادية محض, وأنه من المستحيل إعفاءها في ظل إستمرار الوضع السياسي بشكله الراهن.

ليس هذا فحسب بل إنَّ علاج الأزمتين الرئيسيتين اللتين يواجههما الإقتصاد السوداني ( الموارد المالية والإنتاج) لن يتمَّ إلا بعد وقوع حل سياسي شامل, ولن تجد نصيحة صندوق النقد طريقها للتنفيذ في ظل وجود حصار إقتصادي خانق, وبيئة إستثمارية طاردة و قوانين بالية ورسوم باهظة وفساد إداري مستوطن وعدم إستقرار سياسي.

وهذه النقطة الأخيرة هى مربط الفرس إذ لا يُمكن وقوع أية نوع من التنمية الإقتصادية وميزانية السودان – كما يقول البروفيسور على عبد الله – ظلت طوال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية “ميزانية حرب”, حيث إرتفع نصيب بند “الأمن والدفاع” إلى 88%  من إجمالى ميزانية 2014 بعد أن كان 78% في ميزانية 2013.

قد تتخوَّف الحكومة من إندلاع تحركات شعبية واسعة جرَّاء الزيادة المتوقعة في سعر جالون البنزين ( سيتراوح بين 39 و42 جنيها) وكذلك زيادة سعر رغيف الخبز, ولذلك فهى قد تؤجل القرار إلى ما بعد إنتهاء الحوار الذي أعلنتهُ أو قيام الإنتخابات في أبريل القادم حتى “يتم توريط” أكبر عدد من القوى السياسية التي ستشارك في الحكومة.

 إنَّ مشاكل السودان الإقتصادية الكبرى ومن بينها قضية تدفق الإستثمارات والموارد المالية و إعفاء الديون الخارجيَّة في جوهرها “مشاكل سياسية”, وبالتالي فإنَّ المدخل الأساسي لحلها يتطلب وقوع تغييرات سياسية كبيرة في بنية الحكم تؤدي لإيقاف الحرب و النزاعات المسلحة وإنهاء الحصار الخارجي وتسمح بالتداول السلمي الحقيقي للسلطة وتنعكس بالتالي على الوضع الإقتصادي.