خالد فضل بادئ ذي بدء لابد من احترام وتقدير كثير من المعلقين على حساباتهم بالفيس بوك وغيره من مواقع التواصل الشبكي أولئك الذين انتقدوا وشككوا في نوايا الامام الصادق المهدي 

وهو يسعى للقاء قادة الجبهة الثورية السودانية ويوقع معهم اعلان باريس الذي اشتمل على معظم القضايا المعضلة الآن على الساحة الوطنية , فلهولاء الافراد كامل الحق في التعبير عن مخاوفهم من لقاء الصادق المهدي تحديدا لأن سجله في الاتفاقات غير مشرف بكل أمانة , فهو سريع التنقل والتملص من استحقاقات ما يبرمه من مواثيق , نكتب هذا من واقع التاريخ والحاضر الماثل , وبكل تأكيد يكن صاحب هذا الرأي للسيد الصادق كشخص خالص التقدير , المشكلة تبدو بالفعل في المواقف العامة للسيد الامام والتي يشوبها كثير من اللغط حتى على مستوى قواعد وقيادات حزبه بل ربما داخل اسرته . ولكن السياسة متغيرة وهي وليدة الواقع والظرف , خاصة ما يتعلق منها بشق التفاهمات والاتفاقات . والتي تعتبر مرحلية طالما نرجو سيادة نظام ديمقراطي يقدم فيها كل حزب سياسي برنامجه ومشروعه للحكم , عند ذاك يمكن أن تقوم تحالفات جديدة هذه عموما هي سنة الحياة السياسية وليس في الأمر عجب .

   نعود لاتفاق باريس آخذين في الاعتبار جملة مؤشرات , فقد ظل الامام الصادق المهدي يدعو من وقت طويل للحلول عبر التفاوض اتفقنا أو اختلفنا مع دعواته تلك وتوقيتها ولكن الأمانة تقتضي تسجيل ذلك , ولعل واحد من أسباب نكوصه عن تحالف التجمع الوطني الديمقراطي شعوره بأن التجمع كان وقتها أميل لشعار الاقتلاع من الجذور أي الكفاح العسكري , وللطرفين مبرراتهما فيما اختارا , هذا ليس مجال استعراضها , ثم أن الامام ظل يحث الانقاذيين على الحوار ويجلس معهم كل حين وفي كل جمع يدعون له , عليه يمكن قراءة ذلك باعتباره بحثا عن حل ولو على طريقة (سيد الرايحة الفتح خشم البقرة) , فليس غريبا أيضا والحال كذلك أن يسافر الامام الي الجبهة الثورية فيحاورها , فمن مواقف الصادق المعلنة دعوته للاعتراف بالجبهة الثورية , وضرورة مشاركتها في أي ترتيبات لمستقبل سلمي ديمقراطي للبلد , فهل ننكر هذا الآن وهو يخوض معها ليومين في مباحثات شملت كل فصائل الجبهة وقادتها تقريبا ,   المهم أن الجبهة الثورية بكامل قيادتها مع رئيس حزب الأمة ونائبته , وحرمان نائبه الاستاذ الدومة المحامي بواسطة السلطة الانقاذية , هذا الثقل التمثيلي يؤخذ في الاعتبار , فليس الأمر ممثلين للفصيلين اتفقا بل قيادة الطرفين هي التي مهرت الاتفاق وبهذا يكتسب وزنه السياسي , وتصبح مسألة النكوص عنه مكلفة سياسيا وأخلاقيا , كما هنالك رمزية المكان فالاتحاد الاوربي يحاول أن يعمل بشكل وثيق مع فرقاء الساحة السودانية , بل يبدو الاتحاد الاوربي في بعض الاحيان كأنه منحاز لسلطة الانقاذ , وبالطبع منطلقات وتقديرات هيئة رفيعة كالاتحاد الاوربي ليست بالضرورة تتطابق مع رغباتنا نحن كشعب مكتوي بنيران السلطة التي تسومه العذاب , أذكر أن صديقا يعمل في احدى الهيئات الدولية قال لي إنهم كثيرا ما تناقشوا مع المسؤوليين الدوليين في تلك الهيئة حول ما يبدو ضعف مواقف هيئتهم تجاه تجاوزات سلطة الانقاذيين وفسادها الظاهر في الأموال التي تنفقها تلك المنظمة الدولية على المشروعات التي تمولها المنظمة الدولية , قال إن رد أولئك المسؤولين بكل وضوح هو أنهم يعرفون طبيعة السلطة التي يتعاملون معها فهي لا تشعر بأي مسؤولية تجاه هموم وقضايا شعبها ولا يهمها إن جاع الناس أو عطشوا  ماتوا أو عاشوا , لذلك يمكنها بكل بساطة أن توقف مشاريعنا التي نقدمها للمحتاجين من ملايين السودانيين , فإذا كنا ننفق ما يمكن أن ينشئ ألف بئر لمياه شرب الناس على مائة فقط فمن الأفضل أن يشرب مائة الف عوضا عن تركهم بلا ماء وعلى ذلك قس (أي نظرية المال تلتو ولا كتلتو) , وليس بعيدا عن هذا المعنى الذي استنتجناه من سؤال في لقاء عابر مع سفير الاتحاد الاوربي في الخرطوم قبل سنوات , إذا هناك ما يمكن أن نسميه الواقعية الصادمة , و لقاء الثورية بالامام ليس بعيدا عن هذا الواقع . وربما نقرأ منحة الاتحاد الاوربي ذات ملايين اليوروهات لدعم الانتقال والتحول الديمقراطي وتطوير التشريعات في هذا المنحى أيضا , ولعل الموقف الحاسم لدول الاتحاد الاوربي في قضية السيدة مريم /أبرار وخضوع السلطة الاسلامية  لذلك الضغط ما حفزه أي الاتحاد الاوربي تحديدا للسير قدما في طريق تحقيق تسوية سياسية تغلق باب دوامة الحرب الأهلية ومآسيها وتكلفتها الانسانية والاخلاقية الفادحة , وليس من سبيل الى ذلك الا بالاتفاق مع الجبهة الثورية كلها , من هنا يلمح المراقب دور الصادق كمبعوث من السلطة , بحكم علاقاته المفتوحة معها رغم الغشاوة التي رانت على تلك العلاقة جراء قول الصادق لكلمة حق في وجه قوات الجنجويد ذات الطاقية الرسمية باسم الدعم السريع .

  من المؤشرات كذلك , لمن قرأ مقالات الاستاذ ياسر عرمان عن مانديلا ,(نشرت أجزاؤها الاربع على اسافير عدة مواقع سودانية ) في تلك المقالات تعبير عن وجهة نظر واحد من أهم فصائل الجبهة الثورية (الحركة الشعبية لتحرير السودان السودانية ), وفيها كذلك تأكيد على الخطاب السياسي وتوجهه بصورة اقرب لقلوب وعقول وخواطر ملايين السودانيين المتردديين أو أولئك المخدوعين جراء حملات غسيل المخ المستمرة منذ ربع القرن ضد الآخر الثقافي والعرقي والديني وهي التناقضات التي ظل اسلاميو السلطة يعزفون على أوتارها صباح مساء وتشكل جل تدابيرهم للتعامل مع هموم الحكم والسلطة التي فشلوا فيها بامتياز لا يحسدون عليه . بل يمكن الزعم أن الخطاب السياسي للحركة الشعبية على وجه التحديد يحمل سمات جل إن لم يكن كل أوجه الحلول للقضايا السودانية المتفاقمة , وما من حوار منتج بين الفرقاء السودانيين يمكن أن يكون بمعزل عن ذلك المطروح من جانب الحركة وفصائل الجبهة الثورية كتحالف فاعل وناشط على المستوى العسكري والسياسي , وما المحاولات المستميتة من جانب سلطة الاسلاميين لقمع الجبهة ووأد صوتها وتشويه صورتها الا تأكيدا على نجاعتها وحضورها المؤثر , ولدرجة أن السلطة الغارقة في الفشل واصلت تدمير آخر مقومات الدولة (القوات المسلحة ) لصالح مليشيات عشائرية سيئة السمعة , وبتبرير فطير من قائد تلك المليشيات بأن أمريكا قد استعانت بمليشيات العشائر العراقية لكبح الانفلات الأمني , مهمة تلك المليشيات هي حسم وسحق قوات الجبهة الثورية وقمع وقتل منسوبيها المدنيين , ولكن تلك الحملات الوحشية فشلت في هدفها بل منيت بخسائر فادحة جعلت قادة المليشيات يتحدثون عن الاستخبارات الغربية التي تمد الثوار بخرائط مواقع وتحركات المليشيات تارة , واعترافات بسيطرة الجبهة على معظم محليات ولاية جنوب كردفان , الى طلب مفتش عام الجيش لاعلان وقف اطلاق النار ولو من جانب الحكومة فقط , هذه الوقائع مع محاولات تزيين سيرة مليشيات الجنجويد بعدد الأمهات اللاتي ولدن على أيدي أطباء الجنجويد بجنوب كردفان التي قال عنها القائد الميداني للجنجويد حميدتي بأنهم (لم يجدوا فيها مواطنين بل متمردين قتلناهم ) وهنا تبدو الاكاذيب بينة ومحاولات التجميل ساذجة , فأين هن النساء اللواتي وضعن على أيدي الجنجويد إذا كان بجنوب كردفان /جبال النوبة متمردين فقط قتلهم حميدتي)! هذا مؤشر مهم فالعجز عن الحسم العسكري مع المكابرة في اعلان الفشل وهو ديدن سلطة الاسلاميين منذ سيطرتهم على الوطن , مع تفاقم الوضع الاقتصادي والانهيار التام لكل مؤسسات الدولة , وسيطرة البلطجة والفهلوة والشللية , مع كل هذا الانهيار السياسي والامني والاخلاقي والاقتصادي , ومع فرضية زيادة وتائر السؤ لأسوأ مما يضيع الوطن نفسه , وتفككه الى كانتونات مغبونة ومتناحرة , لدرجة تجعلنا نبحث عن حدود أدنى مما متاح الآن.

  ازاء هذه الوقائع يمكن النظر الى اتفاق الثورية/ الصادق كخطوة لانقاذ الوطن ولو عن طريق مد اليد لانتشال الانقاذيين انفسهم من دوامة الغرق المعنوي والفعلي الذي فيه يتخبطون , ومن منطلق ديمقراطي يقر حق الآخر في أن يكون آخرا فليس من الحكمة تصور بناء وطن يسع الجميع مع اقصاء الاسلاميين , الصحيح في رأيئ أن تتم المحاسبة للمذنبين وليس الاقصاء على الهوية فهذه سكة عدمية ودوامة نسعى لنهايتها وليس استمرارها .وفي أدبيات المعارضة بشقيها المدني والمسلح تأكيد على تلك المعاني وفي اعلان باريس تأييد لها .رغم أن غشاوة السلطة ونفسية المستبدين لا تجعلهم يعون ويفهمون , ولكن لابد من اجبار الطفل على تجرع الدواء حتى يشفى كما في وصف دقيق للاستاذ الحاج وراق , فهذه من واجبات الديمقراطيين التي لا مناص منها , احتمال الأذى والصبر على السذاجة , والتصميم على المستقبل المشرق .