نبيل أديب تبدو هذه الأيام المناقشات الحادة التي تصر فيها الحكومة على إجراء الإنتخابات لرئاسة الجمهورية والبرلمان لدى إنقضاء فترة ولايتيهما في إبريل القادم، ورفض المعارضة لذلك، من الألغاز التي يستعصي فهمها. 

الأصل هو إجراء الإنتخابات في موعد يحدده الدستور، لمنع المطل من جانب الحكومة في إجرائها. فإنتخابات رئاسة الجمهورية في أمريكا تجرى يوم الثلاثاء الأول من شهر نوفمبر في العام الذي تنتهي فيه ولاية رئيس الجمهورية، على أن يتولى الرئيس المنتخب المنصب في يناير، ولا تملك الحكومة القائمة تأجيل أو تعجيل ذلك في الظروف العادية. في الديمقراطيات التي تتبنى النظام البرلماني، يتم إجراء الإنتحابات وجوبا عند إنتهاء أجل البرلمان. وفي بريطانيا يتم حل البرلمان بإنقضاء خمس سنوات من تاريخ جلسته الأولى و تجرى الإنتخابات بإنقضاء سبعة عشر يوماً من ذلك، لا تحسب من ضمنها أيام العطلة الأسبوعية والعطلات الرسمية، ولا تستطيع الحكومة تأجيل ذلك وإن كانت قبل 2011 تملك تعجيله باللجوء لحل البرلمان قبل إنقضاء ولايته حين يصدر أمراً ملكياً بذلك بناءً على نصيحة رئيس الوزراء، مما يوجب إجراء الإنتخابات في خلال سبعة عشر يوماً من ذلك الحل تحسب على الوجه المذكور آنفا. لما كان ذلك سلاحاً إستخدمته الحكومات لإجراء الإنتخابات في الوقت المناسب لها مما يمنحها ميزة غير مناسبة، فقد رؤي تقييد ذلك، فلم يعد ممكناً بعد صدور قانون تحديد مدة البرلمان لعام/2011م حيث أصبح حل البرلمان يتطلب صدور قرار من البرلمان نفسه. تقييد سلطة الحكومة القائمة في تأجيل الإنتخابات بعد إنتهاء ولايتها هو إستحقاق دستوري ديمقراطي، لمنع الحاكم من تجاوز التفويض الممنوح له، ولتكريس التبادل السلمي للسلطة. من هنا يبدو إصرار الحكومة الحالية على إجراء الإنتخابات بسبب إنقضاء أجل ولاية رئيس الجمهورية والبرلمان الحالي، رغم صحته، من الأمور التي تثير الدهشة والعجب، ويزيد الأمر غرابة مقاومة المعارضة لذلك. فالأصل هو أن الحكام، في أي مكان، لا مصلحة لهم في إجراء الإنتخابات، لأنها لن تمنحهم أكثر مما هو لديهم بالفعل، مع إحتمال أن تفقدهم له. في حين أن المعارضين من مصلحتهم إجراء الإإنتخابات لأن ذلك يتيح لهم ما ليس لديهم. بالنظر لأنه لم يعرف عن حكامنا التشوق لمنح الإستحقاقات الدستورية، خاصة إذا ما كان من شأنها أن تفقدهم السلطة، ولا عن معارضيهم العزوف عن تغيير الوضع الحالي، فإن موقف كليهما يبدو موقفاً مجافياً للمنطق. حقيقة الأمر أن حل هذا  اللغز يبدو في الإنتخابات نفسها التي ترغب الحكومة في إجرائها. فالإنتخابات التي تتوجس منها كل حكومة، وتتلهف عليها كل معارضة، هي إنتخابات يقرر فيها الناخبون بإرادتهم الحرة مصير السلطة السياسية، وهو قرار لايجوز للحكومة القائمة، ولايمكن لها حتى ولو شاءت، أن تتدخل فيه. ولكن هذا لايبدو ما يمكن أن يتحقق في إنتخابات تجرى في ظل نظام يمسك فيه الحزب الحاكم بمفاصل الثروة والسلطة، وتندمج أجهزة الدولة المختلفة فيه، بشكل يجعل تلك الأجهزة مشاركة بالفعل في الإنتخابات كجزء من الحزب الحاكم، وليس فقط مظاهرة له .

إذاً السبب الوحيد الذي يمكن أن يجعل المعارضة غير راغبة في إجراء الإنتخابات، بل ويجعل الإنتخابات كرتاً في يد الحكومة تهدد به المعارضة، هو أن الإنتخابات في ظل تلك الأوضاع هي مجرد خاتم مطاطي تضعه السلطة السياسية على قرارها هي بتجديد ولايتها لفترة أخرى. أما مدى صحة قرار المعارضة بمقاطعة الإنتحابات فهذه مسألة أخرى.