التغيير: الخرطوم اصاب "اعلان باريس" الذي تم توقيعه بين  حزب الامة القومي والجبهة الثورية الساحة السياسية الداخلية بالسودان خاصة التنظيمات ذات التوجهات الاسلامية المعروفة  بالارتباك الواضح , لا سيما وان توقيته جاء مباغتا لكثير من القوي السياسية.

ينص الاتفاق الذي وقعه زعيم حزب الامة القومي الصادق المهدي ورئيس الجبهة الثورية مالك عقار علي ضرورة وقف الحرب في مناطق النزاعات واتباع السبل السلمية لتغيير الاوضاع السياسية وضرورة ان تحكم البلاد بصورة ديمقراطية تقوم علي مبدأ المواطنة , ولم ينص الاتفاق علي الطريقة التي ستحكم علاقة الدين بالدولة لكن الطرفين الموقعين ارجأ الامر لمزيد من التشاور.

ومع ان حزب المؤتمر الوطني الحاكم رفض اعلان باريس صراحة وقال انه ليس معنيا به وانه لن يكون للحوار الوطني الذي يطرحه بحسب تأكيدات القيادي فيه ابراهيم غندور , الا ان حزب الاصلاح الان الذي انشق عن الوطني في اكتوبر من العام الماضي ويقوده القيادي الاسلامي غازي صلاح الدين قد رحب بالاتفاق وقال انه يمكن ان يسهم حل مشاكل البلاد سلميا.

وقال القيادي بالحزب كمال علي رزق ان حزبه يوافق من حيث المبدأ علي اي دعوة او وثيقة تدعوا لوقف الحرب ونبذ العنف واستدامة السلام. واعتبر ان “اعلان باريس” به العديد من الجوانب الايجابية التي يجب ان يستفاد منها ولكن لابد من وضع التطورات السياسية الراهنة في الاعتبار ” نحن في الاساس نفضل ان يتحاور جميع السودانيين في منبر واحد ونري ان اعلان باريس سيفيد البلاد كثيرا في التوصل الي حل لمشكلاتها ولكن من الافضل ان تتوحد كل منابر الحوار”.

اما حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده عراب الاسلاميين في السودان حسن الترابي فقال انه لا يوافق علي كثير مما جاء في وثيقة اعلان باريس. وقال القيادي بالحزب كمال عمر ان الوثيقة بها الكثير من العبارات الفضفاضة وانها لم تشر الي كيفية تنفيذ ماجاء فيها ” مثلا لا يمكن الحديث عن اي مستقبل للدولة السودانية دون الاشارة الي الوضعية التي تحكم الدين بالدولة ورأينا ان الوثيقة قد اغفلتها.. ونحن من جانبنا ضد اي توجه علماني ونري ان التوجهات الاسلامية هي التي يجب ان تحكم البلاد”.

ومع ذلك فان عمر يقول ان التواصل مازال موجودا بيننا وحزب الامة القومي والجبهة الثورية وكافة القوي السياسية ” نحن سنواصل اتصالاتنا مع الذين وقعوا علي اعلان باريس من اجل التوصل الي صيغة افضل لحكم البلاد عبر الحوار الوطني الذي نشارك فيه.. صحيح ان المهدي قد ابلغنا بتفاصيل الاتفاق ولكننا لدينا الكثير من التحفظات عليه ومع ذلك فاننا سنواصل الاتصالات وسنكون جسرا بين مكونات القوي السياسية”.

ويشارك حزب الترابي مع حزب غازي صلاح في الحوار الوطني الذي خرج عنه حزب الصادق المهدي  بعد اعتقاله من قبل الاجهزة الامنية ورفضته الجبهة الثورية منذ البداية. وتبرر قيادات حزب المؤتمر الشعبي مواصلتها في المشاركة في الحوار الوطني والتحمس له دون سائر بقية الاحزاب بقولها ان الحوار هو افضل وسيلة لحل مكشلات البلاد وان الوثيقة المطروحة في خطاب الرئيس البشير بها الكثير من الحلول للمشكلات السودانية، إلا ان كثيرا من المراقبين يفسرون تمسك “المؤتمر الشعبي” بالحوار الذي اعتبرته حتى بعض الأحزاب الاسلامية غير مستوفي للحد الادنى من الاستحقاقات، بأنه يندرج في سياق مشروع لتوحيد “المؤتمر الوطني” و”المؤتمر الشعبي” لاعتبارات تخص التنظيم العالمي للاخوان المسلمين  على خلفية الإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي في مصر،وهو مشروع تضغط في اتجاهه دولة قطر في سياق ترتيب اقليمي لأوراق الحركات الإسلامية بعد فقدانها السلطة في مصر وليبيا.

موقف حزب منبر السلام العادل الذي يتزعمه الطيب مصطفي والذي له صلة قرابة بالرئيس السوداني فقد كان اكثر وضوحا وصرامة حينما رفض احد قادته الوثيقة بشكل قاطع وقال انها تمثل نسخة اخري من اتفاقية نيفاشا. واعتبر هذا القيادي الذي فضل حجب اسمه ان “قيادات الجبهة الثورية والتي هي اذيال للحركة الشعبية في جنوب السودان تريد الالتفاف مرة اخري ويأتوا الينا بنيفاشا جديدة.. ونحن مستغربون كيف للصادق المهدي الذي يزعم انه من القيادات الاسلامية ويريد ان يأتي لنا بالعلمانيين والعنصريين بعد ان ذهبوا للجنوب”.

ويشير كثير من المراقبين للشأن السياسي في السودان ان حزب منبرالسلام العادل والذي خرج ايضا من الحزب الحاكم وصحيفته الناطقة باسمه ” الانتباهة” لعبت دورا كبيرا ومفصليا في فصل جنوب السودان عن السودان من خلال كتابات منتظمة وراتبة محرضة على قيادات الحركة الشعبية وخاصة مؤسسها جون قرنق. باعتبار ان الجنوب هو العائق الوحيد لمشروع الإسلام السياسي وللهيمنة العربية على الدولة السودانية التي ظل الطيب مصطفى يعرفها بأنها “عربية إسلامية”، وبعد انفصال الجنوب اقام منبره احتفالا ذبح فيه “ثورا أسودا”!

ويري القيادي بالحزب انه بالرغم من أن  الوثيقة تغافلت عن الحديث عن علمانية الدولة بشكل صريح الا ان بقية النصوص الواردة تشير الي ذلك ” هنالك فقرات تتحدث عن مواطنة وعن تمييز انسان الهامش وهي اشارات يقصد بها العلمانيون جرنا مرة اخري الي مربع نيفاشا”.