محمّد جلال أحمد هاشم* كان بابكر بدري وقتها حافظاً للقرآن. فماذا فعل بابكر بدري وهو الرّجل المتديّن؟ هل ذهب إلى محكمة قضائيّة تحكم بالشّريعة لتطهير نفسه؟ هل ذهب إلى المهدي ليطلعه عمّا اقترف حتّى يُقيم عليه الشّريعة ساخنة وحارّة لتوّها؟

لا ! ذهب إلى أمّه وحكى لها ما فعله مع تلك المرأة؛ ليس هذا، بل حكى لها كيف أنّ عمّه بدوره اختلف إلى المرأة نفسها لذات الغرض وبابكر بدري لا يزال في سريرها. فلو كانت الشّريعة تراثاً للتّحاكم في السّودان لعرف بابكر بدري ماذا يفعل لتطهير نفسه وهو حينها بدرجة يحسد عليها من الهوس الدّيني.

أمّا عن اللواط، فقد كان ممارسةً فرديّة غير اجتماعيّة قبل الاستعمار المصري التّركي (لتفصيل أكثر، يرجى مراجعة كتابنا قيد النّشر: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان). نقرأ في مخطوطة كاتب الشّونة (أحمد بن الحاج أبو علي، 2009: 40) أنّه بعد وفاة الملك بادي الأحمر، «… ملك بعده أونسا ابنُه [1715م ـ 1718م]، وكان صاحب لهو ولعب وهوى مع الرّجال والنّساء، حتّى ظنّوه بأمرٍ قبيح وفاحشة عظيمة …» حتّى بلغ الأمر أهله الفونج فقاموا بعزله. وترد الحكاية في واحدة من مستنسخات نفس المخطوط (أحمد كاتب الشّونة وآخرين، 2009: 31) بالصّورة التّالية: «ثمّ تولّى ابنه أونسة، وانهمك في اللهو واللعب وارتكاب الفواحش حتّى بلغت أخبارُه الفنج بالصّعيد …»، فعزلوه. مع أنّه ليس في مقدور البحث الحالي الجزم بأنّ تلك الفواحش تعني تحقيقاً اللواط، إلاّ أنّه تقبل ذلك ترجيحاً، ذلك لأنّ لفظة «الفاحشة» ذات دلالات خطابيّة مرتبطة باللواط في الفقه الإسلامي.

قبيل انتهاء دولة الفونج بسنوات قلائل، يحكي الرّحّالة بيركهاردت (1987: 446-7) عن شكوى قدّمها له القاضي بسواكن ضدّ حاكمها عن محمّد علي باشا ليقوم بتسليمها للأخير عندما يصل إلى الحجاز. وقد اشتملت الشّكوى على عدّة تهم نلتفت لواحدة بعينها، ربّما لم يسمح الحياء لبيركهاردت أن يذكرها باسمها، فشرع يلمّح بها معرّضاً. فهو يقول، حرفيّاً، بلسان القاضي، أنّ ‏حاكم سواكن قد «… أهان وظيفته بميوله غير الطّبيعيّة». ما يجعلنا تلتفت لهذه الملاحظة التي أبداها بيركهاردت، إشارة هامشيّة قال فيها: «يبدو أنّ هذه هي الرّذيلة الوحيدة في الشّرق التي لم تخترق بعد أفريقيا [يعني بأفريقيا بلاد السّودان التي مرّ بها]، حيث تعبّر جميع الطّبقات عن تقزّزها واستفظاعها ممّا يصفه الحجّاج العائدون بخصوص تمادي الأتراك والعرب [في هذه الممارسة] غير الطّبيعيّة». وهذا يكشف عن عدم انتشار ممارسة اللواط بطريقة يجوز وصفها بأنّها أصبحت ظاهرة.

إلاّ أنّ ممارسة اللواط سوف يقوم بترسيخها الاستعمار المصري التّركي، وكلاهما صدرا من مجتمعٍ مسلم، وليس نصارى الغرب. عن اللواط في ذلك العهد الاستعماري، يقول أحمد أحمد سيد أحمد: «واللواط في الخرطوم أكثر رواجاً من البغاء … ففي السّوق والميادين تشاهد الجماعة من المخنّثين في ملابس النّساء والكحل في عيونهم والخضاب في أكفّهم يقودهم رئيس منهم عاري اللحية، وهم يصوّبون نظراتِهم السّافلة هنا وهناك بحثاً عن صيد. ولم يكن المال ـ في كثير من الأحيان  الدّافع إلى اتّخاذ هذه الصّناعة، ففي سنة 1866 كان رئيس ‘اللواطيّين’ شابّاً قويّاً في العشرين من عمره ومن أسرة طيّبة يمكن اعتبارها من أحسن العائلات البرجوازيّة في المدينة …» (أحمد أحمد سيد أحمد، 2000: 294). كما يؤمّن إبراهيم فوزي باشا (1901: 173-175) على وجود الشّواذ جنسيّاً في المجتمع السّوداني خلال الحكم الاستعماري التّركي المصري، ويسمّيهم بالمخنّثين؛ ويحكي أنّ هذه الظّاهرة كانت منتشرة، حيث كان هؤلاء المخنّثون يُرسلون شعورهم ويتشبّهون بالنّساء، فضلاً عن افتتاحهم لأنفسهم دوراً قائمة على الدّعارة الذّكوريّة بجانب قِوادتهم للدّعارة الأنثويّة. هذا قبل زمن المهديّة حيث لم تكن هناك شريعة أو أيّ قوانين إسلاميّة. دعونا نرى كيف كان الأمر في زمن المهديّة.

يقول إبراهيم فوزي عن هؤلاء المخنّثين بأنّ المهديّة قد أخذتهم بالشّدّة في أوّل عهدها، فسجنتهم واستتابتهم، وأرغمتهم على أداء الصّلوات ونبذ حياة التّخنّث. ولكن ما لبث أن صعد نجم هؤلاء بفضل بعض قيادات التّعايشة وأمرائهم الذين اصطفوا هؤلاء المخنّثين وضمّوهم إليهم ليعيشوا تحت أسقف منازلهم، وعلى رأسهم عثمان شيخ الدّين (ابن الخليفة عبدالله التّعايشي) والأمير محمود ود أحمد الذي ذاع عنه تعلّقه بأحد المخنّثين. ويختم إبراهيم فوزي باشا إفادته بإدانة لهؤلاء الأمراء قائلاً: «كما إنّ العقل يستبعد سلامة أولئك الأمراء من التّلطّخ بأوضار تهمة اللواط أعاذنا الله منها» (المرجع السّابق: 175). ويحكي بابكر بدري (مج 1، بدون تاريخ: 169 ــــ 170) في مذكّراته عن موقف وقع له مع أحد هؤلاء المثليّين وكيف انتهره عندما طلب منه أن ينفحه بعض حُبيبات من القرنفل. وكانت خشية بابكر بدري من أن يدفع ترخّصه مع ذلك المثليّ أن يقوم الأخير باختراق الجدار الاجتماعي الذي يفصل الرّجال عن النّساء في البيوت فيشرع المثلي في مخالطة نساء البيت. وقد قام صديق لبابكر بدري بتحذيره من معادة المثليّين، كونهم قادرين على تشويه سمعة المرء. ويكشف لنا هذا خطرهم ومدى انتشارهم في المجتمع. فالحكاية تدلّ بوضوح على أنّ المثليّين قد حازوا مكانةً خطيرة في المجتمع إبّان الدّولة المهديّة. فالواضح أنّ النّاس كانوا قد اعتادوا على قبولهم بوصفهم جزءاً لا يتجزّأ من المجتمع الأمدرماني (على أقلّ تقدير)؛ فضلاً عن ذلك، فقد كان النّاس يخشون جانبهم لسلاطة اللسان، ثمّ للسّلوك الابتزازي الذي كان المثليّون يهدّدون به من لا يقبلهم، كأن يخوضوا في أعراض النّاس بالحقّ أو بالباطل. كما كانوا قادرين على اختراق حاجز النّوع الذي يُفترض وجوده في دولة فصلت بتشدّد ديني أصولي بين الجنسين. فبابكر بدري وصديقه يخشيان منهم ويتوقّيان جانبهم.‏

أمّا في فترة الاستعمار البريطاني المصري، فبالرّغم من الزّعم الوجيه بأنّه كان وراء تعميق السّلوك التّحرّشي الجنسي ما أفضى إلى تبلور ظاهرة اللواط بتساهله مع موظّفيه الشّباب الذين كانوا يعملون في الجيش أو في البوليس، أو بخاصّة في مجال التّعليم والتّدريس، إلاّ أنّه كان أوّل من فكّر في تجريم اللواط متى ما كان المفعول به صغيراً في السّنّ، أي دون سنّ السّادسة عشرة. لاحظوا! السّادسة عشرة في مجتمع تمتدّ فيه سنّ الإعالة لتبلغ العشرين فما فوقها. كما عمل الإداريّون البريطانيّون ما في وسعهم لإيقاف ممارسات اللواط من أن تتحوّل إلى ظاهرة اجتماعيّة. في يوم 16 يناير 1925م وجّه جاكسون، مدير بربر، رسالة إلى السّكرتير الإداري يخطره فيها برسالة كان قد بعثها إلى ‏جميع المديرين بشمال السّودان يحثّهم فيها لمناقشة مقترح لتجريم اللواط في اجتماعهم المقبل (دار الوثائق القوميّة، وثيقة رقم CivSec 41/1/2). تبدأ مذكّرة جاكسون بالمطالبة بتجريم اللواط لتنتهي بقوله: «اللواط sodomy رذيلة خاصّة بالمصريّين، ينبغي تخليص السّودان منها. فبمجرّد أن تتمكّن، يصبح من الصّعب الشّديد محاربتها …». بناءً على مذكّرة مدير بربر، قام السّكرتير الإداري بتاريخ 21 يناير 1925م بتوجيه قاضي المحكمة العليا بمكتبه بتحضير مسوّدة أوّليّة لقانون يجرّم اللواط.

لقد فشت ظاهرة التّحرّش الجنسي اللواطي خلال القرن العشرين على وجهٍ أخصّ في المراكز الحضريّة، وارتبطت بالمدارس وطبقة الأفنديّة، واشتُهر أكثر ما اشتُهر بها قطاع من المدرّسين ورؤساء الأقسام بدواوين الحكومة، ثمّ بالجيش والبوليس، ثمّ في مجالات حداثويّة أخرى مثل الرّياضة والغناء، ثمّ بين بعض السّاسة والمتنفذّين في جهاز الدّولة، بخاصّةٍ بعيد الاستقلال وخلال الحكم العسكري الأوّل (1958م ــــ 1964م). وهكذا تبلورت ظاهرة اللواط قبيل منتصف القرن العشرين حتّى أصبحت لدينا دور للبغاء الذّكوري في العديد من المراكز الحضريّة بالسّودان تعمل على قدم المساواة مع رصيفتها من دور البغاء الأنثوي. عليه، بين كلّ العهود الوطنيّة. وعليه، لا يجوز أن يصدر أيّ حكم بتجريم الفترة الاستعماريّة وتحميلها مسئوليّة تحليل اللواط كما زعم عبدالله علي إبراهيم. فمزاعمه هنا لا تثبت عند التّحقّق.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة