رشا عوض ربما يتفاجأ كثيرون في هذا العالم  بوجود مادة في القانون الجنائي السوداني هي المادة 152  تحاكم بالجلد على ما يسمى بالزي الفاضح، 

ولم يعرف القانون هذا الزي بل ترك الأمر لتقدير منسوبي (شرطة أمن المجتمع) المنوط بها تنفيذ هذه المادة،  لمناهضة هذه المادة والمطالبة بإلغاء قانون النظام العام تم  إطلاق مبادرة “لا لقهر النساء” التي تشرفت بالمشاركة في تأسيسها.

وبحكم ان جدلية العلاقة بين الفكر الإسلامي وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا المرأة هي دائرة اهتمامي الأساسية، فإنني أعتقد ان أفضل مساهمة يمكنني تقديمها لمبادرة لا لقهر النساء في مجال مناهضتها لقانون النظام العام، هي النقد الجذري للأفكار الدينية التي تكرس لدونية المرأة، لان هذه الأفكار بالغة التأثير على المجتمع، وتعرقل تعاطف قطاعات كبيرة منه مع قضايا النساء العادلة، خصوصا وأن النظام الحاكم في السودان منبثق عن أكبر جماعات الإسلام السياسي في البلاد، وهو دائما ما يستغل العاطفة الدينية في الترويج لقوانينه الظالمة للنساء، وفي معركتنا مع قانون النظام العام وهو قانون تطبقه شرطة خاصة (شرطة أمن المجتمع) وله محاكم خاصة غير مستوفية لشروط العدالة المتعارف عليها، وشرطة امن المجتمع تطبق المادة 152 من القانون الجنائي الخاصة بما يسمى الزي الفاضح، في حربنا على هذه المادة وعلى قانون النظام العام عموما، هاجمت الصحف الموالية للنظام مبادرة “لا لقهر النساء” واتهمتها بأنها ضد الإسلام، وتدعو للتبرج والزي الفاضح، وتركت الانتقادات  الموضوعية التي وجهتها المبادرة  للقانون جانبا، وانحرف النقاش إلى قضية الحجاب ووجوبه على المرأة المسلمة، وإلى قضية الانحلال الأخلاقي والانحرافات الجنسية التي تتفشى في المجتمع إذا لم ترتدي المرأة (الزي الشرعي)، ولكي نبطل أثر هذا التشويش  الذي يستهدف تجنيد الجمهور المسلم ضد قضيتنا ، لابد ان نناقش قضايا ما يسمى بالحجاب والزي الشرعي، وقضايا الفضيلة والعفاف في الفكر الإسلامي برؤية نقدية مستنيرة تهدف إلى أمرين:

الأول: تسليط الضوء على التعددية في الآراء والتفسيرات الدينية في قضية “الحجاب” قديما وحديثا، وهذه التعددية تشمل الآراء المرنة والمعتدلة إلى جانب الآراء المتشددة، وإثبات أن الآراء المتشددة سادت في المجتمع ليس بسبب انها الأصدق في التعبير عن الدين ولكن لأنها الأصدق في التعبير عن الثقافة الذكورية المهيمنة على المجتمعات.

الثاني: التعامل مع موضوع “الحجاب” وأزياء النساء كقضية اجتماعية ثقافية تختلف وتتعدد فيها الآراء، وليس كقضية عقيدة في إطارثنائية (مع الدين، وضد الدين)، وذلك لن يتحقق إلا بتوطين ثقافة حقوق المرأة بوجه خاص وثقافة حقوق الإنسان بوجه عام في المجتمع.

في هذه المقالة يتعذر عرض كل النصوص الإسلامية الواردة في موضوع الحجاب وتفسيراتها قديما وحديثا، سأكتفي ببعض النماذج.

ما هو الحجاب؟

كلمة “حجاب” لم ترد مطلقا في القرآن الكريم بمعنى(زي يجب ان ترتديه النساء)، ولم ترد مطلقا في سياق الحديث عن (نوعية ملابس النساء)، وردت المفردة في عدة آيات بمعاني مختلفة، والآية التي ورد فيها ذكر مفردة (حجاب) في سياق له صلة بأوضاع النساء هي قوله تعالى

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)

الحديث في الآية عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمة حجاب الواردة في الآية بمعنى فاصل مادي أو جدار يعزل بين نساء النبي ومن يطلب منهن متاعا، وهذه خصوصية لبيت النبوة،

ولكن هناك من استدل بهذه الآية على أن الحجاب نظام اجتماعي إسلامي يجب تطبيقه ليس فقط في بيت النبوة بل على المسلمين جميعا، وبالتالي اختلاط الرجال والنساء حرام، واي حواربين رجل وامرأة يجب ان يتم من وراء حائط او ساتر امتثالا لتوجيه الآية(واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب)، ولأن بقاء النساء في البيوت طوال العمر مستحيل، لذلك إذا خرجن يجب عليهن ارتداء زي يغطي كامل البدن بما في ذلك الوجه والكفين.

غطاء الوجه:

، من يعتقدون وجوب تغطية المرأة لوجهها يستدلون على ذلك بالآية (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى ان يعرفن فلا يؤذين)، هذه الآية ليس فيها إشارة صريحة لتغطية الوجه، ولكنها فسرت بذلك، والتفسير نتاج البيئة الثقافية والاجتماعية المحيطة،

ولكن حتى في التفسيرات التقليدية القديمة  لهذه الآية ورد ان النساء امرن بان يسدلن جزء من (الجلباب) وهو قماش يغطي الشعر ويسدل الجزء المتبقي منه وراء ظهر المرأة في ذلك الوقت، أمرن ان يسدلن ذلك الجلباب على صدورهن لسترها(بعض التفاسير ذكرت ستر الصدر ولم تشمل الوجه وبعضها الآخر اشترط تغطية الوجه) ،  وعللت الآية الامر بتغطية الصدر ب(ذلك أدنى ان يعرفن فلا يؤذين) اي حتى يتم التمييز بين الحرائر والإماء ، حيث كان الرق سائدا، لذلك امرت الحرائر بان يلبسن ما يميزهن عن الإماء فيعرفن بانهن حرائر فلا يؤذين، فهذا النص خاطب سياقا اجتماعيا  تاريخيا يختلف تماما عن سياقنا المعاصر.

 كل النصوص القرآنية التي شملت توجيهات بشأن الزي امرت النساء المؤمنات بإجراء تعديل على أزيائهن التي كن يرتدينها أصلا إلى الشكل الذي يجعلها تغطي الصدر، ولم يكن هناك امر مباشر وواضح مطلقا بتغطية الوجه او حتى الرأس، فمثلا هناك آية سورة النور(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )

قال ابن عباس في تفسير هذه الآية : كان النساء قبل هذه الآية يسدلن خمرهن من ورائهن ، كما تفعل النبط . فلما نزلت هذه الآية ، سدلن الخمر على الصدر والنحر[1]
وإضافة الضمير (هن) في كلمة (خمرهن) تدل على ان (الخمار) وهو غطاء الرأس كان جزء من ملبس النساء قبل الإسلام، فقد ورد في تفسير اللباب لابن عادل ما يلي: 

إنَّ نساء الجاهلية كنَّ يُسْدِلْنَ خُمُرهن من خلفهن ، وإن جيوبهن كانت من قدام ، وكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن ، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتغطي بذلك أعناقهن ونحورهن.

أما تفسير (لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) فهناك من تفاسير مختلفة، هناك من فسرها بانها الخاتم أو الأساور، وهناك من فسرها بانها الكحل وغيره من زينة الوجه ، وهناك من فسرها بانها الزينة الموجودة على الثياب،وهناك من فسرها بأنها الوجه والكفين مستندا على حديث ورد في سنن أي داوود:  عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد قال يعقوب ابن دريك عن عائشة رضي الله عنها : (أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ” يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يرى منها إلا هذا وهذا ” وأشار إلى وجهه وكفيه) وهناك من يستدل بهذا الحديث على ان الزي الإسلامي هو الذي لا يظهر سوى الوجه والكفين، ولكن الحديث ضعيف بالمعايير المتعارف عليها في تصنيف الأحاديث، لذلك يرفضه المتشددون القائلون بوجوب تغطية الوجه استنادا إلى “تفسيرات” الآيات السابقة، ولكن الآيات السابقة نفسها مختلف في تفسيرها واستنتاج انها تدعو الى تغطية الوجه محض اجتهاد او استنتاج من قبل بعض المفسرين والفقهاء.

 

الخلاصة:

كل الايات التي تناولت زي المرأة لم تسمي الزي ب(الحجاب)، وأمرت النساء باجراء تعديل على ازيائهن المعتادة، ولم تأمر بتغطية الوجه، ولا حتى تغطية الرأس الذي كانت تغطيه النساء أصلا بحكم العادة، والجزء الذي أمرت الآيات بستره هو الصدر الذي كانت ملابس النساء في ذلك الزمن تظهر جزءا كبيرا منه بصورة  جلبت عليهن الاذى من السفهاء، وكل هذه النصوص مشتبكة مع ملابسات اجتماعية لواقع تاريخي بعينه فيه الرق مثلا وهو نظام منقرض. ومن هنا

يتضح أن إطلاق مسمى (الحجاب) على  ذلك النمط من الزي الذي يشمل تغطية الرأس وكامل الجسد واظهار الوجه والكفين، أو إطلاقه على الزي الذي يغطي كل جسد المرأة بما في ذلك وجهها  هو اجتهاد بشري، فلا توجد “شعيرة دينية” أو “عبادة” في الاسلام باسم”الحجاب”، وعبارة “امرأة محجبة” أو”ارتداء الحجاب” كلها مصطلحات “اجتماعية” مستحدثة، انتشرت بكثافة في العقود الاخيرة في كثير من بلدان المسلمين مع صعود حركات الاسلام السياسي والمد السلفي.

ولذلك فإنني أحترم ذلك النمط من الأزياء الذي تغطي فيه المرأة كامل جسدها باستثناء الوجه والكفين،  كخيار شخصي ، ولكنني لا أسميه حجابا، ولا أحيطه بأية هالة من التقديس الديني، من حق بعض النساء المسلمات بالطبع  ان يعتقدن ان هذا الزي فريضة دينية او انه الزي الاكثر تعبيرا عن الالتزام بآداب الحشمة، والحشمة بلا شك سلوك واجب دينيا على المسلمين رجالا ونساء، والحشمة هي المقصد العام الذي يمكن استخلاصه من الآيات السابقة، فمن اطمأن قلبها لهذا الزي وارادت ان تتعبد به فهذا مشروع جدا كخيار اجتهادي”فردي وطوعي” ومن واجبنا احترامه والوقوف بصلابة ضد من يضطهد من ترتديه على أساس ان انه يتنافى مع التحرر، نفعل ذلك انطلاقا من منصة حقوق الانسان والحريات الدينية.

وبذات الصلابة يجب الوقوف ضد فرض هذا الزي بقانون او لائحة وضد اضطهاد من لا ترتديه.

اما “النقاب” وتغطية الوجه وتلك الخيمة السوداء التي تطمس هوية المرأة وتعيق تواصلها الاجتماعي، فما هي إلا صورة مخففة من وأد البنات، فالنقاب وأد اجتماعي اجتهد كثير من المسلمين في إلصاقه بالدين ليس لوجود أدلة قوية من القرآن الكريم على وجوبه(فالنصوص مختلف على تفسيرها)، ولكن لأنه صادف هوى في نفس الثقافة الذكورية السائدة والتي تريد إقصاء المرأة من الحياة العامة، ومع ذلك فإن الأساليب القمعية في مكافحته غير مجدية وتتنافى مع مبدأ الحرية الشخصية، فالحالات الوحيدة التي يجوز فيها تدخل القانون في الزام المرأة بكشف وجهها هي الحالات التي تقتضي التثبت من الهوية الشخصية (السفر، المعاملات التجارية والمالية، الامتحانات، التصويت في الانتخابات…الخ)

 الحاجة لمنهج تفكير مختلف في قضية  (الحجاب) والزي:

في أي مشروع للتحرر النسوي في المجتمعات المسلمة نحتاج للاستنارة الفكرية، وهذه الاستنارة تتطلب بلورة منهج جديد يتجاوز طريقة الاعتماد على حرفية النصوص، ويعتمد على المقاصد الكلية ويركز على القيم الجوهرية، وفي كل قضية من القضايا الاجتماعية التي طابعها التغيير المستمر والتأثر بالبيئة الثقافية والاجتماعية مثل قضية الزي، نحتاج لاستدعاء النصوص واستعراض تفسيراتها المختلفة لنهزم الفكر السلفي الذي يدعي ان هناك حكم واحد في هذه القضية هو (الحكم الشرعي) معرفا بألف ولام التعريف، ونؤكد ان هناك عدة تصورات بشرية مختلفة لدرجة التعارض التام مع بعضها البعض لماهية (الحكم الشرعي) وانطلاقا من ذلك نؤسس لتعدد الخيارات، ولكن الى جانب ذلك نحتاج  إلى أبعاد جديدة في مناقشة المسألة إضافة إلى البعد الفقهي، منها البعد التاريخي والبعد الفلسفي، والتراث الإسلامي زاخر بمفكرين وفلاسفة أسسوا للتوجهات العقلانية في فهم الدين وتفسيره، على سبيل المثال لا الحصر، الفيلسوف ابن رشد الذي كتب (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)، لا بد من الطرق المستمر على ان الاتجاه  السلفي المتشدد ليس الوحيد في التراث الإسلامي، وان هناك اتجاهات عقلانية هي الأجدر بالاحتفاء إذا ارادت مجتمعاتنا التقدم، وتأسيسا على ذلك فإن النقاش الفلسفي لموضوع (الحجاب) والزي  جزء لا يتجزأ من مشروع التحرر النسوي، لأن  حقوق المرأة في الحياة العامة في كثير من المجتمعات المسلمة منتهكة بل محكوم عليها بالإعدام أحيانا  لان هذه المجتمعات تحبس المرأة في سجن الجسد، فالمرأة المسلمة في كل مكان وبتأثير من الثقافات العربية والفارسية والتركية التي حشرت الاسلام في قوالبها الضيقة أصبحت مشبعة بفكرة ان جسدها هذا هو منبع الفتنة والانحلال وكل الموبقات واخطرها في المجتمع وبالتالي تعتقد الكثيرات من المسلمات ان أفضل خدمة يمكن ان يقدمنها للدين وللمجتمع هي إخفاء أجسادهن انقاذا للبشرية من تلك القنبلة الجنسية الفتاكة، هذه الفكرة تفترش كامل اللاشعور للنساء المسلمات ، هي فكرة مستوطنة في العقل الباطن ، وهذا الاستيطان هو السبب في ان هناك عدد معتبر من المسلمات الشابات اللاتي نشأن وتربين في اوروبا وأمريكا عندما اخترن طريق الالتزام بالاسلام لم يجدن وسيلة للتعبير عن صدق تدينهن سوى ارتداء النقاب! لان جماعات الدعوة الاسلامية التي تتلمذت عليها اولئك الفتيات هي جماعات سلفية تقليدية ادخلت في روعهن مفهوم ان المرأة كلها عورة! حتى صوتها عورة! وهي مسلمة بقدر ما اتقنت وتفننت في ستر تلك العورة! اي في إخفاء نفسها! وهذا المفهوم البشري الذي شكلته ثقافات وعادات وتقاليد بشرية يقدم للمرأة على أساس انه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن رفضه أو أخضعه لأية مناقشة عقلانية فهو مستحق لغضب الله ودخول نارجهنم! وبالمناسبة الغالبية العظمى من النساء المسلمات غير المتدينات واللاتي يرتدين الازياء الحديثة العادية لا يفعلن ذلك انطلاقا من وعي تحرري بل يفعلن ذلك اتباعا لرغباتهن الفطرية في التجمل والاناقة وبداخلهن شعور بالذنب والتقصير الديني والكثيرات منهن وانطلاقا من عقدة الذنب هذه يبالغن في الدفاع عن ما يسمى بالحجاب وحتى النقاب رغم عدم التزامهن بشيء من ذلك مما يعني ان فكرة ان جسد المرأة عورة كامنة في دواخلهن بكل ما تحمل من معاني الدونية والارتياب في المرأة، وبالتالي لا يمكن ان يتجاهل اي مشروع تحرري للمرأة مخاطبة هذه العقدة المستوطنة.

مخاطبة قضية الزي في مشروع تحرير المرأة:

 لا أعني بهذه المخاطبة إصدار حكم تبسيطي بان شرط التحرر هو نزع غطاء الرأس، فهناك نساء يضعن هذا الغطاء باختيارهن، ولهن من التحرر النسوي بمعناه الفكري وبأبعاده الفلسفية والاجتماعية والسياسية والثقافية نصيب وافر يؤهلهن للقيادة والريادة في هذا المجال، بل أعني به الآتي:

أولا: التأكيد على أن تضخيم امر مايسمى بالحجاب في المجتمعات المسلمة من قبل الجماعات السلفية وجماعات الإسلام السياسي لدرجة كادت ان تحول ما يسمى ب”الحجاب” إلى ركن سادس من أركان الإسلام، وجعلت هذا الركن السادس أهم من بعض الاركان الخمسة(مثلا في السعودية يمكن ان لا تقوم قيامة الأسرة بسبب ان ابنتها غير مواظبة على أداء الصلوات، او لا تخرج زكاة مالها، ولكن تقوم قيامتها لو خرجت هذه الفتاة إلى الشارع سافرة الوجه او دون ان ترتدي العباءة أما خروجها دون غطاء رأس فهو حدث مزلزل كما الخروج من ملة الإسلام!) هل هذا التضخيم لامر ما يسمى بالحجاب له علاقة بجوهر العقيدة؟ بالتأكيد الإجابة بالنفي حتى لو تناولنا الموضوع في سياق الفقه التقليدي نفسه، فلم يقل احد من الفقهاء الكبار او الصغار، القدماء أو المعاصرين  ان الحجاب أوجب من الصلاة والزكاة، فمسألة زي المرأة هي قضية فرعية في الدين، ولكن الثقافات البشرية الذكورية المتحيزة ضد النساء والمسكونة بفكرة ربط المرأة بالغواية والفتنة والانحلال الجنسي، تلقفت هذه القضية الفرعية المختلف عليها وحولتها الى قضية مركزية، والسبب الخفي الكامن وراء تضخيم موضوع ما يسمى بالحجاب وبث الرعب بصورة منهجية من فتنة النساء ومن فكرة السفور هو عرقلة انطلاق النساء الى آفاق العمل العام بثقة وشعور بالندية مع الرجال, مما يعرقل تطورهن ويجعلهن مضطربات ومثقلات بعبء ثقييل جدا هو أجسادهن الملغومة! لا يمكن ان تتحرر المرأة دون ان تدرك ان جسدها هذا ما هو إلا مفردة من مفردات هذا الوجود، وتجلي من تجليات عظمة الخالق وليس شيئا مخجلا وصادما، وبالتالي فإن حضور هذا الجسد في المجتمع بداهة اجتماعية وأمر طبيعي، عندها توضع قضية الزي في حجمها الطبيعي، فلا يكون كشف امرأة لشعرها أو ارتدائها لبنطلون أو تنورة قصيرة خطب جلل يحسبه البعض من المهددات الوجودية للأمة المسلمة! في حين ان الأمة المسلمة هذه يستشري فيها الكذب والنفاق والظلم الاجتماعي والفساد السياسي، والتخلف المخجل الذي بسببه تموت الآلاف من نسائها من الجوع ونقص الدواء ومن مضاعفات الحمل والولادة بسبب نقص الرعاية الصحية، وتعاني الملايين من نسائها ورجالها من الفقر  والأمية دون ان يثير ذلك “المخاوف الوجودية” التي يثيرها ظهور امرأة بدون غطاء رأس!!!  

ثانيا: لا بد من تبني فلسفة تربوية تؤسس الأخلاق على اساس الضمير اليقظ والنفس العفيفة والمسئولية المشتركة بين الرجل والمرأة على حد سواء، ولا بد من اجابة على سؤال محدد هل يمكن ان يفترض الإسلام ان الرجل المسلم يجب ان تتحكم فيه الغريزة العمياء لدرجة انه لا يستطيع الكف عن الرذائل والمحرمات  إلا إذا حجبت عنه المرأة تماما بارتداء  النقاب وهو عبارة عن كفن  متحرك يفرض على المرأة حيث  يتم (تكفينها وهي حية) في تجاهل تام للرهق الطبيعي الذي يصيبها “كإنسانة”  عندما يتم إدخال وجهها في “كيس من القماش الأسود” يحرمها من الرؤية الواضحة والتنفس بطريقة مريحة، والأهم من ذلك يصادر حقها في الحضور الاجتماعي بشخصية وهوية مكتملة؟ هل الإسلام ينظر الى المرأة ك”موضوع جنسي” يجب إخفاؤه من الرجال! أم ك “ذات إنسانية”  لها احتياجاتها ومشاعرها وكذلك غرائزها كالرجل تماما؟ هل تطهير المجتمع من الانحرافات الجنسية يكون بأنسنة سلوك الرجال والنساء على حد سواء، وأهم معيار للأنسنة هو ان يكون الإنسان رجلا او امرأة هو المتحكمة في غرائزها لا ان تكون الغرائز هي المتحكمة فيه، أم يكون بالتطبيع مع فكرة “حيوانية الرجل” وافتراض ان مجرد رؤيته لوجه امرأة مبرر لان تتهيج غرائزه وتسوقه قسرا إلى أوحال الرذيلة! ولكن رغم ذلك فإن هذا الرجل لا يؤاخذ ولا يطالب بدفع أية ضريبة عقابا على “حيوانيته” بل تقوم النساء نيابة عنه بدفع هذه الضريبة بالمكوث الأبدي داخل الأكفان والمقابر المتحركة؟!

إن أحد الأسباب في ظاهرة الهجرة المستمرة من أعداد كبيرة من النساء والفتيات في أعمار ومستويات تعليمية وثقافية واقتصادية مختلفة، وفي كل دول العالم بما فيها أمريكا والبلدان الاوروبية، إلى تلك الخيام السوداء أو الأكفان والمقابر المتحركة، هو “شبح الإرهاب الديني” الذي أحاط موضوع ما يسمى ب”الحجاب” في نسخته الأكثر تطرفا واضطهادا للمرأة “النقاب” بسياج من القدسية الدينية، وجعله منطقة محظورة على النقاش العقلاني، ولن تنعتق النساء المسلمات من أسر الاعتقاد بان الصورة المثلى لاحتشام المرأة هي ذلك الكفن أو القبر المتحرك، إلا عبر مشروع فكري تنويري يتتبع الجذور التاريخية والاجتماعية والثقافية لظاهرة ما يسمى ب”الحجاب” وهي ظاهرة سابقة للاسلام، ويناقش القضية بعمق فلسفي وفكري وثقافي واجتماعي يتجاوز بصورة منهجية الأساليب التقليدية المفروضة من الفكر السلفي في مناقشة كل القضايا ذات الصلة بالدين.

أخيرا، في تقديري الشخصي،  التحرر من سجن الجسد لا ينحصر في التحرر من النقاب والخيام السوداء، بل يشمل كذلك التحرر من كل صور التعري والابتذال والتزام حد معقول من “الحشمة” وهي سلوك متكامل يتضمن الاحتشام في الملبس، ولكن يبقى أمر اختيار الملابس شأنا شخصيا، ومعايير الحشمة نفسها متغيرة من مجتمع الى آخر، حتى في حالة وحدة المعتقد الديني..

 

 




تفسير بحر العلوم للسمرقندي[1]