د. عمر القراي الإتفاق الذي تم في باريس، مؤخراً، بين الجبهة الثورية، و حزب الأمة القومي، ممثلاً بواسطة رئيسه السيد الصادق المهدي، إحتوى على قضايا هامة، يتطلع إليها الشعب السوداني، بغرض التغيير.

وذلك بعد أن استنزف حكم الأخوان المسلمين، كل موارد البلاد المادية والمعنوية، وحول الشعب السوداني الكريم، من شعب أبيّ، ومعطاء، الى شعب يعيش حالة مزرية، من الفقر المدقع، والتمزق، والإحباط. مما أدى الى مستوى فظيع من فقدان الثقة في النفس، ومستوى أفظع من عدم الإكتراث، واليأس. بل إن الشعب قد تنكر لقدراته، وتنازل عن موروثة في النضال الوطني، ويأس من أي تغيير لوضعه. وهذا ما شجع حكومة الأخوان المسلمين، على إدعاء الإطمئنان الزائف، ومحاولة إخفاء توتر عارم، يسري في مفاصلها، من توقع أي تغيير، يحرك هذا السكون، فيجمّع أطراف العاصفة، وهذا ما فعله اتفاق باريس !!

إن الجبهة الثورية، دعت السيد الصادق المهدي، الى الإنضمام لإعلان باريس، والتوقيع على تلك المطالب- التي تعني فيما تعني اسقاط النظام- رغم علمها المسبق، بأنه من حيث طرحه الفكري الحقيقي، لا يختلف عن الأخوان المسلمين.. وأنه كان تابعاً لهم، في كل مواقفه، طوال تاريخه السياسي .. وإنه بذلك الاتباع، كثيراً ما خذل الشعب، وخذل المعارضة.. وإنه رغم توقيعه على الإتفاق، يريد ان يجعل الباب بينه وبين الحكومة، “موارباً”، حتى يرجع الى أحضانها، متى ما لاحت فرصة المصلحة، المؤكدة !! بدليل ابقاء ابنائه داخل النظام، وبالقرب من السيد الرئيس.

 ولعل ما دفع الجبهة الثورية لدعوته، بالرغم من كل ذلك، هو محاولتها لتوسيع المقاومة السياسية للنظام، وتقليل عدد حلفائه، والمتعاونين معه، أو المشاركين له في أكذوبة الحوار الوطني، ولو الى حين. وهم يعلمون ان السيد الصادق، إذا خرج من تحالفهم، ولحق مرة أخرى بالنظام، كمفاوض أو شريك، كما فعل من قبل، فلن يضيرهم شيئاً.. بل سيفقد الصادق المزيد من مصداقيته، كما إنه لن يجد من نظام الأخوان المسلمين، ما يتطلع اليه، من المشاركة في السلطة أبداً.. فهو عندئذ سيحترق سياسياً، ويكون لا فائدة لهم في ولائه، كما لا خوف للنظام من عدائه.

والسيد الصادق المهدي في لحاقة بالجبهة الثورية، وتوقيع هذا الإتفاق، يطمع في زعامة لم يتحصل عليها مع نظام المؤتمر الوطني، رغم ما وقع معه من تعاهدات، واتفاقيات، وقدم له من خدمات .. وهو حتماً لن يتحصل عليها من الجبهة الثورية، لأنها مكونة من فصائل تعتمد قيادات معينة، يجمع بينها اتفاق سياسي، وهي مجموعات مقاتلة، بذلت ارواحاً في سبيل مبادئها الصارمة، في معاداة النظام .. فهي لن تتخلى عن كل ذلك، وتضع السيد الصادق المهدي على قمتها، كما يحلم، خاصة وأنها مطالبة بتغيير حقيقي على أرض الواقع، لا مجرد لقاءات، وخطب، وبيانات تطلق في الهواء .. وهي متى ما دخلت في مواجهة عسكرية، داخل الخرطوم، أو مواجهة سياسية جماهيرية، في مظاهرات ضخمة، فإن السيد الصادق لن يكون رجلها، بل سيكون قد فكر في الطريقة، التي يرجع بها في ” سلامة” الى حكومة المؤتمر الوطني!! بعد ان يطلق عدة تصريحات، ضد الجبهة الثورية، وقادتها، ويتهمهم بالعنصرية، والشيوعية، والتطرف. وكل هذا السيناريو، قد حدث من قبل، والسيد الصادق المهدي، إنما يكرر نفسه، لأنه لا يملك الفكر الذي يعينه على الحيوية والتجديد .. فقد سبق أن إلتحق بالتجمع الوطني الديمقراطي، واراد الزعامة، ولما لم يتنازل له السيد محمد عثمان الميرغني عنها، ولم يتنازل له د. جون قرنق، رحمه الله، عن منصب نائب رئيس التجمع، رجع الى إخوانه في المؤتمر الوطني، باتفاق جيبوتي، ثم كتب مقالاً يهاجم فيه التجمع، وركز فيه على الهجوم على د. جون قرنق !! ومهما يكن من أمر، فإني لست بصدد نقد السيد الصادق المهدي في هذا المقال، لأنه على كل حال، ليس هو الورم الخبيث، الذي يعاني منه الوطن الآن. ولكني نعيت عليه، بعض مواقفه الخائرة، التي مدت في عمر الوباء، الذي يسمى الأخوان المسلمين !! ولعل من أكبر الأدلة على تخاذل السيد الصادق المهدي، بعد توقيع اتفاق باريس، عدم عودته للبلاد، وهو يتوقع الإعتقال، وتركه لإبنته السيدة مريم الصادق، لتقوم بالدور الذي كان يفترض أن يقوم به هو، باعتباره المسؤول الأول عن الحزب، وعن توقيع البيان، ثم إنه الزعيم الذي ربما حرك اعتقاله، وثباته الجماهير، فتحركت للتغيير.. أما التواري عن دفع ضريبة النضال، وتقديم إعتذار كلما وقع الإعتقال، فإنه يحقق له ” السلامة”، ولكنه لا يحقق له الزعامة، التي يريدها، خاصة وأنه يتزعم الأنصار، بإنتسابه للإمام المهدي، الذي كان يقود معاركه كلها بنفسه، ولا يدفع إليها اتباعه من دونه.

 كما يجب على كل الشرفاء، إدانة إعتقال السيدة مريم الصادق المهدي، والمطالبة باطلاق سراحها، والدفاع عن حقها في التعبير عن آرائها، وحريتها في الحراك السياسي. والمطالبة باطلاق سراح الأستاذ ابراهيم الشيخ، وكافة المعتقلين السياسيين، الذين صمدوا في وجه البطش، والتعذيب، واصروا على مواقفهم الشجاعة.

إن المهم الآن، هو الخطوات العملية، العاجلة، التي يجب ان تقوم بها الجبهة الثورية، لتحقيق مطلب الشعب، في زوال هذا النظام. إن حرب العصابات ترهق النظام، دون شك، ولكنها ترهق الجبهة الثورية أيضاً .. وقد نجحت فيها الجبهة الثورية، في عدة مناطق، ولكنها لا تحسم الحرب لصالحها، كما لا تحسمها لصالح النظام .. وكلما استمرت الحرب زاد عدد الضحايا من المدنيين، الذين لا يتورع النظام ان يقذفهم بالجوالين الملتهبة. وإن كانت حكومة الأخوان المسلمين لا تهتم بهؤلاء المواطنين، فإن على الجبهة الثورية أن تفعل. إن الجبهة الثورية، الآن، تمثل أفضل فصائل المعارضة، واقدرها على البذل الحقيقي، من أجل هذا الشعب. وخلاص الشعب، يتعلق الآن بتحسينها لآدائها، وقدرتها على المزيد من التلاحم، مع مختلف فصائل الشعب، وجميعها معترضة على النظام، بما في ذلك النقابات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني .. كما أن على الجبهة الثورية التوقيت المناسب، لخطوات حاسمة على صعيد التغيير. وتوقيع السيد الصادق مع الجبهة الثورية، أدى الى فتور حماس الشعب تجاهها، وذلك لكثرة ما اكتوى الشعب بتخاذل السيد الصادق. وما كان ينبغي لتوقيع السيد الصادق، ان يخذّل قواعد المعارضة عن الجبهة الثورية، لو قدروا أنها لم يكن من الممكن ان ترفض مشاركته، وهي تسعى الى توسيع قاعدة المعارضة السياسية، والحركة الجماهيرية.

إن نظام الأخوان المسلمين، يترنح الآن رغم إدعاء القوة والصمود، وهو فاقد لأي قدرة على إنفاذ القانون، أو المحافظة على الخدمة العامة، وحقوق المواطنين. فالنافذين في المؤتمر الوطني، وفي تنظيم الاخوان المسلمين، اصبحوا ينزعون حقوق الناس جهاراً نهاراً ، وليس هنالك قضاء يتحكم إليه، فقد جاء (إحتالت السلطات المحلية في الخرطوم على عدد من التجار بمبالغ تفوق ملايين الجنيهات، حيث قامت محلية “الشهداء” بالسوق المركزي ببيعهم “دكاكين” بسوق الخضر والفاكهة وإستلمت منهم النقود وسلمتهم العقودات التي تثبت ملكيتهم للدكاكين وقتها ، إلا انه وبعد نجاح السوق نزعت الدكاكين وسلمتها لمحاسيب المؤتمر الوطني وأقاربهم. وبدأ مخطط الإستيلاء على السوق من قبل المسؤولين بداية العام 2010 تحت حجة تنظيم السوق وإعادة بنائه بـ “صورة حضارية” بالتعاقد مع “شركة” إختارتها المحلية، حيث وافق التجار وسلموا المحلية دكاكينهم وبدأت الشركة في هدم السوق وإعادة البناء، وعند إكتماله أقيم إحتفال كبير بالمناسبة طلب فيه المدير التنفيذي بالمحلية من التجار القدوم مرة أخرى للمحلية لتوقيع عقودات جديدة معهم، وعند ذهابهم نهاية شهر رمضان للتوقيع والإستلام تفاجأوا بملاك جدد للسوق أغلبهم من متنفذي المؤتمر الوطني وأقارب المسؤولين بالمحلية ! وقال حاتم الصادق عبد الجبار أحد التجار المتضررين لـ “حريات” : ” ضاعت أموالنا وكل ما نملك حيث تعرضنا لجريمة نصب وإحتيال في وضح النهار من السلطات الحكومية بولاية الخرطوم” . وأضاف : ” لا أعرف ماذا أفعل وانا أرى شخصا آخرا يستولى على دكاني الذي أملكه منذ يناير 2004 والذي أنفقت فيه كل أملك” مضيفاً ، “الملاك الجدد مسنودون وليهم ضهر” وقال ” المشكلة انك لا تستطيع الشكوى، لمن نشتكي الحكومة ؟”)(حريات 13/8/2014م). وكل هذه الجرائم، التي ترتكبها الحكومة علناً، تدل على أمرين : أولهما أن الحكومة ما عادت تعبأ بالشعب، وهي قد يئست من ثورته، كما يئس الكفار من أصحاب القبور. وثانيهما هو أن الحكومة اصبحت مقسمة، الى مراكز متناحرة، ومتنافسة، وجشعة، تتسابق على غنائم، تشعر بأنها لن تدوم طويلاً، ولهذا يسرع كل واحد منهم، بالتغول على أرض أو دكان، أو سوق، أو بضائع، أو أموال ليثرى قبل فوات الأوان .. ولا أحد منهم يوقف الآخر، لأن كل منهم يخشى ضياع ما نهبه إذا تدخل في فساد الآخر!!  فلا يشكو سارق سارقاً آخر، خاصة وأنهم قد حطموا القضاء، وذهبوا بهيبة القانون.

إن اسقاط النظام الحاضر، واجب مستحق الدفع، مهما كانت تكلفته. إذ لا يمكن أن تتم تنمية أو اصلاح أو معالجة للكوارث أو ايقاف للحروب وما تجره على العباد والبلاد من مآسي والنظام باق كما هو. والغرض من وجود أي حكومة، مهما كانت، هو احكام القانون، واشاعة الأمن، وتوفير السلع والخدمات الضرورية للحياة.  وحكومة الإنقاذ الوطني، التي يقودها الأخوان المسلمون، والتي جاءت بانقلاب عسكري، في يونيو 1989م، قد فشلت فشلاً ذريعاً، في أن تحقق، ولو من بعيد، طرفاً من مهمة أقل الحكومات قدرة.

إن واجب الجبهة الثورية، هو ان تضاعف جهودها، في الالتقاء والاتفاق مع قيادات العمل السياسي، داخل وخارج الوطن .. ثم التركيز على عملها الأساسي، على نطاق واسع، يحقق حماية للمدنيين في الهامش، ويجبر الحكومة على التفاوض، والتراجع .. وهي في اثناء هذا العمل، يجب ألا تعطي السيد الصادق المهدي، الفرص العديدة، ليتكلم بإسمها، ويستحوز على إنجازها، لخلق زعامته عليها، بدعوى التسويق الإقليمي، والعالمي، لاتفاق باريس .. كما يجب عليها، أن تحمله مسؤوليته في التوقيع على الإعلان، بتصعيد حزبه للمعارضة السياسية بالداخل، ما دام هو حتى الآن، يقر بما وقع عليه، من إزالة النظام، ومحاسبة رموزه.

د. عمر القراي