سيف الدولة حمدنا الله حسناً فعلت الجبهة الثورية بتوقيعها لإعلان باريس مع حزب الأمة في هذا الوقت، وسوف تكشف الأيام القادمة سلامة هذه الخطوة التي جعلت النظام يترنح ويفقد صوابه قبل أن يدخل الإعلان مرحلة التنفيذ، 

والذين يأخذون على الجبهة أنها أخطأت بوضع يدها مع الصادق المهدي – لأسباب ظاهرها مقبول – لم يُحسنوا قراءة الواقع، ذلك أن كلا الطرفين يجد ضالته في الآخر، فمن جهة تعلم الجبهة الثورية أن ما تقوم به من عمليات عسكرية في المناطق النائية التي تجري فيها الحرب لن تؤدي إلى سقوط النظام في الخرطوم، وأن النظام ليس لديه نية في الإعتراف بأخطائه والعمل على تصحيحها مادامت تتوفر بين يديه هذه الأعداد الهائلة من المرتزقة والأغبياء والمهووسين الذين يُحاربون بالوكالة عن رموز النظام وأبنائهم دون أن يكون لها أي أثر في حياتهم أو تنتقص من حالة الهناء والنعيم الذي يعيشون فيه.

فالجبهة الثورية ينقصها الكثير الذي سوف تجده عند الصادق المهدي بالتوقيع معه على هذا الإعلان، إما في شخصه أو بصفته زعيماً لحزب الأمة، ذلك أن توقيع شخص في مقام السيد/ الصادق المهدي بخلفيته الإسلامية سوف يكون سبباً في كشح ومسح كل التحفظات والمخاوف التي يأخذها كثير من أبناء الشعب – خاصة في الشمال – على الجبهة الثورية التي نجح النظام في ترويجها عنها بالقول بأنها حركة عنصرية تسعى لتحقيق إنفصال مناطق الحرب، وأنها  تتألف من قطّاع طرق ومجرمين، وأنها تقوم بحرق القرى وقتل المدنيين وإغتصاب النساء والفتيات، وأنها سوف تفعل ذلك بالشمال إذا ما وصلت للحكم، وبالتالي تستطيع الجبهة تحقيق ما كان ينقصها من طرح لبرنامجها وشرح لأهدافها وهو ما ظلت عاجزة عن تحقيقه بالشكل المطلوب.

في المقابل، يتيح هذا الإعلان فرصة للسيد/ الصادق المهدي لتصحيح أخطائه حتى يخرج بإسمه وحزبه من المأزق الذي أدخل نفسه فيه بسبب مواقفه الرمادية من النظام والتي أصبحت تهدد بزوال حزب الأمة نفسه من الخارطة السياسية بعد أن فقد مناطق نفوذه التقليدية في دارفور وكردفان.

كما لا بد أن يكون السيد/ الصادق المهدي قد تنبه لخطئه في الإستهانة بموضوع مشاركة أبنائه في النظام وفي مواقع مؤثرة وذات حساسية، حيث بدى واضحاً تأثير ذلك على مستقبل الحزب الذي يرتكز على التوارث “الذكوري” للزعامة بين أحفاد المهدي الكبير (بطبيعة الحال فإن ميراث الإناث لزعامة الحزب سوف يؤدي إلى فقدانها لصالح أصهار من خارج عَصَبة المهدي)، فمثل هذا التوارث هو الذي جعل الصادق المهدي نفسه – برغم كونه مفكر ومتعلم بأفضل الجامعات – يقفز من وظيفة مساعد مفتش بوزارة المالية وهي الوظيفة الميري الوحيدة التي شغلها لمدة عام واحد عقب تخرجه في الجامعة، ليقفز منها إلى منصب رئيس الوزراء بمجرد بلوغه السن القانونية (30 سنة) التي تؤهله لشغل مثل هذا المنصب، فليست المشكلة التي تواجه الصادق اليوم في كونه قد وافق على إنضمام أبنائه للنظام أو أنهم شقوا عليه عصى الطاعة كما يقول، وإنما تكمن في عدم  وجود سبيل لقبولهم في زعامة الحزب بعدما فعلوه، ومن ثم فقد جاء توقيع الإعلان كمحاولة لإحداث قفزة كبيرة يمكن أن تصلح كغطاء لتصحيح هذه العثرات.

بيد أن السبب المباشر الذي يفسر مفاجأة السيد/ الصادق المهدي بالتوقيع على هذا الإعلان فهو إدراكه لسوء تقديره الذي جعله يهرول بقبول دعوة الرئيس البشير للحوار، وهي الخطوة التي جعلته يخسر الجانبين (النظام والمعارضة)، وكان لا بد أن يفكر في مثل هذه الخطوة ليرد بها من ناحية الصفعة بأقسى منها للحكومة ويكفّر بها عن سوء ظنه بتقديرات الأحزاب التي قررت عدم المشاركة في الحوار، خاصة وهو يُدرك أن القوى السياسية لا تزال تحمّله – وحزبه – مسئولية إجهاض إنتفاضة سبتمبر التي كادت أن تُذهب بالنظام وذلك بسبب منع هيئة شئون الأنصار المتظاهرين من التجمع بمسجد الأنصار الذي كان قد أُتخذ نقطة تجمع لإنطلاق المظاهرات بدعوى أن المتظاهرين يسيئون إستخدام المسجد برمي مخلفات “التمباك” وأن المساجد – بحسب البيان الذي أصدره “عبد المحمود أبّو” رئيس الهيئة – قد شُيّدت للعبادة وليس لممارسة العمل السياسي، وكأن الثورة المهدية نفسها كانت قد إنطلقت من كافتيريا (إستخدم الأنصار مئذنة مسجد الأنصار بودنوباوي كمنصة لإستخدام الذخيرة في أحداث ودنوباوي الشهيرة “1971” ضد حكم الرئيس النميري).

تكمن أهمية التوقيع على هذا الإعلان في أنه يمكن أن يكون خطوة في سبيل جمع المعارضة من جديد تحت سقف واحد، فليس من مصلحة الوطن أن يحدث التغيير بيد جهة دون مشاركة الآخرين، حتى لا تكون لها العَصَبة التي تُقصي الآخرين (كما فعلت الحركة الشعبية الأم) كما أن كل حزب وجماعة لديها ما تقدمه وينقص الآخرين.

لا خلاف حول حاجة هذا الإعلان إلى تطوير وإضافة، وللذين صاغوه كل العذر في إغفالهم لبعض النقاط الجوهرية التي تضمن إلتفاف الشعب حوله وإعتباره ميثاق الثورة، فكل عمل من هذا النوع لا بد أن تتضافر فيه الجهود ويُكمّل بمساهمات الآخرين، وليس هناك دليل على ذلك مثل ما ورد في البيان الذي أصدره المناضل الكبير علي محمود حسنين بإسم الجبهة العريضة والذي حمل كثيرا من النقاط التي يجدر الأخذ بها وتضمينها بالإعلان (سوف نعود لتفاصيل ذلك مع مناقشة بنود الإعلان في مقال لاحق).

في تقديري أن هذا الإعلان هو أول خطوة جادة وعملية – كعمل سياسي – في طريق إسقاط النظام، والدليل على ذلك أنه وبمجرد صدور الإعلان ورد خبر بإنسلاخ كتيبة كاملة من القوات الحكومية التي تُسمّى “أبوطيرة” وقوامها جنود من أبناء دارفور وإعلانهم توقفهم عن مقاتلة أهلهم (الراكوبة 12 أغسطس 2014)، وسوف يتوالى سريان الوعي كنتيجة للوعي الذي يُخلفه صدور هذا الإعلان، فقد كان لا بد أن يأتي اليوم الذي يفطن فيه هؤلاء الشباب المخدوعين إلى أن الحرب التي يخوضونها يُقاتلون فيها أنفسهم بأنفسهم، وأن الذين يدفعون بهم للحرب لا يشاركون فيها ولو بضرب المزامير، وأن ما يحصلون عليه من مقابل يجعل ثمن المقتول منهم أو من الفريق الآخر لا يساوي ثمن بطيخة، وأن أمراء الحرب الذين يُصدرون لهم الأوامر والتعليمات بحرق القرى وجز الأعناق يفعلون ذلك من مكاتب مجهّزة بوسائل الترفيه والتسلية، ولا علم لهم بالمواقع التي تجري فيها الحرب، فقد صدق من قال بأن أهل الإنقاذ يرسلون الناس للآخرة ليهنؤوا هم بالدنيا. 

الحقيقة التي لم يسأل عنها الشباب (خاصة من أبناء دارفور وكردفان) أنفسهم هي: أين أنجال الأكابر من رموز هذا النظام وهم أنداد لهم في العمر من هذه الحرب!! ولم أجد إجابة على هذا السؤال بمثل ما ورد على لسان السيدة / هند بحيري زوجة الدكتور عبدالحليم المتعافي (صحيفة الرأي العام 12/2/2011) التي قالت أن السبب الذي جعلها تُرسل إبنها البكر “أحمد” لدراسة الهندسة الميكانيكية في بريطانيا هو رغبتها في أن يقتدي بجده مامون بحيري)، ومثل هذا غيض من فيض.

سوف تشهد الأيام القادمة قطف الوطن لثمار التوقيع على هذا الإعلان التاريخي، ولا بد لنا من تحية وصمود المناضل إبراهيم الشيخ الذي أصبح – بحق – مُلهم الثورة.