التغيير: القاهرة، رشا عوض إن عمليات قصف المدنيين بالطائرات وحرمانهم من الإغاثات وإحراق القليل الذي حصدوه من محاصيلهم بشق الأنفس، ومطاردتهم بشبح الموت أينما ذهبوا، إما بالقنابل والبراميل المتفجرة، وإما بالقذائف المدفعية، 

التي لا تستثني مدرسة ولا مستشفى، وإما بسياسات التجويع ، بهدف طردهم من قراهم وإفراغها منهم بشكل نهائي، وحتى معسكرات اللجوء لم تعد ملاذا آمنا بسبب اندلاع الحرب في دولة جنوب السودان، فأصبح اللاجئون بين مطرقة قصف الطيران الحكومي وسندان رصاص المليشيات المتصارعة في جنوب السودان! هذه هي مفردات الحياة اليومية في مناطق الحرب في جنوب السودان الجديد(جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق)…

وهذه المآسي الإنسانية التي ظلت تطوق مئات الآلاف من المواطنين السودانيين منذ ثلاثة أعوام،  ظلت بعيدة عن كاميرات التلفزة، ورصد الإعلام! بعيدة عن دائرة معارف واهتمامات المواطن السوداني، قبل المواطن العربي.

هذه هي ملامح الواقع الكارثي كما فصلها نشطاء حقوقيون قادمون من مناطق الحرب، في ندوة  نظمها “التحالف العربى من أجل السودان ” بالتعاون مع البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان بالقاهرة يوم الإثنين الموافق 11 من أغسطس 2014 ، تحدث فيها كل من الدكتور أمين مكي مدني الخبير القانوني وعضو كنفدرالية منظمات المجتمع المدني السوداني، والدكتور خالد عمار المستشار المستقل للشئون الإنسانية وحقوق الإنسان في مناطق سيطرة الحركة الشعبية في جنوب النيل الأزرق، والاستاذة نجوى موسى كندة مديرة منظمة “النوبة للإغاثة وإعادة التعمير والتنمية” في كاودا، والدكتور بشرى قمر حسين مدير منظمة حقوق الإنسان والتنمية(هودو)، وأدار  الندوة الاستاذ حجاج نائل رئيس البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان،

 ركزت الندوة على أهمية  تفعيل دور منظمات المجتمع المدني العربية في “كسر حاجز الصمت العربي الرسمي وغير الرسمي” تجاه الكارثة الإنسانية في مناطق الحرب في السودان، واجمع المتحدثون على الأهمية القصوى لعنصر التغطية الإعلامية في ادراج الكارثة الانسانية في السودان ضمن اهتمامات الرأي العام العربي والعالمي ومن ثم استقطاب الدعم للضحايا، كما أجمعوا على أن اوضاع السكان في جنوب كردفان والنيل الازرق كارثية وتستوجب الإسراع في إنفاذ برامج عاجلة للإغاثة الى جانب الإسراع في اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية المدنيين من قبل المجتمع الدولي.      

 اللاجئون من النيل الأزرق: خمسة بنادق مقابل كل لاجئ!

لخص  الدكتور خالد عمار السياسة الحكومية تجاه السكان في مناطق سيطرة الحركة الشعبية(شمال) وهي مناطق تشمل 80% من مساحة جنوب كردفان، و60% من مساحة النيل الازرق حسب إفادته، ويسكن في هذه المناطق 900 ألف نسمة، لخص تلك السياسة في أنها عملية إخلاء تام لتلك المناطق من السكان عبر ترويعهم بالقصف الجوي كاستراتيجية قتالية.

وتحدث د. خالد عمار عن فرار 125 الف لاجئ ونازح من منطقة النيل الازرق ، 45 الف الى اثيوبيا ، 47 ألف إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية والبقية في ولاية أعالي النيل بجنوب السودان، كما يوجد عدد من النازحين في مناطق سيطرة الحكومة السودانية.

الأمم المتحدة لها أربعة معسكرات في جنوب السودان وثلاثة معسكرات في إثيوبيا، وعندما اندلع القتال الجنوبي الجنوبي في جنوب السودان ادى ذلك الى كارثة وسط لاجئي النيل الأزرق، ففضلا عن الجوع والمرض، الامن منعدم تماما في ظل وجود سبعة مليشيات تتقاتل في تلك المنطقة من جنوب السودان، أهمها مليشيات رياك مشار ومليشيات المابان ومليشيات الفلاتة الرحل التي تدعمها حكومة الخرطوم ومليشيات تتبع للدينكا في المنطقة، إضافة الى جيش حكومة جنوب السودان، فكل لاجيء من النيل الأزرق في جنوب السودان تهدده خمسة بنادق على الأقل! ولذلك فضل ثمانية آلاف لاجئ العودة الى مناطق سيطرة الحركة الشعبية داخل السودان، رغم التهديد المستمر للقصف الجوي الذي يعمل على إفراغ تلك المناطق من السكان، وبالفعل تم تهجير السكان من  محليات الكرمك وقيسان والتضامن وباو بشكل كبير، وهي اربع محليات تشكل بالاضافة الى محليتي الدمازين والروصيرص، ولاية النيل الأزرق، وعاصمتها مدينة الدمازين.

العرب والمسلمون في مأزق أخلاقي:

شدد الدكتور خالد عمار على ان العالم العربي يجب ان يتحرك في مساندة الضحايا وإدانة ما يتعرضون له، لان النظام الحاكم يفعل كل ذلك تحت شعارات الدفاع عن العروبة والاسلام، ورغم هذه الشعارات نفذت الحكومة غارة جوية على جنوب النيل الأزرق في اول أيام عيد الفطر الماضي مما حول يوم العيد الى يوم  ذعر ورعب! وانتقد ما أسماه “الصمت الدولي على الإبادة الممنهجة” في تلك المناطق والتي لم تحظى بذات التصعيد الإعلامي الذي حظيت به ازمة دارفور.

في جبال النوبة: نصف مليون نزحوا الى الخيران والكراكير:

أكدت مديرة منظمة النوبة للإغاثة والتنمية نجوى موسى كندة ان الأوضاع في جبال النوبة كارثية، وان القصف الحكومي قد تطور نوعيا عما كان عليه عام 2011 حيث تستخدم الحكومة الآن (طائرات بدون طيار) للاستطلاع ومسح المناطق، ثم تليها طائرات اخرى لرمي القذائف، مما ادى لنزوح نصف مليون شخص إلى الخيران والكراركير(كهوف في الجبال)،

وذكرت ان الأطفال يعانون من سوء التغذية، ويموتون بسبب نقص العلاج او انعدامه تماما، كما يعانون من مخاطر عدم التطعيم الذي ما زالت تعرقله حكومة الخرطوم، حيث تصر على ان يتم التطعيم عبر الهلال الاحمر وغيره من المنظمات الحكومية رغم ان السكان في تلك المناطق لا يثقون في اي شيء تقدمه حكومة الخرطوم لانها سبق ان قدمت لهم في فترة التسعينات إغاثة مسمومة، كما تحدثت عن النقص الحاد في الأغذية ، وان السكان يعتمدون في الغذاء على الثمار التي يلتقطونها من الغابات تحت تهديد القصف.

وشددت الاستاذة نجوى موسى على ان الوضع الانساني يحتاج الى تدخل سريع وانتقدت صمت جامعة الدول العربية، وقالت ان معدل القصف ارتفعت وتيرته في الأشهر: أبريل ومايو ويونيو من العام الجاري وروت عن القصف الذي تم للمركز الصحي الذي يعتبر المستشفى الوحيد بالمنطقة كما استهدف مكتب منظمة النوبة للإغاثة والتنمية، وتحدثت كذلك عن قصف جوي في أول جمعة من شهر رمضان الماضي استهدف مسجدا وخلف وراءه عددا من القتلى والجرحى.

وتساءلت نجوى: الى متى تستمر هذه المعاناة؟ لاسيما ان المجتمع المدني في تلك المناطق يفتقر إلى الدعم لان المنظمات المانحة تشترط موافقة حكومة الخرطوم، وعملية توصيل الاغاثة الى تلك المناطق مكلفة وشاقة لوعورة الطرق وصعوبة الحركة.

الدكتور بشرى قمر مدير منظمة(هودو) أشار الى أن مفهوم “السيادة” وقف حاجزا أمام دخول المنظمات الإغاثية الى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية، وشدد على اهمية دور الإعلام في كشف ما يحدث في تلك المناطق ورشح مصر للعب دور اساسي في ذلك، موضحا ان الاعلام لعب دورا حاسما في قضية دارفور. وأشار الى بعض التطورات في أزمة دارفور والتي اثرت على جنوب كردفان ومنها استجلاب الحكومة لمليشيات  مقاتلة من جمهورية مالي بعد الهزيمة التي لحقت بهذه المليشيات على يد القوات الفرنسية نهاية 2012م وتم استخدامهم في حرب جنوب كردفان. وقد وجه نقدا حادا للمجتمع الدولي مؤكدا انه ليست لديه الرغبة في ممارسة الضغط على الحكومة السودانية لاجبارها على الكف عن الفتك بالمدنيين.

الدكتور أمين مكي مدني تحدث عن طبيعة النظام الحاكم في الخرطوم التي وصفها بالاستبدادية القامعة وذات التوجه الآيدولوجي الاقصائي، الذي تجسده ترسانة من القوانين المقيدة للحريات والمنتهكة لحقوق الانسان على رأسها قانون الامن والمخابرات الوطني وقوانين الجيش والشرطة، وتجسده مليشيات غير محكومة باي قانون مثل مليشيات الدعم السريع، وشدد على ان السودان على “شفا هاوية لانهيار سياسي وامني واقتصادي واجتماعي واخلاقي شامل” وربط كل مايحدث من معاناة في جنوب البلاد بطبيعة النظام الحاكم.

أبدى المشاركون في الندوة من الاعلاميين  ونشطاء المجتمع المدني المصري قلقهم على الاوضاع الانسانية في مناطق الحرب في السودان وقدموا مقترحات لعمل حملة مناصرة في الدول العربية للقضية الإنسانية في السودان، وأشار بعضهم الى ان عدم تقديم الجناة لمحكمة الجنايات الدولية شجعهم على ارتكاب مزيد من الجرائم ،كما عبروا عن مخاوفهم من تفكك الدولة السودانية.

من جانبها تساءلت الدكتورة إجلال رأفت الناشطة الحقوقية والكاتبة عن سبب صمت المجتمع الدولي على ما يجري في السودان، وانتقدت سلبية الأحزاب الكبيرة في السودان تجاه أزمة البلاد.

والجدير بالذكر ان “التحالف العربي من أجل السودان” تأسس عام 2008 باسم “التحالف العربى من اجل درافور” وضم فى عضويتة 130 منظمة من منظمات المجتمع المدنى فى 19 دولة عربية وجاء تأسيسة استجابة لكسر حالة الصمت العربى الرسمى وغير الرسمى على ما يحدث فى دار فور وفى عام 2014 تغير الاسم ليصبح “التحالف العربى من اجل السودان” استجابة للتطورات في الأزمة السودانية .