خالد فضل   يبدو بزوغ نجم الحركات ذات الشعارات الاسلامية في المجتمعات التي يدين اغلبها بالدين الاسلامي من الظواهر الجديرة بالتأمل , وقبل كيل السباب لهذه الحركات وممارساتها، 

فإن النظر الى الظرف التاريخي والسياق الاجتماعي الذي افرزها والمناخ السياسي الذي افرخها مما يجدر أن يتأمله المراقب , ولدينا في السودان ربع القرن من الزمان سيطرت فيه حركات الاسلام السياسي على الساحة الوطنية وطبقت على شعبه عمليا رؤيتها للحياة والانسان والبيئة والكون , وفي فلسطين يرزح شعب غزة تحت ذات النسخة الاسلامية منذ اكثر من عقد من الزمان مما يوفر عينة تطبيقية اخرى , أما حركة داعش التي سيطرت مؤخرا على اجزاء من العراق وسوريا وشرعت بالفعل في تطبيق نموذجها لسياسة الناس والبلاد فهي كأحدث نسخة من نسخ الاسلام السياسي  , هذا بالاضافة للفترة القصيرة التي دانت فيها مصر لنموذج الاخوان المسلمين , وكذلك ليبيا التي سادها لفترة نموذج الحركات الاسلامية بيد أن آخر انتخابات برلمانية اسفرت عن هزيمة ماحقة لهذا التيار وانحياز جماهيري للقوى الوطنية الاخرى , وهو الأمر الذي حدث في مصر كذلك وعبر عنه احتشاد ملايين المصريين في انتفاضة 30يونيو  والتي ختمت بتولي الجيش للسلطة وازاحة الرئيس الاخواني محمد مرسي وما تلا ذلك من احداث . وفي تونس التي صعد فيها حزب النهضة الاخواني للحكم واجه النظام ضغط جماهيري وسياسي واسع جعله يتراجع عما بدأه من خطوات التمكين وبسط الهيمنة على مؤسسات الدولة الوطنية بحجة التفويض الانتخابي .

     في سوريا تنشط الحركات الاسلامية المسلحة عبر تحالف ما يسمى الجيش الحر , في الاردن هناك جماعة الاخوان المسلمين , وفي الكويت ودول الخليج الاخرى يعلو ويخفت تيار الاسلام السياسي , وفي الجزائر والمغرب هناك تنظيمات القاعدة والسلفية الجهادية التي غزت غرب افريقيا كالنموذج المالي , وبوكو حرام النيجيرية والشباب الاسلامي الصومالية , والحوثيين والقاعدة في اليمن ,والقاعدة في باكستان وطالبان في افغانستان  وغيرها من مسميات عديدة لكثير من التنظيمات والحركات ذات الشعار الاسلامي  التي تظهر وتتبنى في الغالب عمليات عسكرية وهجمات مسلحة ارهابية , مثل عمليات خطف الاجانب أو المدنيين أو استهداف المتاجر والحافلات وقطع الطرق وتفجير الاماكن العامة وغيرها من ممارسات لا تقود الى نشر الاسلام أو تعاليمه النبيلة بل تقود مباشرة الى نشر الزعر والخوف والتشويش على الاسلام كمعتقد روحي يعتنقه ملايين البشر على سطح الكرة الارضية ويودون نشره سلميا وعبر اساليب وطرق تقليدية كالتنظيمات الصوفية أو عبر الطرق الحديثة خاصة وسط المجتمعات المتمدنة في الغرب .

 ما يجمع بين هذه التنظيمات هو سعيها الدؤوب لتفتيت الدولة الوطنية القائمة الآن , ورغم التحفظات العديدة على أداء الدولة الوطنية عقب خروج الاستعمار وتولي النخب الوطنية لزمام الأمور فيها , ورغم أن الجميلون لم يولدوا بعد كما في رواية الكاتب الغاني ارماه , الا أن ذلك لا يعني استبدال الفشل بالفشل والمستبدين بالمتوحشين , فالتنظيمات الاسلامية التي اتيحت لها فرصة الحكم اعادت بلدانها وشعوبها الى عصور ما قبل الاسلام في الواقع , ومارست أدنى درجات البدائية في التعامل مع واقع الدولة الوطنية الحديثة وعوضا عن استلهام التراث الديني الاسلامي ومقاصده الكامنة وراء النصوص الجامدة حاولت تلك المنظومات تطبيق ذات النصوص دون مراعاة للظرف التاريخي والسياق الاجتماعي المعاصر , فكانت تجربة طالبان في افغانستان غير ذات جدوى سياسية وعسكرية لما يفترض أنه الغرب المتربص بالاسلام حسبما تقول ادبيات هذه الجماعات كلها وفي ذات الوقت كانت وبالا على الشعب المسلم في افغانستان , وفي السودان فإن تجربة الاسلاميين الطويلة جدا في الحكم قد اتاحت للسودان وضعا دائما في ذيل قائمة بلدان العالم في كل الموبقات الاخلاقية والسياسية والدينية حتى , فالسودان متذيل قائمة العالم بمعايير الشفافية , وحرية الصحافة , والحريات الدينية , التنمية البشرية , ومعايير اسلامية الدول , ويتصدر القوائم من حيث نسبة النازحين للسكان , ومن حيث معدلات الفقر , وانعدام خدمات مياه الشرب الصالحة للاستخدام البشري , والصرف الصحي , وغيرها من أوجه الدولة الحديثة , بل الأسوأ من ذلك ففي عهد الدولة الاسلامية في السودان تفتت الدولة وانقسمت الى دولتين فاشلتين , وسادت العصبيات القبلية والجهوية والعنصرية والدينية , فأي فشل بعد هذا يمكن أن تنزلق اليه الدولة السودانية تحت حكم جماعة الاسلام السياسي ؟ وهي ذات الصورة في افغانستان , وفي ليبيا التي تتحول بسرعة الى كانتونات مدججة بالسلاح الى مصر التي عادت الى لعبة القط والفأر وما بينهما من كر وفر الى غزة التي استحالت بفضل حماس الى بؤرة موت معلن للأطفال والعجزة والنساء والشبان قصفا اسرائيليا وقمعا داخليا , وفي نيجيريا التي تتوعد فيها بوكو حرام بتصفية الوجود المسيحي في شمال البلاد وهو ما مارسته داعش في الموصل بطرد الآف الأسر الموصلية المسيحية دون أن يسمح لها بحمل متاعها الذي صار غنيمة لدولة الاسلام الداعشية .

 هذه لمحات فقط من أثر تمدد حركات الاسلام السياسي وهيمنتها على فضاءات البلدان المسماة اسلامية باعتبار ديانة معظم شعوبها , سواء أكانت هذه الحركات قد وصلت للحكم فعلا أو ما تزال تقاتل من أجل بلوغه , فليس هناك برامج سياسية ناضجة يمكن الاعتداد بها انما نتف متفرقات من نصوص دينية بعضها مشكوك اساسا في نسبتها للدين وبعضها يحتاج الى فهم حديث ليس لهذه الجماعات أي مصلحة في سيادته فتراها تصدر في فتاوي التكفير يمنة ويسرة لكل صاحب رأي لا يوافق أهواء ومصالح قادتها الذين يرفلون في غالب الأحوال في رغد العيش ويستمتعون بكل مباهج الحياة بينما يدفعون بالمغرر بهم من الشباب خاصة الى مهاوي الردى ومفازات الموت في حظيرة الدندر أو خطوط النار مع اسرائيل أو كهوف افغانستان . وبالنتيجة تضعف الدولة الوطنية وتضمحل فرص تطويرها لتصبح بلدان ضاجة بمقومات العيش الكريم لشعوبها , وهاهي البلدان الاسلامية في معظمها تتحول الى مفارخ للارهابيين من جانب والى المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين للعالم الأول الذي ترفع الحركات الاسلامية شعارات معاداته وهي في الواقع تعادي شعوبها وبلدانها وتعادي بصورة أساسية دينها الاسلامي المزعوم نفسه .