عندما يكون في أحد أطراف الجسد جرح غائر،نازف وملتهب، ولكن صاحب الجسد لا يشعر بأي ألم، ولا يستشعر خطورة، دل ذلك على ان هذا الجسد يعاني من مرض آخر في جهازه العصبي 

أخطر وأشد فتكا من الجرح! ولا بد ان يسارع لمعالجة هذا المرض المتسبب في تعطيل حاسة”الألم” لديه لأن تعطيلها سيؤدي في النهاية إما الى فقدان الأطراف او تسمم الجسد كله! إن الكارثة الإنسانية التي يكابدها الشعب السوداني في جبال النوبة وفي جنوب النيل الأزرق وفي دارفور وفي معسكرات اللجوء في دولة جنوب السودان التي تمزقها الحرب الأهلية هي الاخرى ولم تعد ملاذا آمنا حتى لشعبها، تستوجب ردود أفعال قوية من الشعب السوداني في كل مدن وقرى السودان،

تستوجب حملة استنفار قومية وتاريخية لنجدة اخوة في الوطن، مواطنون مدنيون عزّل، أطفال، وكبار سن، ونساء، منهن الحامل والمرضع ومن تحتضن طفلا حديث الولادة، ورجال منهم المعاق والمريض والمصاب، كل هؤلاء حرموا نعمة السلام منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة منذ ثلاث سنوات (في جنوب كردفان والنيل الأزرق، اما دارفور فزادت عن عشر سنوات ورغم أنف اتفاقيات السلام العديدة مازال القتل والاغتصاب والترويع حتى داخل المعسكرات جزءا من الحياة اليومية فيها)،

فقد ظلت الحكومة تتعامل مع مواطني تلك المناطق كما لو كانوا أهدافا عسكرية، قصف بالطيران،بالقنابل والبراميل المتفجرة، وتعويق متعمد لوصول الإغاثة، وإضرام للنيران في المزارع وحرمان من أبسط اشكال الرعاية الصحية، اسعدهم حظا من وجد معسكرا بائسا يؤويه، او استطاع ان يجد له كهفا في جبل يعصمه من حمم الطائرات، وأما أهلهم في المدن والحواضر البعيدة عن مناطق الحرب فيعيشون رعبا من نوع آخر هو الملاحقة المستمرة من الأجهزة الامنية بالملاحقات والاعتقالات التعسفية على أسس عرقية وقبلية، لان الحكومة تنظر إلى كل منهم كمشروع جاسوس او متخابر، ان لم يكن جاسوسا ومتخابرا بالفعل!

ان ما يجري في الجنوب الجديد مأساة إنسانية لا تختلف عن مآسي غزة والعراق وسوريا التي تسيل مدامع كثير من السودانيين تعاطفا معها، وهو تعاطف إنساني واجب ومستحق، ولكن الواجب الإنساني والاخلاقي والوطني يحتم على قوى السودان الحية من مثقفين وأدباء ومفكرين وأئمة مساجد  وفنانين ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية ان يلفتوا انتباه الشعب السوداني في الشمال والوسط إلى ان في داخل وطنهم مآسي وكوارث منسية،يخفيها عنهم الإعلام الرسمي المضلل والمنافق الذي يعرض لهم قادة النظام المجرم يبكون بدموع التماسيح على أطفال غزة، ويعرض لهم خطب فقهاء السلطان في الدعوة لمناصرة اهل عراق وسوريا وفلسطين، ولكنه يخفي عنهم مشاهد “غزة السودانية” التي يحترق اهلها ويهجرون ويتم تجويعهم وحصارهم في مناطق نائية وعرة دون ان يسمع أنينهم أحد، ودون ان تجرؤ صحف الخرطوم على رواية جانب من مأساتهم!

إن كنا فعلا شعبا سودانيا واحدا فلا بد ان يرتفع صوتنا عاليا في إدانة ما يحدث في جنوبنا الجديد، وأن تمتد أيدينا بالمساعدة رغم انف فقرنا وعوزنا، لا بد ان تكون للشعب السوداني كلمتة التي يقولها في الخرطوم ومدني وكوستي وبورسودان ودنقلا، لأن الذي يبقينا شعبا واحدا هو ما يقوله وما يفعله الشعب السوداني، وما يتخذه من مواقف!